استعدوا لموجة غلاء كمبيوترات بسبب شراهة الذكاء الاصطناعي
تونس - تتعرض الأسواق العالمية لذاكرة الكمبيوترات والقطع التخزينية لضغوط عرض متزايدة أدت إلى ارتفاعات سعرية ملحوظة في الأشهر الأخيرة، في ظاهرة يقول محلّلون إنها مدفوعة أساساً بالاستثمارات الضخمة لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي والتفضيل الصناعي لشرائح ذاكرة ذات هامش ربح أعلى.
وتشير تقارير الصناعة والموردين إلى تبدّل واضح في توازن العرض والطلب، مع انعكاسات تتراوح من ارتفاع تكلفة الكمبيوترات الشخصية إلى تأخيرات في سلاسل التوريد العالمية.
سباق التسلح بالذكاء الاصطناعي
يُعد المحرّك الأبرز لهذا الاضطراب هو الشراء المكثف من قبل مزودي الخدمات السحابية وشركات الذكاء الاصطناعي لكميات ضخمة من "ذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية" ("DRAM") ومنتجات "الذاكرة عالية النطاق الترددي" ("HBM")، بالإضافة إلى وحدات "ذاكرة فلاش ناند" ("NAND") عالية الكثافة.
هذه المكونات ضرورية لتشغيل وتدريب النماذج اللغوية الضخمة، التي تستهلك قدرات معالجة وتخزين تفوق بكثير متطلبات الحوسبة التقليدية. هذا الطلب المؤسسي الضخم يقلّص بشكل مباشر المعروض الموجّه للسوق الاستهلاكي، بما في ذلك الكمبيوترات الشخصية والهواتف الذكية.
وأظهرت بيانات أن متوسط المخزون لدى الموردين من شرائح "الذاكرة الديناميكية" قد تراجع إلى مستويات قياسية مقارنة بالسنوات الماضية، ما منح المصنّعين قدرة أكبر على رفع الأسعار عبر عقود التوريد الفصلية.
تتوقع شركات أبحاث السوق، مثل "تريند فورس"، أن يؤدي هذا التركّز الشديد للطلب على تطبيقات الذكاء الاصطناعي، مقترناً بسياسات مصنّعي الشرائح الهادفة إلى تعظيم الربحية، إلى "موجة ارتفاعٍ هيكلية" في أسعار الذاكرة قد تستمر حتى عام 2026.
ويأتي هذا الارتفاع مدفوعاً بقرار المصنعين إعادة تخصيص الطاقة الإنتاجية المحدودة نحو منتجات متقدمة مثل "الذاكرة عالية النطاق الترددي"، التي توفر هوامش ربح أعلى بكثير مقارنة بشرائح "الذاكرة الديناميكية" التقليدية.
وتفيد تقارير مؤخرَة بأن بعض عقود التوريد للربع الأخير من عام 2025 قد سجّلت بالفعل ارتفاعات تعاقدية تتراوح بين 15% و30% لشرائح "الذاكرة الديناميكية" وذاكرة "فلاش ناند".
وأشار تقرير من "أوريتون ستورج" إلى أن أسعار "ذاكرة فلاش ناند" المؤسسية شهدت ارتفاعات مبكرة في الربع الرابع، بينما كانت الزيادات في سوق "الذاكرة الديناميكية" أكثر وضوحاً بسبب نقل خطوط الإنتاج نحو الجيل الأحدث "دي دي آر 5" و"الذاكرة عالية النطاق الترددي".
ردود الفعل الصناعية والمالية
وسجل مصنّعو الذاكرة الكبار، مثل "مايكرون تكنولوجي" و"سامسونغ إلكترونكس" و"إس كيه هاينكس"، تحسّنات واضحة في قوائمهم المالية وتوقّعات أعلى للإيرادات بفضل هذا الطلب المؤسّسي القوي.
وقامت شركة "مايكرون" بتحديث توقعاتها الربحية للعام، مستشهدة صراحةً بالطلب القوي والاستثنائي على شرائح الذاكرة الموجّهة للذكاء الاصطناعي.
