First Published: 2017-04-16

مسرحية 'سينما' .. سؤال الخلاص المتشظي!

 

مسرحية كاظم النصار تبدأ بعاصفة من الرعب، اختلطت فيها أصوات الانفجارات مع أصوات استغاثة وفوضى، حاصرت مقبرة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: عبدالأمير المجر

المسرحية مشبعة بالشعرية

استعار المخرج كاظم النصار، مفردة (سينما) عنوانا لمسرحيته الجديدة التي عرضت على خشبة المسرح الوطني يوم 11/4/2017 ليستعرض من خلالها شجون وشؤون عراق ما بعد 2003 عائدا الى الوراء قليلا ومطلا على المستقبل برؤية اخراجية، اتكأت على حمولة مفردة (سينما) بعيدا عن دلالتها القارة التي تشير الى جنس فني معروف، بل استثمر دلالتها الشعبية بين بسطاء الناس، لاسيما في العقود الماضية حين يقولون (صرنا سينما!) للدلالة على حال مزرية يتداخل فيها المضحك والمبكي في آن.

لاشك ان واقع العراق اليوم، الحافل بالتناقضات، جعل الحياة عبارة عن لوحة سوريالية، والمسرح العراقي، نقصد الجاد منه أو غير الاستهلاكي، ظل هو الاقرب الى ملامسة هموم الواقع والتعبير عنه.

ولعل المخرج النصار كان دقيقا في وصفه شخصيات مسرحيته هذه، حين قال: "شخصيات لكل منها قصتها وحكايتها مع هذه التراجيديا العاصفة، وان بدت في أحيان كثيرة كوميديا سوداء، لكنها ليست سوى قناع لتخفيف رعب الواقع. إنها حكاية شخصيات تحاول أن تنهض من رماد الحروب، لكن الصراع المستمر عطّل من مسيرتها ومازال".

بدأت المسرحية بعاصفة من الرعب، اختلطت فيها أصوات الانفجارات مع أصوات استغاثة وفوضى، حاصرت مقبرة، (ستكون هي ميدان العمل المسرحي طيلة العرض)، ووسطها خمسة أشخاص، يمثلون خليطا من المجتمع العراقي، ثلاثة منهم قضوا في أحداث العنف التي أعقبت الاحتلال، أحدهم شاعر (علاوي حسين) وصحفية (أزهار العسلي) وخريج كلية لم يجد عملا باختصاصه، فيعمل سائق تاكسي (زيدون داخل) فيما الرابع (اياد الطائي) جنرال قضى في الحرب العراقية الايرانية. سبقهم إليها منذ الثمانينيات، في اشارة الى استمرارية الموت في الحروب ومن ثم العنف، منذ ذلك التاريخ.

اطمئنانهم في مقبرتهم التي أخذت تتسع من حولهم لن يدوم، بفعل مجانية الموت بعد العام 2003 وكثرة الموتى الذين صاروا يزاحمونهم على المكان، فيخرجون من قبورهم بطريقة فنية رائعة، اذ تسقط صورهم من الأعلى وهي موشحة بالسواد لتحط امام كل واحد منهم، حيث يقف عند قبره، في المقبرة التي يقف عليها حارس عجوز، الفنان (باسل الشبيب)، وهذا سيكون بمثابة الشاهد على ما جرى ويجري، لندخل أحداث المسرحية التي تكون فيها المقبرة كناية عن واقع أثقلته الأحداث بالمآسي المتسلسلة، والتي يكون فيها الاحتلال، أو الزلزال، كما يصفه حارس المقبرة، مدخلا لحوار مفتوح فيما بينهم، أو بينهم وبين الحارس الذي يشير بحمولة طروحاته وأقواله الى تداخل الازمنة، فيستعرضون جميعا حيواتهم أو حيوات مجتمع وجد نفسه وسط عاصفة من رعب، فرضتها عليهم ارادات متداخلة.

لقد بذل الممثلون جهدا كبيرا، وكانوا بحق ابطالا في ادائهم الرائع والمعبّر، بعد ان حولهم المخرج الى عيون راصدة لواقع رجراج، أفقدهم حلمهم في الحياة، وأفقد الحياة معناها، بعد ان وجد الناس انفسهم امام طوفان الارهاب، الذي اخذ يسرق الحياة باشكال مختلفة، سواء بواسطة انتحاريين او اغتيالات او غيرها من وسائل الموت المتعددة.

