تشظيات الواقع المؤلم في "أحلام عالقة"

سناء النقاش تطرز في مجموعتها القصصية نسيجا حكائيا خيوطه أشخاص وأحداث. 


النص القصصي الذي لا يحقق خاصيته الصورية والعقلانية بعيد كل البعد عن فحوى أهدافه


كيف للإنسان أن يفكر ويحلم ويختار ومعدته خاوية؟

كيف تصيغ الأسئلةَ وهي تسبح بفضاء تشخيص الهموم والمشاكل، معتقدة أنها منطلقة من أرضية صلبة يعيشها الواقع العراقي الذي تسيطر عليه آهات المعدومين والمكافحين من أجل لقمة العيش، التي أصبحت عسيرة على أفواه الفقراء والمعدومين، في وطن يصحو على أخبار متعددة يجمعها هاجس الخوف والدم.
"أسئلة طرقت جمجمتي بعنف وآذتني ودمعت عيوني معها" (ص28).
الأمكنة والأزمنة شكلت في معظم قصصها مساحة واسعة كي تستفيد من هذا الزخم الذي تعكزت عليه عبر وسائلها المتاحة كي تصيغها بقلادة معرفية إلى الآخر الذي يسكن جواها والذي ربما غابت عنه تلك الأسئلة بموجب اللامبالاة التي شكلت نسبة كبيرة من الذين أنستهم هذه الهموم والمعاناة نتيجة الانشغال بهذا الظرف العصيب الذي يمرون فيه وهو ما يُطلق عليه الفوضى الخلاقة. 
فتلمس في قصص هذه المجموعة معاناة "العتاكات، في نص نقش على جدار الصمت، آخر قطرات الثمالة أحلام عالقة، رسالة وداع" وغيرها من قصص هذه المجموعة. عذابات كثيرة تشغل عقل الكاتبة التي لامس قلمها الحر هذه المعاناة وغاص في دواخلها من أجل قول الحقيقة، وهي تؤكد عبر حواراتها النارية التي اشتغلت عليها.  

short story
سناء النقاش

"والمواطن الفقير يأكل من القمامة في زمن ترى الذئاب فيه تجوب الطرقات، ترتدي ملابس الإنسان والكثير من أصحاب الوظائف الكبيرة يرتدون أقنعة لتزييف الحقائق وكتابتها بالمقلوب" (ص28).
ومن هذه الأسئلة التي أكدت  عليها القاصة النقاش هي أن النص القصصي الذي لا يحقق خاصيته الصورية والعقلانية فهو بعيد كل البعد عن فحوى أهدافه التي انطلقت منها القاصة،  ولكن هل له من أهمية في تطوير النص القصصي أو بنائه البناء السليم، أي تمكنه من الخوض في كل تفاصيل الحياة، ولا ننسى الإيجابية في التفاعل مع محيطه والتأثير فيه من أجل الإعلاء من درجة تداوله ومقروئيته، حتى إنها أرادت أن ترسل العديد من الرسائل عبر هذه المجموعة، وكأنها تخاطب الكثير من الكتاب الذين ينسون ويتناسون هموم شعبهم.
"في زمن غدت فيه القيم والمبادئ مجرد أكذوبة مضحكة يتندرون بها. (ص 28).
وبهذا ظلت الشاعرة والقاصة النقاش دائمة البحث عن هذه  الهموم التي شغلت فكرها المتنور، والإنساني حتى توصل رسائلها عبر هذه النصوص المعرفية، مؤكدة للقارئ العربي عموما والعراقي خصوصا "أن النص القصصي الذي لا يحقق تفاعلاً مع القارئ، ولا يؤدي وظيفة اجتماعية أو معرفية ولا يعبر عن تصور جلي للمرحلة التي يمثلها يكون معرضا ً للزوال.
"أفكر بالجوع وأنا شبعة لأنني أرى في وجوه الفقراء والمحتاجين جوعا يكاد يأكلني". (ص28).
ولو تمعنا كثيرا في هذه المجموعة القصصية لوجدنا النقاش بأحلامها الكثيرة تأخذك في جولة سياحية مليئة بالصور المتداخلة والتي مرت في حياتها على شكل رحلة توجتها علامة من علاماتها الإبداعية، وهي تتنقل بك من حي إلى حي سواء في بغداد أو في مدن أخرى، وهذه العوالم الدفينة والمتراكمة والمحملة بتقلبات هذا الواقع الذي عاشته.
"فقد جف النهر وباتت الناس عطشى، جف الحليب في الأثداء" (ص 108).
والتي شكلت لها على مدى تعلقها في البحث عن مكنونات هذا الكائن الذي نما في داخلها الذي عاشته على مر السنين، وبدأت بالبحث عنه عبر تشكيلات حكائية مفعمة بالاحلام الكثيرة التي جعلت منها هدفاً للخروج من طوقها، وهي بهذا ترسل إشارات معرفية عميقة للقارئ على الرغم من انفعال النفس بالمواقف حين يتخيل الإنسان نفسه داخل هذه الأطر أو داخل الحوادث التي يمر بها أي كائن بهذا الكون.
"أحلام اليقظة هي وسيلة تغيير من أجل أن يرقى الإنسان بمعارفه وسلوكه إلى مرحلة أعلى مما هو عليه في الواقع هي مرآة متعددة الوجوه كرغبات صاحبها". (ص62).  

