"مارلين" مشاهد من الحياة على الورق

مجموعة عادل بسيوني عبارة عن أرشفة ومواجهة للواقع تحمل صدق الإحساس بما يحيط به.


السرد الحكائي جاء مفعما برائحة المعاناة والتنقل بين زوايا هذه الحياة


معاينة للواقع المتردي الذي يعيشه الإنسان العربي

صدر حديثا ًللشاعر والقاص المصري عادل بسيوني المجموعة القصصية المعنونة "مارلين" عن دار نشر "أطلس للنشر والإنتاج الإعلامي" الجيزة - مصر، والكتاب من القطع المتوسط ويقع في 130 صفحة. وتضم المجموعة أكثر من 14 قصة مع دراسة نقدية بقلم الناقد محمد دحروج.
والمجموعة التي كتبها البسيوني هي أرشفة ومواجهة للواقع تحمل صدق الإحساس بما يحيط به، وكذلك معاينة للواقع المتردي الذي يعيشه الإنسان العربي، مستخدما حوادث وأسماء مرت بحياته، معبراً عنها بصدق الإحساس بالأشياء المحيطة به، وهو يعمّق رؤآه الأدبية المعروضة في قالب إبداعي مدروس يحمل صفات فكر صاحبها، وهو يحمل سوداوية الواقع وبرزخية الحلم. 
وفي كلمة الإهداء "إلى الأرواح العزيزة التي كانت هنا، ذات يوم، وما زالت تحلّق حولنا لتتجلى مظاهر النور" (ص7).

ثمة أشياء كثيرة يحتاج إليها الكاتب، ليقدم لقرائه عملا قصصيا ناجحا، فاللغة والأسلوب، والتصوير، وبالجملة الشكل، ومن ثم الموضوع والمضمون، جميعها شروط أساسية لنمو العمل القصصي

جاء السرد الحكائي لهذه المجموعة القصصية مفعما برائحة المعاناة والتنقل بين زوايا هذه الحياة التي أعطته هذا الكم المعرفي من الرصد والبحث، وهي محاولة جريئة لأنها تعبر بقوة عن قلقه المأساوي الذي يتحرك في دواخله المشتعلة والمسيطرة على نفسه. يقول البسيوني في مقدمة المجموعة: "حتى أيقظني بعضهم، وكانوا من المقربين، حينما وجدوا ما أنا عليه من دقة حين سردي وقوفا عند التفاصيل، لماذا لا تخوض هذا المجال وأنت أهل له؟ (ص9).
وهو يلمس جانبا مهما ًمن معاناة شخوصه التي انطلق منها، من خلال ضيق الواقع بمختلف تجلياته، مما أعطته معاناة أبطاله الدافع الأساسي للوصول إلى ما يربو إليه من هامش أدبي للتعبير عنهم، مضافاً إلى معاناة كاتب هذه القصص وكتابة موضوعاته  المستلهمة من الواقع الإنساني بمختلف تنوعات أحداثه ضمن أرضية لا بديل لها في مخيلته.
"كم هي غريبة تلك الحياة، وكم تتشابه الروايات ولكن أبطالها رغم هذا التشابه أبطالاً حقيقيين على مسرحها" (ص22).
وهنا يقول عنه الناقد المصري محمد دحروج مهمة القاص تنحصر في نقل القارئ إلى حياة القصة، بحيث يتيح له الاندماج التام في حوادثها، ويحمله على الاعتراف بصدق التفاعل الذي يحدث بين الشخصيات والحوادث.
"عند رجل كهذا بدا عليه الفقر عنوانا" (ص100).
الاشتغال القصصي يحتاج من أي كاتب، أن يكون واعيا لما يكتبه ليعبر به عن دواخله وهو يرسم تسلسل قصصه وخطوطها الأساسية حتى يصل إلى مبتغاه، وهنا تتجلى رغبة القاص في تمكنه من حرفيته، ومهارته المهنية، وكذلك الوصول السريع والتلقائي في كتابة القصص التي يريد الانطلاق منها.
 يقول الكاتب في مقدمة هذه المجموعة: "لم يكن ببالي يوما أني سأكتب هذه المجموعة القصصية التي هي الأن بين أيديكم، أو أقف على منبرها، أو أربت على كتفها وأن سأدللها على الرغم من أن ذلك كان يراودني، لكنها الصدفة التي أتت بي إلى هنا، وما كنت لأفعل". (ص9). 

short story
الزيارة الأخيرة

يقول ترومان كابوت "إني دائما امتلك اللعبة الخادعة، إن اللعبة الكاملة للقصة، ببدايتها ووسطها ونهايتها، تحدث في فكري في وقت واحد أي أراها في ومضة واحدة". 
حتى يؤكد القاص المصري بسيوني فلسفته الخاصة به، واستحضار مواجع  أبطاله، بعد أن غاص في عوالم الأدب، واستهل عوالمه وهيأ لنفسه، لعبته التي انطلق منها ورسم لها بكل ما حمله من أفكار في هذا السرد الحكائي، الذي أعطاه قوة وعزما على الخوض في هذا المضمار "وهو يحمل في داخله مكنونات خاصة تسكن في وجدانه" (ص22).
وهنا يكون للقاص والشاعر عدد من الممارسات الإبداعية في عالم الأدب تمتد على مساحة تشكيلية تستحق النظر والتأمل. وهو يؤكد للقارئ أن قصصه التي كتبها هي مختلفة عن كتابة القصة التقليدية المعروفة عند الكثير من الذين يكتبون، فأراد  البسيوني في معظم قصصه التي شكلت وعاءً تجريبا مدروساً، وبأسلوب جديد ومكثف بالرغم من انطلاق هذه القصص من الواقع.
"ما أجمل الواقع الذي تخلقه رؤى الخيال، وما أجمل أن يرفرف القلب في خيلاء الذات" (ص90).
ويبدو - ومن خلال هذه المجموعة - أن ما أراد الأديب المصري قوله قصصيا مرتبط بفكرة الزمن وقدرته على هذا العطاء، وهذا ما تؤكده قصصه المليئة بالحكمة والمعرفة لشؤون الناس الذين يقابلهم، وشكلت في ذهنه حلقة مهمة من سمفونيات واقعية تعتمد على لغة حياتية مكثفة وفيها من الإيحاء الكثير وخاصة "قطة شحاته، وتبقى الذكرى، الزيارة الأخيرة، التميمة" وغيرها من القصص.
وهنا يؤكد الناقد محمد دحروج أن ثمة أشياء كثيرة يحتاج إليها الكاتب، ليقدم لقرائه عملا قصصيا ناجحا، فاللغة والأسلوب، والتصوير، وبالجملة الشكل، ومن ثم الموضوع والمضمون، جميعها شروط أساسية لنمو العمل القصصي. (ص 117).
وفي اعتقادي أن القصة تبقى وليدة اللحظة، وإن كتابتها لا تتطلب حيزا زمنيا كبيرا حتى تولد الفكرة، ولهذا جاء الكاتب بسيوني ليسابق الزمن ويقدم مشروعه القصصي للقارئ العربي الذي انطلق منه، وكما أطلقوا عليه شبيه ببعض اتجاهات أنيس منصور في تواليفه كـ "عاشوا في حياتي" و"يسقط الحائط". 
وبقي أن نذكر أن الشاعر والقاص له العديد من المطبوعات الأدبية نذكر منها المجموعة الشعرية "أعلنت حبك" الصادرة عن دار نشر أطلس للنشر والإنتاج الإعلامي لعام 2019 بالإضافة الى مجموعته "مارلين".