First Published: 2017-09-22

ما وراء حديث الميراث وزواج المسلمة بغير المسلم

 

الوعي ينبغي ان يسبق التشريع.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد الحمّار

كثر الحديث والجدال في الأسابيع الأخيرة حول المقترحَين الشهيرَين للرئيس التونسي الباجي قايد السبسي. لكن يبدو لي أنّ المشكلة في الاقتراح حول الميراث وحول زواج المسلمة من غير المسلم لا يكمن في "هل هو خطأ أم صواب؟" مثلما تمّ تداول المسألة مؤخرا. بل تكمن المشكلة في "لماذا أخذ المقترَح مثل ذلك المنعرج الانزلاقي وتلك الأبعاد التي أقل ما يمكن أن نقول عنها إنها كاريكاتورية؟"

إنّ الخلط والمزايدات حول موضوع قانون الميراث ومسألة زواج المسلمة بغير المسلم، إن دلت على شيء فإنها تدل على أنّ مجتمعنا المسلم (عموما) يعيش فترة جاهلية حديثة (وذلك بالمعنى الميتا-حداثي لا بالمعنى الإسلاموي الذي تعتقد مكوناته أنها تسعى إلى القطع مع "الجاهلية"): هو بحاجة إلى فكرة تجدد له الإسلام؛ هو ليس بحاجة إلى الإسلام حيث إن مكونات هذا المجتمع تعرف حق المعرفة كُنه الإسلام لكنها مع هذا تعتقد أنها لا تعرفه. هذه المفارقة هي بالضبط ما يتسبب في بروز الحاجة إلى الفكرة الجديدة لمقاومة الجاهلية الجديدة. لكن لسائلٍ أن يسأل "من المتسبب في هيمنة مثل هذه المفارقة وما العمل لكي تبرز الفكرة الجدية وتزول المفارقة؟"

يلاحَظ أنّ غالبية علماء الدين، وهم قدوة جمهور المسلمين، ضالعون في النص لكنهم قليلا ما يفقهون في مسألة العلاقة مع النص، التي هي المشكلة التي تبرز ببروز مزايدات سياسية حول مسائل فقهية مثل مسألة الميراث ومسألة زواج المسلمة بغير المسلم. فمِثل هذا الفراغ جعَل السياسة سابقة للفقه وذلك بأن دفَع السياسيين إلى مَلء هذا الفراغ بواسطة وسائل غير ملائمة حيث إنها اعتباطية لأنها ليست ناضجة فقهيا بما يكفي لتُناسب العصر. والسؤال الآن هو: هل يمكن للفقه أن يتطور حسب متطلبات العصر في غياب تحديد نوعية العلاقة بين النص والعصر أي في غياب ابستيميا جديدة تقوم بوظيفة تجسير الهوة الحاصلة بينهما منذ قرون والمتسببة في القطيعة بين العلماني (فعل الإرث وفعل الزواج نموذجا) من جهة والديني (الإيمان بما أنزله الله بخصوص مثل هاذين الفعلين الاثنين) من جهة ثانية، وذلك في صُلب الشخصية العربية الإسلامية؟

بادئ ذي بدء نعتقد أنّ المشكلة الآنية لا تستدعي علوما فقهية بقدر ما تتطلب علوما جديدة تسمح للابستيميا الجديدة الآنف ذكرها بالتشكّل. ذلك أنّنا لاحظنا أنّ التشديد على ضرورة الاجتهاد الديني وتطوير الفقه دون سواه لن يفعل شيئا سوى أنه يعمّق المشكلة ويزيد المجتمع التصاقا بالقديم والغابر مما لم يعُد له معنى من شأنه أن يَدفع بالواقع نحو التغيير الإيجابي.

ثمّ إنّ من بين الوظائف التي يحتاج إليها المسلمون والتي ينبغي أن تحققها العلوم الجديدة والابستيميا الجديدة تحريرالشخصية العربية الإسلامية. ولكي تتحرر وتزدهر، فإنّ هذه الأخيرة بحاجة إلى استراتيجيا سياسية كبرى محوَرُها العمل البنّاء والمُصلح لأوضاع الإنسان أينما كان. والفقه الجديد (العلوم الجديدة والابستيميا المستحدثة) مطالب ببناء مثل هذه الاستراتيجيا وتسهيل تطبيقها بل ووضعِها على محكّ التفاعل مع أهمّ الاستراتيجيات الإنسانية.

لكن هنالك عائق ينتصب أمام هذا التصور. ففي ظروف العالم الحالية اللي تسيطر عليها إيديولوجيا العولمة الليبرالية، تصبح حتى الحاجة الى استراتيجيا مغمورة في اللاوعي وبالتالي غير قابلة للتجلي، لا لشييء سوى لأن العولمة تقمع بشكل بهلواني وفتّاك أيّ شعور بهذه الحاجة إلى درجة أنها تبقى دفينة، ما يجعلها شرارة حية على الدوام لإشعال نار الفتنة والتعصب والعنف والدعوشة. ولعل ما حدث ومازال يحدث في بعض المجتمعات المسلمة خير دليل على ذلك.

إذن فالمهمة الأولى لفقه التجسير، إن صحّ التعبير، تتمثل من باب أولى وأحرى، في هذه الظروف العصيبة، في تحرير الوعي حتى يستشف الحاجة إلى استراتيجيا ومن ثَم تتحرر

إمكانيات المجتمع في مجالات التصميم والتطبيق. فهل من حديث عن جدوى السياسة الحالية وعن فاعلية السياسيين الحاليين في ضوء هذا المعطى؟

 

محمد الحمّار

كاتب تونسي

الاسم هارب من أشعة الوهم
الدولة مغترب في كوكب الأرض

إن الفكر اللذي يمكن استخدامه للتؤيل ، يتحول إلى منهج للتبرير من أجل إشباع حاجات إنسانية تعاني من المأزق الوجودي . تطور الفكر القانوني ناجم عن إشباع حاجات المنطق الإنساني لإسعاد الإنسان. المشكلة المبدأ وهمي والإنسان جبان والمستثمر لئيم.

2017-09-24

 
محمد الحمّار
 
أرشيف الكاتب
كيف وصلت تونس إلى هذا وهل من مخرج؟
2018-01-12
متى تكون القدس لنا؟
2017-12-13
هل يفهمُ المتخصصون الإسلامَ أفضلَ من العوام؟
2017-10-14
في رمي الجسور بين الديني والدنيوي
2017-10-03
ما وراء حديث الميراث وزواج المسلمة بغير المسلم
2017-09-22
الليبرالية بين حُروبهم الناعمة وعقولنا النائمة
2017-08-06
إذا كانت الانكليزية عشيقتنا فالعربية أُمُّنا
2017-06-13
فسادٌ من المُنتج إلى المُستهلك
2017-06-07
ماذا بعد عسكرة منشآت إنتاج الطاقة في تونس؟
2017-05-12
تونس: سُخطٌ إعلامي غير مبرَّر بسبب إقالة جلول
2017-05-09
المزيد

 
>>