short story
انبهار حركي 

وقد أرادت القاصة العراقية النقاش في مجموعتها المعنونة "أحلام عالقة" والتي تقع في 108 صفحات من القطع المتوسط، مشاركتها الوجدانية لمعظم شخوصها التي عملت على تحريكها وفق أبجديات السرد المعروفة لدى المعنيين، حيث ما قامت به هو تحويل المعلومة إلى كلام مع ترتيب الحدث.
"صرخة المظلوم تصعد إلى السماء" (ص75).
تقول عنها القاصة العراقية رجاء العبيدي إن السرد الذي اعتمدته في مجموعتها مميز وجميل في تناول الأحداث، بمفردات منتقاة ومؤثرة في الوقت الذي نجد بعض مفرداتها ذات إيقاع حاد تستحقها بعض الشخصيات، فإن سعة أفق وخيال الكاتبة قد جعلها تتعايش مع شخصياتها وكأنها واحدة منهم. (ص4).
"لابد إذن من الصراخ للتنفيس عن النفس ولا بد للهموم من صرخة ليعبر عما في داخله وإلا مات كمدا" (ص75).
وهي بهذا تحوّل همومها من قوة سلبية ضاغطة إلى قوة إيجابية دافعة، وهي بذلك تضع القارئ أمام انبهار حركي في مشاهدها التي كتبت بدقة وبلغة بسيطة خالية من التعقيد والإسفاف، وكأنها ترسم لوحة جميلة كي تهديها إلى قارئها المفضل. وهنا أتساءل عدة أسئلة ما الذي دعا القاصة أن تضع هذه الفلسفة في مجموعتها القصصية! وهل أرادت أن تقول إن هناك الكثير من الأصوات النشاز في مجتمعنا العراقي، الذي بدأ يتضاءل ويتراجع إلى الوراء من خلال شخوص أبطالها، ونحن كمغتربين نجد هذا القول يؤثر في نفوسنا كثيرا لما فيه من قسوة على النفس البشرية لما يحدث في الداخل من سياسة رعناء يقودها نفر قليل من أصحاب النفوس المريضة  والمتسلطة على أبنائنا. 
كيف للإنسان أن يفكر ويحلم ويختار ومعدته خاوية؟ أو يستطيع وهو جائع يلهث وراء رغيف خبز طوال يومه أن يقول كلمة حب واحدة للمرأة التي يهوى؟ أو يمكن للأم أن تغني لوليدها وهي تتضور جوعا، أو يمكن للجائع أن يحس أنغام الموسيقى ويطرب، بينما هو يفكر برغيف حتى وإن كان يابسا.
بقى أن نذكر أن الشاعرة والقاصة سناء النقاش، عضو مجلس نقابة الصحفيين العراقيين، وفائزة بعضوية "الجندر" العالمية للصحفيات النسويات في الانتخابات التي جرت في انجيرس جنوب غرب فرنسا.