First Published: 2017-07-20

لغز الليونة المصرية مع حماس

 

حان أوان تحصين القضية الفلسطينية من المحاولات التي تريد لها عدم مبارحة مستنقع الخلافات والمناوشات والمكايدات الداخلية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

المتابع للعلاقة بين مصر وحماس يكتشف أنها هادئة حاليا وتتطور إلى دفء سياسي وأمني واقتصادي يسير عكس التوجهات العامة التي تقف بالمرصاد للإخوان المسلمين والمنتمين إليها بشتى أطيافهم، ما جعل البعض يتساءل عن سر اللغز الذي جعل التعامل بخشونة مع الجماعة ينقلب إلى ليونة مع الحركة الإخوانية الفلسطينية.

ما يجري في غزة وسيناء والمحيط الإقليمي يفسر جانبا من هذا اللغز، فالأوضاع الإنسانية في القطاع تتدهور بطريقة سريعة، ومصر قدمت مساعدات إنسانية ومادية ووقودا خلال الأيام الماضية، ووعدت بتطوير وفتح معبر رفح بصورة منتظمة، ليس لأجل عيون حماس، لكن لتخفيف العبء على المواطنين الفلسطينيين ومنع انفجار أصبح محتملا في غزة، بعد قيام إسرائيل بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية باتخاذ حزمة إجراءات جديدة وقاسية.

الغرض من هذه الإجراءات محاولة تضييق الخناق على حماس وإرهاقها بمشاكل مضاعفة لوقف المشاغبات مع إسرائيل والتسليم بقيادة ونفوذ الرئيس محمود عباس، الذي تجاهل وسط مخاوفه من طموح وجموح الحركة أن خطواته قد تفضي إلى خنق غزة، الأمر الذي ترفضه مصر، لأن تداعياته الأمنية تتجاوز حدود القطاع، وأي انفجار سكاني سيؤدي إلى ترحيل مئات الآلاف إلى سيناء في وقت بالغ الحساسية ولا يحتمل ترحيل هذا النوع من المشكلات ورميها على عاتق مصر.

قوات الأمن تخوض معركة ضارية لمكافحة الإرهاب في سيناء، وأي تغير هيكلي في المعادلة الحالية يقود إلى خلل كبير في الترتيبات، وهو ما تسعى إليه بعض القوى المعادية لمصر، فهناك من يتربص لوقف جهودها لتجفيف منابع الإرهاب، ومن يملك سيناريوهات جاهزة لنقل الأزمة الإنسانية من غزة إلى سيناء ويقوم بتحركات كثيرة لهذا الغرض، أملا في تكبيل مصر بنوع جديد من الأزمات يحول دون تصديها لدول تعمل على نشر الإرهاب في المنطقة وتريد منع تمدد نفوذها إقليميا.

هذا التصور لم يكن غائبا على ذهن القيادة السياسية، لذلك قبلت على مضض التفاهم مع حماس ومساعدتها لتخفيف حدة الأزمات في غزة، حفاظا على الأمن القومي، الأمر الذي فهمته خطأ بعض الدوائر واعتبرته تطورا تطوي به مصر مراراتها مع حماس وتفتح به صفحة بيضاء في سجل العلاقات معها، في حين تعرف الحركة جيدا الأسباب التي أدت إلى الوصول لهذا المربع.

اللافت أن البعض اتخذ من هذا التطور تكئة للزج بحركة فتح، وقالوا إن الدفء الذي تظهره القاهرة مع حماس يخصم من الرصيد التاريخي لفتح، الذي تعمل مصر للحفاظ عليه وعدم المساس به منذ زمن، مع ذلك هناك من لا يزال يعتقد أن التنسيق مع حماس وتفاهماتها مع القيادي الفلسطيني محمد دحلان التي جرت في القاهرة مؤخرا، طعنة موجهة ضد فتح والرئيس أبومازن شخصيا الذي زار مصر أوائل يوليو الجاري وسمع من المسئولين حقيقة الدور الذي تقوم به ودوافعه الأمنية والسياسية والاجتماعية والتشديد على احترام سلطته الوطنية.

في تقديري المشكلة تكمن في أن مصر تتعامل بشكل واقعي مع ما يجري في غزة، بينما تتحكم الحسابات الأيديولوجية في مواقف آخرين، وهو ما دفع القاهرة لتجاوز بعض التصرفات البروتوكولية التي كانت تتم في الماضي بشأن التنسيق المسبق مع أبومازن، لأن سلطته ليس لها سيطرة عملية على القطاع أو حتى وجود مؤثر فيه، كما أن المسألة تتخطى الجوانب الدبلوماسية، بعد أن شارك الرئيس الفلسطيني في تعميق الجراح في غزة بموجب منع تزويده بالوقود.