في المقابل، بدأت الشركات المصنعة للأجهزة الاستهلاكية، مثل صانعي الكمبيوترات المحمولة والمكتبية، بالإعلان عن تغييرات محتملة في أسعار أو عروض منتَجاتها نتيجة ارتفاع تكاليف المكونات الرئيسية. ونقلت "رويترز" عن مصادر في سلاسل التوريد أن بعض الشركات قد تلجأ إلى تقليل سعات الذاكرة في الطرازات الأساسية للحفاظ على استقرار الأسعار.
إلى جانب الطلب العام، أفادت مصادر تقنية، بما في ذلك تحليلات من "تومز هاردوير"، بوجود صفقات وإتفاقيات توريد واسعة النطاق لحِزم ذاكرة مخصّصة لمشروعات ذكاء اصطناعي كبرى. وذكرت التقارير أن بعض هذه المشاريع العملاقة، التي تقودها شركات التكنولوجيا الكبرى، قد تستهلك نسباً كبيرة من الإنتاج العالمي لـ "الذاكرة الديناميكية" إذا ما نُفّذت على المدى الطويل.
من الصعب على المشترين الصغار تأمين حصصهم
هذه الاتفاقات الضخمة، التي غالباً ما تتم بسرية، تزيد من الضغط على الأسواق المتبقية وتجعل من الصعب على المشترين الصغار تأمين حصصهم.
آفاق التخفيف والبدائل التقنية
يرى محللون أن ثمة عوامل قد تخفّف الضغوط على المدى المتوسط؛ أبرزها الاستثمار في توسيع خطوط الإنتاج وبناء مصانع شرائح جديدة. ومع ذلك، فإن هذه المشاريع تتطلب مليارات الدولارات وسنوات حتى تدخل حيز الإنتاج الفعلي.
في غضون ذلك، قد يلجأ البعض إلى استخدام بدائل تقنية، مثل تحسين برمجيات إدارة الذاكرة أو تبني حلول التخزين الهجين.
لكن "تريند فورس" تشير إلى أنه طالما ظل تركّز الاستثمار الآن في المنتجات عالية الهامش، فإن المعروض من الشرائح "القديمة" أو المخصصة للمستهلك (مثل "دي دي آر 4") قد يبقى ضيّقاً ومكلفاً، حتى وإن ارتفعت القدرة الإنتاجية العامة بعد سنوات.
في الدول العربية والمنطقة عموما، وكما هو الحال في الدول المستوردة لمعظم مكونات الكمبيوترات والأجهزة الإلكترونية، يُتوقع أن يشعر السوق بتأثير مزدوج.
أولاً، ارتفاع مباشر في أسعار الواردات المحلية بسبب زيادة تكاليف المكوّنات عالمياً. وثانياً، إمكانية تأخّر الشحنات نتيجة توجّه الموردين الدوليين إلى الوفاء بالعقود المسبقة والضخمة مع مشروعات الذكاء الاصطناعي الكبرى.
وأوضح مستوردون محليون أن ارتفاع الأسعار العالمية سيترجم عادة إلى هامش ربح موزّع بين موزعي التجزئة والاستيراد والضريبة الجمركية، مما قد يرفع أسعار التجزئة النهائية بنسب قد تتخطّى نسب الارتفاع الدولية، وهو نمط شوهد سابقاً مع منتجات الهواتف الذكية.
توصيات عملية للمستهلكين
يوصي الخبراء المستخدمين في الدول المستهلكة الذين يخططون لشراء تجهيزات كمبيوترية بشكل ملح، بالتسريع في عملية الشراء لاحتواء المخاطر السعرية المتوقعة. أما لغير المضطرين، فالمراقبة والانتظار قد يؤدّي إلى فرص عروض لاحقة إن خفّ الطلب أو زادت العروض التحفيزية من المتاجر.
بالنسبة للمؤسسات العاملة في تكنولوجيا المعلومات، يُنصح بالتفاوض على عقود طويلة الأجل مع الموردين لتأمين الأسعار، وتنويع سلاسل التوريد قدر الإمكان، والنظر في بدائل برمجية لتخفيف الاعتماد على الزيادة المستمرة في الذاكرة الفعلية.
وعلى المستوى الحكومي، تصبح مراقبة تأثّر الأسعار على مؤسسات الدولة أمراً حيوياً، مع ضرورة النظر في سياسات دعم أو تحفيز لتجنّب تعطّل المشاريع الرقميّة الحرجة والبنية التحتية التكنولوجية الوطنية.