إن لم تقتلنا الحروب نموت بالأوبئة

الشاعر العراقي قاسم محمد مجيد يكتب "يوميات رجل منقرض".


نصوص معظمها ترسم هذا الواقع المؤلم نتيجة ظلامية الوضع العراقي برمته


تراب الوطن ينتفض من غطاء الرأس وقميصه الأبيض حين الموت لا يستأذن أحدا

صدر للشاعر العراقي قاسم محمد مجيد نصوص شعرية بعنوان "يوميات رجل منقرض" عن دار نشر "مطبعة الكردي" في جمهورية مصر العربية. ويقع الكتاب في 44 صفحة من القطع المتوسط وغلاف الديوان يحمل لوحة للفنان التشكيلية أميرة ناجي. وقدم لها الشاعر شكرا وتقديرا، قال فيه إلى الفنانة التشكيلية السيدة أميرة ناجي المحترمة تحية طيبة، منذ رسمك لغلاف ديوان الثالث "حياة قاحلة" وأنا أشعر بأن كلمة امتنان لم تعد تكفي بالغ الاعتزاز وفائق التقدير، الشكرالعميق لجمال الغلاف لديواني "يوميات رجل منقرض" وتحية للعراقية الأصيلة. 
"الابن الذي غيبته الحرب!
 وموت مهاجر غرقا " 
نتساءل عن الأثر العميق الذي حفرته الأيام في قلب الشاعر، وأننا أمام نصوص معظمها ترسم هذا الواقع المؤلم نتيجة ظلامية الوضع العراقي برمته، ومن هو المنقرض حسب ما جاء في عنوان هذه النصوص الشعرية، هل هو الشاعر أم يقصد الإنسان العراقي الذي تكالبت عليه الأيام والسنين، فالعنوان يبدأ بشاعرية يبرهن فيها في المقام الأول على أنه يغترف من منابع القصيدة الحديثة التي خرجت من ذات الأفق المكتوي بالشعر والمعرفة.
"الليل هنا، 
بنكهة الرعب ِ والشعراء  
من تدخن الهموم فوق رؤوسهم" 
يقول الشاعر الكبير أدونيس: "الشعر هو الحقيقة لابسة ثوب التيه"، وبالتالي يلوح لنا الشاعر مجيد بالتوليح لمفاهيمه التي تبنى رؤاها عبر مسيرته النقدية والشعرية والتي تتأسس على وحدة المخيلة الشعرية، وكأنه يجرب ولديه أسئلة نقدية دقيقة ومنهجية في هذا المضمار الشعري، وهو يطرح عبر نصوصه الشعرية برنامجا فكريا ومطلبيا واضحا للقارئ. وهو ينظر إلى حركة الأشياء الخفية التي تعرقل حركة الحياة في هذا البلد العاج بالموت والقتل والدم.
"إن لم تقتلنا الحروب  
 نموت بالأوبئة".
 ويؤكد أدونيس على الماهية الشعرية التي من خلالها ماذا يريد أن يقول الشاعر، مؤكدا ً على الشعرية، فسفر الشعر هو السفر الأبعد، والأغنى نحو الإنسان نحو المعرفة، والحقيقة، والسجال، ذلك أنه سفر برزخي لا حد له بين الصورة والمعنى بين المرئي واللامرئي، ومن هنا لا تنفصل المعرفة والحقيقة عن الجمالية. فللشاعر مجيد قصيدته المهمومة بما يحيطه، محاولاً بذلك اقتناص الجوهري والإبداعي الذي يشكل له الفاعلية الشعرية التي يتجول بها جغرافيا أو في أماكن أخرى. كما جاء في عدة قصائد في هذا الديوان أو لنقل النصوص الشعرية. ومنها "المتحف، المقبرة، الخان"، وغيرها من القصائد التي رسمها بدقة لعذابات الإنسان.
"كنت نصف عاقل 
أبحث عن الصراخ 
في صناديق نعوش الموتى" 
في هذا الديوان تصّرف الشاعر مجيد إلى معالجة منطقية ووصفية، عبر رسم مفرداته الدلالية بعالم المعاينة من خلال السايكولوجية والاجتماعية، وهو يمضغ الصعوبات عبر هاجسه الشعري، يقول عنه الدكتور خليل إبراهيم الناصري في مقدمة الديوان "والشاعر قاسم القلق الوحيد والأعزل إلا من قلمه والألم جوهر إلهامه، ويدهشنا دوما ليس بنصوصه الشعرية حسب بل حتى في اختيار عناوين دواوينه، بدءً من أول ديوان إلى "من مدونة مفلس" و"ديوان حياة قاحلة" وأخيرا هذا العنوان الذي تنبثق منه أسئلة فاجعة هي أسئلة الإنسان الذي يواجه وضعا حرجا بكل المقاييس، لذا جاءت العنونة ملائمة إلى حد كبير لما يحصل في مشهد الحياة  اليومي أنه الانقراض:

