First Published: 2017-09-21

مصر تخلع حماس من قطر

 

الدوحة كانت دائما عاملا سلبيا ومعرقلا دون دوافع موضوعية لآفاق حل شامل في غزة، بين الفلسطينيين أنفسهم ومع إسرائيل.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

النجاحات المصرية التي تحققت على المستوى الفلسطيني مليئة بالدلالات الأمنية والسياسية، وتؤكد صواب الحسابات التي رأت ضرورة الصبر على حماس، وعدم مبارحة مصر المربع الإستراتيجي، مهما بلغت تجاوزات الحركة، والنتيجة التي جرى التوصل إليها خلال الأيام الماضية تثبت صواب هذه العقيدة الراسخة.

جذب حماس خطوة كبيرة بعيدا عن قطر، يمثل أحد المكاسب الكبيرة، لأنه يحرم الدوحة من ممارسة دورها التخريبي في غزة ووقف عمليات التنغيص على مصر عبر دعم التنظيمات الإرهابية، بل رفع يد الدوحة عن القضية الفلسطينية برمتها، في ظل انشغالات وهموم متعددة تمر بها قطر، الأمر الذي يحرمها من تدخلات بغيضة في عدد معتبر من القضايا الإقليمية.

استجابة حماس للتقديرات المصرية التي قُدمت لوفد الحركة الذي زار القاهرة مؤخرا، تصب في ما ذهب إليه مقال الأسبوع الماضي "فرصة حماس الثمينة" في هذا المكان، وتدل الموافقة على حل اللجنة الإدارة المسئولة عن إدارة قطاع غزة والقبول بحكومة وفاق وطني ومصالحة فلسطينية وانتخابات عامة، على رغبة ظاهرة لوقف الانقسام الفلسطيني، الذي لم تستفد منه إسرائيل فقط، لكن شاركتها كل من تركيا وإيران وقطر في استثمار هذه النقطة اللعينة.

لذلك كانت أحد المحاور التي اشتغلت عليها القيادة المصرية، هي وقف الانقسام والتقدم نحو مصالحة وطنية، ليس بالضرورة تحقق لكل طرف أهدافه كاملة، لكن تفتح المجال للحفاظ على ما تبقى من أهمية للقضية الفلسطينية، وجرى البدء بسلسلة من الحلقات المتاحة، وحسب مقتضيات كل مرحلة، وفي جميع المراحل التي أشرفت فيها مصر على اللقاءات والحوارات والمناقشات والتفاهمات الفلسطينية، المباشرة وغير المباشرة، لم يتزحزح اليقين حول أولوية لم الشمل كمقدمة لما يأتي من خطوات سياسية.

عندما بدأت مصر حواراتها الجادة مع حماس منذ بداية العام، تصور البعض أن الأمن هو المعضلة الوحيدة التي جعلت المسئولين المصريين يقبلون الحوار مع الحركة، وغض الطرف عن انتمائها لجماعة الإخوان وما ارتكبته وبصور مختلفة من حماقات في الداخل المصري، ونسي أو تناسى كثيرون أن هناك اعتبارات إستراتيجية تاريخية تستوجب الصبر والتأني على انفلات الحركة، التي سبق لها عدم الالتزام بعدد كبير من التفاهمات الأمنية والسياسية، لكي تنضج الثمرة ويمكن قطفها في أوانها المناسب.

التطورات الضاغطة لعبت دورا مهما في إجبار حماس على قبول ما لا يمكن القبول به من قبل، فالقطاع يموج بغليان شعبي في ظل اشتداد الحصار الإسرائيلي وعقوبات السلطة الفلسطينية الجديدة، والحركة أصبحت في مأزق اجتماعي واقتصادي، ولم تجد سوى مصر لتخفيف أزمتها.

كما أن جماعة الإخوان التي تنتمي لها حماس دخلت مرحلة خطيرة من التدهور وتوالت الضغوط عليها، فاضطرت الحركة إلى تعديل ميثاقها للإيحاء بتحللها من قيود الجماعة، وكل من قطر وتركيا وإيران لديه من الأزمات ما يجعل الإصرار على توظيف الحركة ضد مصر وغيرها لعبة مكشوفة يمكن أن تفضي لزيادة الأضرار التي وقعت عليهم جراء التدخلات السافرة في شئون الدول الأخرى، ولم تجد الحركة سوى محاولة القفز من سفن الدوحة وأنقرة وطهران أملا في انقاذ ما تبقى لديها من رشادة سياسية.

