أكاذيب وخرافات انتهاء العبودية

العبودية في العصر الحالي صارت معنوية، ولا يوجد لها عقد بيع وملكية تقليدي، كما كان عليه الوضع بالعصور السحيقة.


هل الرأي العام العالمي حقاً فعَّال؟


العبودية، والحرية يقفان على قدم المساواة

إذا كنت تعتقد أنك وُلدت حر، وبعيداً عن العبودية، فإنك واهم. ولو اعتقدت أن هناك شيئاً حقاً يدعى بالحرية، أو حرية التعبير، أو نزاهة الرأي العام، أو أن هناك رأيا عاما عالميا، فبالفعل إنك واهم. 
أنت واهم؛ لأنك تصدق أكاذيب وخرافات يتم توزيعها عليك لتصدقها، وذلك وفق "خطة مسبقة" وضعت تحت بند "الحرية، وحرية الرأي العام". وبالتالي، من المنتظر منك أن تلعب الدور المنوط لك مسبقاً، ألا وهو: أن تصدق تلك "الوجبة" المقدمة لك، وتزدردها بأكملها. وخلال هذا السياق المحتوم نتائجه، لسوف تصدق على جميع بنود تلك "الوجبة"، بينما تعلم في قرارة نفسك أن ويلاتها لسوف تطالك، إما عاجلاً، أو آجلاً. 
والسؤال الجوهري الذي سوف يلح عليك دوماً، هل الرأي العام العالمي حقاً فعَّال؟ وهل هو حقيقة؟ بالطبع، لن يجيبك أحد. لكنك بالنظر لمجريات الأمور، لسوف تكتشف وحدك أنه أحد عناصر تلك "الوجبة" السالفة الإعداد. فمثلاً، إبداء رأي حر مستقل، أو تسليط الضوء على موقف، أو شخص ليس في إطار الخطة الموضوعة مسبقاً، أو لم يحن دوره بعد في قائمة الأولويات، لسوف يكون مصيره أن يخبو تماماً، وتنمحي آثاره لكي يطويه النسيان. فالصيحات، والهتافات التي تعلو، ويليها حراك عالمي، لا تتأتى إلا بمقدار. فالحرية الحقيقية، حلم بعيد المنال. وجميعنا نتحرك في أُطر من العبودية تتفاوت وطأتها، بتفاوت أوضاعنا ضمن الخطة الموضوعة مسبقاً. 

البشر الأحرار، صاروا عبيداً، والرأي العالمي هو أيضاً عبد بانتظار سيده الذي يحركه؛ ليظهر أمام العالم حراً مستقلاً، ويدافع عن قضايا جوهرية

يقول الشاعر والكاتب الأميركي الشهير رالف والدو إيمرسون: "يجب إما أن نتخلص من العبودية، أو نتخلص من الحرية". مما يعني أن كلا من العبودية، والحرية يقفان على قدم المساواة، والأغرب من كل هذا وذاك، أن كليهما قد يُفضي إلى الآخر، لكن الشيء الحتمي الثابت هو أن كليهما مجرد أكذوبة كبرى. فلقد ولدنا في عصرنا الحديث ونحن نتغنى بأنشودة الحرية، وننظر بعين الشفقة لمن كانوا يقاسون في الماضي الغابر من ويلات العبودية الفعلية. وكثيراً ما كنا - ولا نزال - نلتف حول شاشات عرض أفلام تمس مشكلة العبودية، وتوضح الدور البطولي الذي قام به النشطاء المعارضون للعبودية لإلغاء العبودية الفعلية في دول العالم المختلفة، بداية من تمرير "إعلان القوى لإلغاء تجارة الرقيق" عام 1815، وصولاً إلى اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة "للإعلان العالمي لحقوق الإنسان" عام 1948. 
وبدءاً منذ ذلك الحين، بدأت تخلو الدول من وجود عناصر بشرية يتم تعريفها على أنها "عناصر بشرية تم سلب حريتها لقاء مبلغ من المال تم دفعه للنخاس". ودون شك، يرجع الفضل لحصول المستعبدين على حريتهم إلى النشطاء الذين حشدوا الرأي العام العالمي لمؤازرة تلك القضية المهمة.
ولكن كان ذلك بالماضي أيضاً، حيث إن العبودية في العصر الحالي صارت معنوية، ولا يوجد لها عقد بيع وملكية تقليدي، كما كان عليه الوضع بالعصور السحيقة. ففي العصر الحديث، صار الإنسان هو نخاس نفسه؛ فهو يفضل بيع نفسه لأي من الجهات صاحبة الأموال عند العمل بآية وظيفة للحصول على لقمة العيش سواء بشرف وكد، أو حتى ببيع شرفه وضميره. لكن دون الخوض في تلك المقولات التي تضع تعريف للعمل ومتطلبات المهنة في إطار فلسفي، يجب التنبيه أن العصر الحديث، وخاصة بداية من الألفية الثالثة، يعج بوجود عبودية فعلية ظهرت في عالمنا هذا الشديد التقدم، وشديد الحرية. فهذه العبودية تتم بتحرير صكوك حقيقية، يتواجد بها طرفان أصيلان يعرَّف أحدهما بأنه "العبد"، والآخر على أنه "السيد".
وكان الدليل العملي على واقعة العبودية التي لطالما تناقلت أخبار عنها، عندما كشفت إحدى مذيعات الأخبار بقناة السي إن إن الإخبارية CNN عن واقعة بيع الرق في العصر الحديث في 14 نوفمبر/تشرين الثاني عام 2017. ومن خلال فيديو مشوش تم التقاطه بصعوبة، تم تسليط الضوء على مزاد علني بالقرب من سواحل ليبيا يقوم فيه النخاس ببيع بضاعته من الرجال الأفارقة الأشداء مقابل مبلغ مالي زهيد يصل إلى 400 دولار أميركي فقط! فهل حرية الإنسان صارت بلا قيمة؟ أم أن حياة البشر لم تعد تعني أحدا؟ 
الغريب في الأمر، أن من يتم بيعهم لا يظهرون إمارات المقاومة، أو الضيق. فهؤلاء العبيد بالعصر الحديث فروا من بلادهم التي مزقتها الحروب والصراعات على أمل الهروب من خلال الشواطئ الليبية إلى أوروبا؛ لبدء حياة جديدة في مجتمع راق يراعي آدميتهم، لكن على عكس المتوقع، يخبرهم المتعهد الذي سوف ينقلهم إلى أوروبا أن أموالهم قد نفذت، أو أن الباقي لا يغطي مصاريف الرحلة. وابتداء من تلك اللحظة، يبدأ المتعهد في التصرف في حمولته من البشر كيفما شاء: فقد يضربهم تارة دون اقتراف أي فعل، وتارة أخرى قد يعذبهم ويكويهم بالنار، وكأنهم عبيد بالقرن الخامس عشر. وأخيراً، يسترقهم ويصير نخّاسا عليهم.
وينقسم هنا الرق إلى نوعين: أحدهما دائم، والآخر مؤقت من خلال عقد. فالنوع الأول من العبودية، وهو الرق الدائم، يتم فيه بيع الشباب لأي شخص قادر على دفع حفنة من المال لا تتجاوز الخمسمائة دولار. وأما النوع الآخر، وهو "العبودية بعقد"، يتم فيه عبودية شخص ما لفترة مؤقتة من الزمن حتى يسدد ما برقبته من ديون. 