الواضح أن أبومازن عندما رفض الاستجابة للتحذيرات التي وجهت إليه بأن هذه الحالة يمكن أن تقود إلى انفجار وتكرس الفصل بين القطاع والضفة الغربية، قامت مصر بالتواصل مع حماس لحل الأزمة الإنسانية وعدم الاعتداد بتقديراته، ودراسة مجموعة من التحركات تمنع الوصول إلى نقطة الانفجار، في ظل سيناريوهات عديدة يتم تداولها لتحديد مصير غامض للقضية الفلسطينية.

ورغم توضيح كافة الجوانب والتأكيد على محورية هذه القضية وأهمية المصالحة الوطنية، لم تتوقف الدعاية التابعة لبعض أجنحة فتح للتحريض ضد مصر، التي أصبحت واقعة بين افتراءات هؤلاء وبين أكاذيب تخرج من جيوب تنتمي لحماس تؤكد استمرار علاقتها مع قطر ولم ولن تقدم تنازلات لمصر.

لم يتم الالتفات للشائعات التي تأتي من هنا أو هناك، وتمضي التوجهات المصرية إلى سبيلها لسد الثغرات التي تمد الإرهابيين في سيناء بأسلحة ومتطرفين من غزة، وجرى التفاهم على إجراءات متباينة لضبط الأمن من ناحية القطاع، وأعلنت حماس عن تصورات تساعد في هذا الاتجاه، ظلت تناور في قبولها فترة طويلة.

المشهد الإقليمي العام يسير في طريق مضاد لرغبات حماس، لذلك قبلت على مضض بخطوات لم تكن تقبل بها في أوقات سابقة، تتعلق بعدم التهاون في غلق الأنفاق من جهة غزة وتسليم متشددين ومتورطين في جرائم إرهاب، وحسب بعض المعلومات المتداولة القبول بتواجد أمني مصري داخل القطاع لإثبات حسن نواياها، فضلا عن مشاركة دحلان والتيار الإصلاحي الذي يقوده في إجراءات سياسية وأمنية يتم الترتيب لها في غزة، الأمر الذي فهمه أبومازن على أنه ضربة موجهة لتقليص نفوذه لصالح غريمه محمد دحلان.

الظاهر أن حماس لن تتوقف عن التملص من بعض الالتزامات، وتراهن على الوقت وحدوث شروخ تمنحها فرصة لنقض غالبية القيود التي تكبلها، لأنها تخشى الدخول في صدامات مع متطرفين إسلاميين يقيمون في غزة، كما أن هناك مخاوف من اضطرارها، تحت وطأة الضغوط الواقعة عليها، تقديم المزيد من التنازلات بما يؤدي إلى صدام آخر مع عناصر محلية وقوى إقليمية تعترض على قيامها بالتطوير التكتيكي الحاصل في العلاقات مع مصر.

الواضح أن التعامل مع حماس لم يغفل هذه النوعية من الحسابات المعقدة، وهو محكوم في كل الأحوال بمحدد الحفاظ على الأمن القومي، وتحصين القضية الفلسطينية من المحاولات التي تريد لها عدم مبارحة مستنقع الخلافات والمناوشات والمكايدات الداخلية، وعندما يحين الوقت للحديث عن تسوية سياسية جادة تجد مصر قواعد ومحاور وثوابت يمكن الانطلاق منها.

 

محمد أبو الفضل

الاسم هارب من أشعة الوهم
الدولة مغترب في كوكب الأرض

الأفلام القديمة للسياسات الدولية في الشرق الأوسط تتحول إلى افلام جديدة تنتهي فيها مصر من خلق وحضانة م.ت.ف بالكامل. مصر لا تستطيع ان تحتضن وتوجه سلطة تستمد سلطتها من عدو السلطة الفلسطينية. الفلم الفلسطيني مختلف تماما كالعراق.

2017-07-21

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
4 رسائل إيجابية من أزمة القدس
2017-12-14
عندما تأكل الأفاعي بعضها
2017-12-07
الخرطوم.. غزل ومكايدات سياسية
2017-11-30
الفرار من الحرب في لبنان
2017-11-23
السعودية الجديدة
2017-11-12
البعد الغائب لحل الأزمة الليبية
2017-11-02
في معنى ترميم الدولة العراقية
2017-10-26
الرسالة الخاطئة للإرهابيين
2017-10-19
أخطر من الدفاع عن مصر
2017-10-12
نمر فلسطين أم نمور إسرائيل؟
2017-10-05
المزيد

 
>>