الجهود المصرية استغرقت وقتا طويلا وكانت لها مقدمات ليست خافية على البعض، بدأت بالاستعانة بالقيادي الفلسطيني محمد دحلان زعيم التيار الإصلاحي، وفتحت قنوات تواصل مباشر بينه وحركة حماس، وحاول كل طرف تجاوز خلافاته ومراراته السابقة، حتى تم الوقوف عند محطة تفاهمات قادت إلى الاتفاق على التعاون المشترك بين الطرفين في غزة لتخفيف آلام الحصار وضبط الأمن وفتح الباب لمصالحة شاملة.

في هذه اللحظة، تصورت بعض الدوائر الفلسطينية أن ثمة مؤامرة تحاك ضد السلطة في رام الله، وتم تبديها بعد سلسلة من الحوارات أجرتها مصر مع قيادات حركة فتح، واضطرت الأخيرة إلى تليين مواقفها مما يجري لأنها تيقنت أنه يصب في صالح القضية الفلسطينية، حتى جاء وفد حماس للقاهرة وسارت الأمور في طريق يشي بقدر كبير من التفاؤل، الذي تعزز بلقاء الرئيس عبدالفتاح السيسي مع كل من الرئيس أبومازن، وبنيامين نتانياهو رئيس وزراء إسرائيل، الاثنين الماضي، في نيويورك على هامش اجتماعات الأمم المتحدة.

هذه المعطيات، تؤكد أن مصر تمسك بكثير من المفاصل الرئيسية في القضية الفلسطينية، لأنها أيضا تحظى بدعم دولي ومساندة عربية واضحة، ما يسمح بعدم استبعاد انطلاق قطار التسوية السياسية قريبا، الذي كانت تل أبيب تتنصل من ركوبه بذريعة الانقسام الفلسطيني، الذي سمح لقطر وغيرها بتوظيفه، والاستفادة من تناقضاته الحركية، ما أرخى بظلال سلبية تناثرت تداعياتها في زوايا مختلفة، من أبرز نتائجها تكريس الفصل بين قطاع غزة والضفة الغربية.

سحب، أو بمعنى أدق خلع حماس من أنياب قطر الذي لاحت مؤشراته مؤخرا، يساعد على تقليل حدة الخلافات التي عمقتها سياسات وتصرفات الدوحة بسبب تحكمها في عدد معتبر من مفاتيح الحل والعقد داخل حركة حماس، وهي ممارسات ساهمت بقوة في فشل جولات المصالحة الفلسطينية السابقة، وفرملة التصورات الرامية إلى جمع الشمل، لأنه الباب الذي يسد الكثير من الثغرات أمام الدول التي دأبت على الدخول منه واستثمار المسافات المتباعدة بين القوى الفلسطينية.

إذا نجح سيناريو عزل حماس عن قطر وتجفيف منابع الدعم القادم من الدوحة، سوف تكون لهذا التحول نتائج إيجابية، أبرزها وقف النفوذ الذي تمتعت به بعض التنظيمات المتطرفة في غزة، ورفع جزء مهم من العقبات التي حالت دون المصالحة، وتشجيع الدول الراعية للسلام على حض إسرائيل للعودة إلى طاولة المفاوضات وحشرها في زاوية يصعب التنصل منها بسهولة، لأن القضية الفسلطينية لا تزال هي القضية الأم في المنطقة والمدخل الذي تستعيد منه بعض القوى بريقها الإقليمي.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
عندما تأكل الأفاعي بعضها
2017-12-07
الخرطوم.. غزل ومكايدات سياسية
2017-11-30
الفرار من الحرب في لبنان
2017-11-23
السعودية الجديدة
2017-11-12
البعد الغائب لحل الأزمة الليبية
2017-11-02
في معنى ترميم الدولة العراقية
2017-10-26
الرسالة الخاطئة للإرهابيين
2017-10-19
أخطر من الدفاع عن مصر
2017-10-12
نمر فلسطين أم نمور إسرائيل؟
2017-10-05
مصير الأكراد وجنوب السودان
2017-09-28
المزيد

 
>>