المسرحية، كانت مشبعة بالشعرية، ليس على مستوى اللغة واللعب بالالفاظ، بل بالاشارت الغنية الدالة والناقدة، بالتلميح الذكي والسريع، وان هبطت للمباشرة المصحوبة بالانفعال احيانا، وربما كانت بحاجة اليه لتشبع موضوعاتها.

وقد عمد المخرج الى نقد الذات الجمعية، من خلال اشارته اكثر من مرة الى استغراق ابطاله بالجدل العقيم، والذي ياتي على لسان الابطال بصيغة خلافات بينهم على امور تافهة، تستهلك وقتهم وجهدهم، وتبعدهم عن همومهم الحقيقية، وانعكاس ذلك على أدائهم في اختيارهم من يمثلهم من الساسة، ومن ثم انتقاد الواقع السياسي المرتبك من خلالهم.

شاعر وصحفية وخريج .. احلام قبرها الارهاب، وجنرال هو الاخر يموت حلمه مبكرا قبلهم، بعد ان سبقهم في حرب الثمانينيات، يخرجون ليحاوروا حارس المقبرة، او يدخلون معه في جدال طويل عن ما آل اليه حالهم، فيما هو ظل طيلة المسرحية، يؤكد لهم فقدانه الارادة، وان ما يحصل من استفزاز لاطمئنانهم في قبورهم هو من مسؤولية صاحب المقبرة او مالكها! وان الزحام الذي ضيّق عليهم مكانهم بسبب كثرة القبور، ليس من مسؤوليته. ومن هذه التلميحات التي تشير الى واقع مأزوم، بفعل صراعات متداخلة غيّبت الاستقرار وتسببت في الضياع.

يدخلنا المخرج الى لب اللعبة التي يروم من خلالها ايصال مقولته المتشظية. اذ لم يتردد النصار من انتقاد البعض ممن انحنوا لعاصفة الارهاب، ايام الفرز الطائفي، وليشير ايضا الى التصدع المجتمعي وانعكاسه على واقعهم الديموغرافي، كون هذا يدخل في صميم رغبة صاحب او مالك المقبرة، الذي يهدف الى تقسيم بلادهم، ولعل هذا النقد، بالرغم مما فيه من قسوة، لكنه يشير الى وقائع حيّة او ينبه اليها، لان الهدف النهائي هو تقسيم البلاد، بعد ان يجعل اهلها متنازعين على هويات مناطقهم، فيأتيهم حارس المقبرة بخارطة جديدة، على خلفية تنازعهم هذا، والذي يأخذ في المسرحية بعدا رمزيا، من خلال انحياز كل واحد منهم الى ثقافته الخاصة، ومحاولته تكريسها على حساب الاخرين، لتفقد الحياة تنوعها وثرائها بفقدانها أهم الميزات الانسانية، المتمثلة بالتنوع الديني واللغوي وغيرهما.

السينوغرافيا والديكور لم يكونا بمستوى العمل، حيث بديا جامدين، باستثناء الانارة التي وظفت بشكل ممتاز، وفي العموم، يمكن القول إن مسرحية "سينما" حمّلت الجميع مسؤولية ما حصل ويحصل مثلما أكدت أن الأمل يصبح حقيقة حين تصبح الارادة فعلا جماعيا يعمل عليه الجميع أيضا.

 

عبدالأمير المجر

 
عبدالأمير المجر
 
أرشيف الكاتب
هل العراق دولة مصطنعة حقا؟
2017-10-16
عن التوأم السيامي.. سياسيا!
2017-10-09
المشروع الاميركي في علبة الاستفتاء!
2017-10-05
اوراق دول الاقليم المؤجلة
2017-09-25
بغدادي كردي أبا عن جد
2017-09-18
مراسلات مكماهون الأخير!
2017-09-11
المشاريع المستحيلة
2017-08-28
استفتاء الاقليم.. ومواقف دول الاقليم
2017-08-22
ازمنة النصب الدولي
2017-08-15
درعنا الحضاري المهلهل
2017-07-31
المزيد

 
>>