إلى أين تمضي حملة الاعتقالات المفتوحة في الضفة؟

التصعيد الإسرائيلي في الضفة يعكس غياب أي مسار سياسي فعلي، فحين تغيب الحلول تتقدم الأدوات الأمنية إلى الواجهة.

شهدت الضفة الغربية خلال الأيام الأخيرة تصعيدا ملحوظًا في أنشطة قوات الاحتلال، وهو ما أعاد إلى الواجهة مشهدًا بات مألوفًا لكنه لا يفقد حدّته أبدًا. ففي ليلة الثلاثاء/الأربعاء، العاشر من ديسمبر/كانون الأول، نفذت قوات الاحتلال حملة اعتقالات واسعة النطاق شملت عدة مدن ومحافظات، في واحدة من أكبر العمليات المتزامنة منذ أشهر.

ويبدو أن هذا التصعيد لم يأتِ معزولًا عن سياق سياسي وأمني متوتر، بل جاء امتدادًا لنهجٍ يتوسع تدريجيًا، ويترك أثره المباشر على حياة الفلسطينيين اليومية، خاصة أن عدد المعتقلين خلال تلك الليلة تجاوز المئة شخص، جرى اعتقالهم من مدن أريحا ونابلس وبيت لحم وجنين، وسط انتشار عسكري كثيف واقتحامات ليلية طالت أحياء سكنية ومخيمات.

وترافق ذلك مع مداهمات عنيفة للمنازل، وتفتيش دقيق وتحطيم للمحتويات، في مشهد يتكرر لكنه يزداد قسوة مع كل جولة جديدة من الاعتقالات.

واللافت في هذه الحملة أن من بين المعتقلين عددًا من الأسرى الذين أُفرج عنهم مؤخرًا ضمن صفقات تبادل سابقة، وهو ما يُعد رسالة واضحة بتكثيف الضغط الأمني وإعادة تدوير سياسة الاعتقال كأداة دائمة، لا ترتبط فقط بأحداث آنية، بل تهدف إلى إبقاء حالة الاستنزاف قائمة داخل المجتمع الفلسطيني. وهذا، بطبيعة الحال، يُحزن عائلات كانت تأمل أن يشكل الإفراج بداية لمرحلة أقل توترًا.

وإذا عدنا إلى شوارع الضفة الغربية، لم يعد الحديث يدور فقط عن أعداد المعتقلين، بل عن الإحساس العام بأن دائرة الاستهداف تتسع دون أفق واضح. فسكان المدن التي طالتها الحملة يتحدثون عن ليالٍ ثقيلة تُكسر فيها أبواب البيوت فجرًا ويُنتزع الأبناء من بين أسرهم، فيما تبقى الأسئلة معلقة بلا إجابات: إلى متى؟ ولماذا الآن؟ وما الذي يمكن أن يتغير؟

ورغم أن بعض السكان كانوا يأملون بعودة نسبية للحياة الطبيعية بعد فترات من التصعيد، فإن الواقع على الأرض يشير إلى عكس ذلك، إذ إن وجود قوات الاحتلال وانتشار الحواجز وتكثيف الدوريات جعل الحركة اليومية أكثر صعوبة، وحوّل التنقل والعمل والدراسة إلى تحديات يومية.

واقتصاديًا، انعكست هذه الأجواء المتوترة على الأسواق المحلية، حيث تراجعت الحركة التجارية، وأُغلقت بعض المحال أبوابها مبكرًا خشية الاقتحامات أو الإغلاقات المفاجئة. فعلى سبيل المثال، يتحدث التجار في نابلس وجنين، على وجه الخصوص، عن حالة ركود غير معلنة سببها الخوف وعدم الاستقرار، أكثر من أي عوامل اقتصادية أخرى.

كما خلّفت حملة الاعتقالات آثارًا عميقة على النسيج العائلي، فهناك عائلات كاملة تعيش حالة قلق دائم، وأمهات يترقبن أي صوت في الليل، وأطفال يكبرون على مشاهد الجنود والآليات العسكرية. وهذه التفاصيل الصغيرة تصنع جروحًا نفسية طويلة الأمد لا تقل قسوة عن فقدان الحرية نفسه.

أما على الصعيد النفسي، فمن الواضح أن تكرار مشاهد الاعتقال والمداهمة يراكم شعورًا عامًا بعدم الأمان، خاصة لدى فئة الشباب. فالقلق واضطرابات النوم وتراجع التركيز أصبحت أعراضًا شائعة في مجتمعات تعيش تحت ضغط مستمر، حيث يبدو المستقبل ضبابيًا والحاضر مثقلًا بالخوف.

كما يعكس هذا التصعيد غياب أي مسار سياسي فعلي؛ فحين تغيب الحلول، تتقدم الأدوات الأمنية إلى الواجهة. كما أن الاعتقالات الواسعة، بدلًا من أن تُهدئ الأوضاع، غالبًا ما تسهم في تعميق الاحتقان، وتوسيع فجوة الثقة، ودفع الشارع نحو مزيد من الغضب المكتوم.

ومع كل حملة جديدة، تتجدد التساؤلات داخل الضفة الغربية: هل ستقود هذه الإجراءات إلى استقرار حقيقي، أم أنها مجرد إدارة للأزمة عبر القوة؟ وهل يمكن لمجتمع يعيش تحت هذا الضغط المتواصل أن يستعيد توازنه وحياته الطبيعية؟