ويقول أحد المسترقين في ليبيا في هذا الشأن، أنه قد بيع لأكثر من مرة، وأرسلت له أسرته الكثير من الأموال، لكن يصر النخاس – الذي هو في الأساس متعهد الهروب لأوروبا – أن الدين لم يوفَّ بعد. 
ويذكر، أن هذه الواقعة قد أثيرت عدة مرات، وتم عمل استجوابات دولية حولها. وأيضاً، صار البعض يعلم بوجود عبودية في تلك المنطقة. لكن أيضا، هذا كل ما في الأمر! فأين الرأي العام العالمي إزاء تلك القضية الخطيرة؟ ولماذا لم تقم المظاهرات عالمياً، ولو حتى بالتنديد بهذا الأمر! فلقد فضل العالم أجمع وقوف موقف المتفرج، المتلقي، المحجم عن المشاركة.
ولم تكن هذه المرة الوحيدة لإلقاء الضوء على مشكلة العبودية الفعلية، ففي فرنسا – بلد الحريات – يتمركز وجود العبيد الذين يتم استغلالهم إما في أعمال شاقة، أو في أعمال الدعارة القسرية. والغريب في الأمر، أن الحكومة على وعي بذلك، وأثير هذا الموضوع عدة مرات في الصحف الفرنسية العالمية والمحلية بداية من الألفية الثالثة. لكن أيضا، لم يحاول النشطاء تولي الموضوع، ولم يظهر أحد الحماس إزاء القضاء على تفاقمه.
ومما تم استعراضه مسبقاً، يمكن القول بأن ورقة مشكلة العبودية الفعلية يتم مواراتها إلى أن يحين دورها. فلقد بات الكثير والكثير على دراية بوجود عبودية فعلية في الألفية الثالثة، وعلى دراية أكثر بتفاقم هذه العبودية يوماً تلو الأخر. وعدم احتشاد جموع من المجتمع المدني لتحريك الرأي العام أو الرأي العالمي سواء على الصعيد المحلي أو العالمي، يوضح أن الرأي العام في القضايا المهمة لا يتم تشكيله إلا من خلال وجود عنصر بشري يحرك هذا الرأي، ويترأس في الخفاء الآراء المنوط بها أن تظهر في حقبة معينة؛ لخدمة مصلحة إما محلية أو عالمية تنبلج فيما بعد. والنتيجة، أن يتجرع الناشط مرارة الهوان؛ لعلمه أنه لم يكن حرا عندما أبدى رأيه، وأن رأيه هذا ما هو إلا بأكذوبة ليس إلا.
وكما يقول الكاتب الأمريكي تيري جودكيند Terry Goodkind في كتابه الشهير "القاعدة الأولى للمعالج Wizard’s First Rule الذي تم تأليفه عام 1994: "البشر أغبياء؛ فهم سيصدقون كذبة؛ لرغبتهم أن يصدقوا أنها حقيقة، أو لأنهم يخشون أن تكون حقيقة." فالكذبة هنا، هي وجود رأي عام عالمي، قوي وقادر على قلب الموازين وتحويل مجريات الأمور. في حين أن حقيقة الأمر تؤكد أن نتائج أي أزمة عالمية – وفي كثير من الأحيان محلية – شبه معروفة أو محتومة. فالبشر الأحرار، صاروا "عبيداً"، والرأي العالمي هو أيضاً "عبداً" بانتظار "سيده" الذي يحركه؛ ليظهر أمام العالم حراً مستقلاً، ويدافع عن قضايا جوهرية، بينما في حقيقة الأمر هو يتم تحريكه لخدمة قضايا من شأنها تحويل سائر البشر لعبيد بشكل أو بآخر، تبعاً لزمن محدد، وخطة مدروسة، ومحتومة النتائج.