حمى حداثية صاخبة طلعت من روح الشاعرة الحية وسط هذا الجوع الحياتي والقهري الذي لامسه عن قرب

"ماذا لو 
عدة الحرب 
من لعب الأطفال 
بنادق من خشب 
ودبابات من طين 
والساتر حبل الغسيل" 
لمزيد من التأمل الجذري في واقع الشاعر مجيد، وحمى حداثية صاخبة طلعت من روحه الحية وسط هذا الجوع الحياتي والقهري الذي لامسه عن قرب، ولو رجعنا قليلا إلى علم المنطق تجده لا يتطابق بالضرورة مع  مجريات الحياة، فهو يقدم صرخات احتجاج من رؤية مفعمة بالأمل والحياة لأيام قادمة، وكان تهّدج صوته يسار حالم بالمدنية التي شكلت فلسفة خاصة في ذهنه المتعب، وكأنه مبعوث على متابعة انكساراتنا وتراجعاتنا، واصفا الأرض التي يعيش عليها طافحة بجراح أبنائها، عبر لغة شعرية حساسة للداخلي المتماوج حينًا، والصاخب حينًا، وهو يرتفع بذاته المكسورة والمخبأة تحت جناحيه لغة شعرية ممكن أن نطلق عليها أو تسميتها "تفكيكية" حيث الجمل، وهذا الاستخدام الواضح ومن خلال هذه النصوص الشعرية للغة شعرية واضحة وناصحة وواضحة حسية، ولأنه ناقد ومتعدد الرؤى فقصائده تحمل انفجارات في الصور الشعرية التي حدد مفاهيمها الفلسفية، ولا ننسى فإن مجيد يمنح جميع صوره الشعرية المكتوبة في ديوانه دلالات المعنى والحكمة:
"ونواب مصابون بداء النقرس 
وما الفائدة
ونحن نخوض في الظلام 
حتى الركبتين" 
في الديوان جعل تراب الوطن ينتفض من غطاء الرأس وقميصه الأبيض حين الموت لا يستأذن أحدا وجمع كل الإحصائيات لتصل إلى ضريح المسكين الملك المهجور التي لا تزال الأسئلة تحوم، وهنا أوكد قول الفيلسوف نيتشه: "اذا أردت أن تجني من الوجود أسمى ما فيه فعش في خطر"، وهو ينهج هذا النهج الذي يعبر عن تدفقه العاطفي ومكبوته وأحلامه ونهمه نحو ما يدور حوله، وهو على سبيل المثال يطرح في هذه النصوص مثالا لهذه الوضعية المزدوجة للجمالي المتراكم والسياسي المتوتر الذي يشكل عقبة كبيرة لدى الشاعر. ففي قصيدة "ضعنا ومن يهم" يقول فيها: 
"حين تفتح الأيام فمها 
ولقفل 
متدل من سقف الذاكرة 
أفتحه"
بقي أن نقول إن الديوان يحتوي على 25 "قصيدة، كتبت بلغة معبرة عن مكبوته الداخلي عبر رداّت أفعال كثيرة فيها الكثير من الدلالات والتحولات الدراماتيكية التي تقع في صلب هذه الفترة، وهو يريد القول في قصائده بوصفه شاعرا باحثا عن الحرية، ولا بد من قول الحقيقة التي يسعى إليها:
"لتدوين تأريخه من ثقب القفل 
وقراءة شفاه الرياح من مملكة الهواء".