الأتربي: لا يوجد أي تنسيق عربي في مجال التعليم

شريف الأتربي يؤكد أن التعليم الإلكتروني لم ينجح عربيا لأن الأهداف والرؤى غير واضحة.


نحن بحاجة إلى تغيير تام في النظرة للتعليم من داخل المجتمع أولا لتنعكس على العملية التعليمية بأثر إيجابي


التعليم في مصر أصبح حقل تجارب مع تغير الوزير ولا توجد سياسة واضحة له

يرى د. شريف الأتربي خبير التعليم الإلكتروني ومسؤول تفعيل أنظمة التعلم الإلكتروني لدى شركة تطوير لتقنيات التعليم بالسعودية، أنه على الرغم من حداثة مصطلح "التعلم الإلكتروني" إلا انه كان موجوداً منذ عدة عقود، ولكن لم يكن يسمى وقتئذ بهذا الاسم، ففي صيغته الأولية كان عبارة عن معلومات تعرض على شكل كتابة خضراء تعرض أمام المستخدم وتخزن في حاسوب مركزي ضخم تتصل معه عدة حواسيب من نهايات مختلفة، وتستطيع الحصول على تلك المعلومات بشكلها الأخضر. ومع التقدم التقني الحاصل في مجال الحاسبات وصناعة أول حاسوب شخصي  وكذلك مع التطور الحاصل في برامج متصفحات الشبكة حصل تقدم كبير في مجال تقنيات التعلم.
في هذا الحوار مع الأتربي الذي قدم العديد من المؤلفات مثل "إستراتيجية التعليم الإلكتروني وأدوات التعلم"، و"التعليم الإلكتروني والخدمات المعلوماتية"، فضلا عن الدورات والحلقات الدراسية والخبرات العلمية التي قدمها، نتعرف على رؤاه وأفكاره فيما يتعلق بالعملية التعليمية بالعالم العربي.
وقال الأتربي إن تاريخ التعلم الإلكتروني بدأ مع فهم لكيفية التصميم التعليمي والتكنولوجيا التعليمية والتي تطورت في القرن الماضي، وهذا يشمل أيضا وجود فهم أساسي للتعلم عن بعد، والذي يعد مصطلحا واسعا يشمل مختلف أنواع وسائط التعلم بما في ذلك أساليب التعلم عن بعد. 

أي فشل في العملية التعليمية هو مفتاح لتغلغل التيارات الدينية المتعددة داخل المنظومة التعليمية

وأضاف "يبدو لبعض العيان أن التعلم عن بعد والتعلم الإلكتروني هما نفس الشيء نظرا لأن لديهما بعض التشابه في طريقة تطورهما. ومن الأمور التي توضح الفرق بين التعلم الإلكتروني والتعلم عن بعد هو الفصل الواضح بين المعلم والمتعلمين في التعلم عن بعد مع العلم أن التعلم الإلكتروني هو جزء من بيئة الفصول الدراسية التي تقوم في الأساس على التواصل المباشر بين المعلم والمتعلمين لتحقيق فائدة التعلم التي ستحدث نتيجة لاستخدام التقنية لتعليم المتعلمين داخل الفصول. إن البحث والتطوير المستمرين في تكنولوجيا التعليم الإلكتروني؛ والقدرة على تطوير الفصول الدراسية الافتراضية وبيئة التعلم الافتراضي هي أيضا جزء مهم من تاريخ التعلم الإلكتروني وتطوره.
وحول أوضاع التعليم سواء ما قبل الجامعي أو الجامعي في بلداننا العربية، وما قدمته الأنظمة التعليمية بها استيعاب التطورات التكنولوجية ووسائل الاتصال وما قدمته من ثورة معلوماتية، أوضح الأتربي "بالنسبة للتعليم ما قبل الجامعي هناك تفاوت فيما يقدم على مستوى الدول العربية، ولا يمكن أن نجملها في عبارة واحدة تحكي واقع هذا النظام التعليمي في كافة الدول العربية، فما يقدم مثلا من خدمات تعليمية في السعودية وفي الإمارات وفي دول الخليج عامة يختلف تماما عما يقدم في باقي الدول العربية وكذلك في الشمال العربي هناك محاولات حثيثة لتقديم خدمات تعليمية متميزة، أما في باقي الدول فأغلبها تعاني من صراعات داخلية تجعل ما يقدم من تعليم هو لا شيء قياسا بمثيلاتها من الدول العربية وليس المتقدمة. 
أما مصر، فللأسف أصبح التعليم فيها حقل تجارب مع تغير الوزير ولا توجد سياسة واضحة له، وعند تولي د. طارق شوقي للوزارة واجه حربا ضروسا من المنتفعين من سوء التعليم في مصر، ومما يحزنك فعلا مشاركة أولياء أمور الطلاب في هذه الحرب دون وعي أو تقدير.
وإجمالا ما يقدم من تعليم على مستوى الدول العربية هو محاولات للتشبه بالكثير من الدول الغربية دون مراعاة للشخصية العربية وطبيعتها. أما التعليم الجامعي فحدث ولا حرج، فقد أصبح الدخول إلى تصنيف إحدى المؤسسات العالمية هو الهدف، وليس جودة التعليم نفسه، ولا توجد دولة واحدة إلا ما رحم ربي لديها خطة واضحة للتعليم الجامعي مرتبطة ارتباطا وثيقا باحتياجات السوق، وأصبح التحاق الطالب بالجامعة مرتبطا بالمجموع وليس بالكفاءة وكل عام ينضم لسوق العمل آلاف من العاطلين نتيجة سوء التخطيط".
وأشار الأتربي إلى أنه "رغم تعدد البرامج التي تقدمها تلك الجامعات واستحداث الكثير من البرامج الجديدة إلا أن مفهوم التعليم الجامعي لا يزال مرتبطا بأذهان الطلاب وأولياء أمورهم بكليات يسمونها القمة، وللأسف أغلب خريجيها عاطلون عن العمل، ولعل ذلك يرجع في المقام الأول إلى غياب البرامج التوعوية ونشر ثقافة التوجهات التعليمية في المجتمع من خلال وسائل التواصل المتعددة. وأعتقد أننا بهذه الأنظمة التعليمية المتأخرة لن نستطيع استيعاب التطورات التكنولوجية ووسائل الاتصال وما قدمته من ثورة معلوماتية ولن يتم الاستفادة منها بالشكل الصحيح".
وأكد الأتربي أن هناك فجوة كبيرة بين ما تحصل عليه فئات الأطفال والشباب من أبناء الوطن عبر أجهزة الهواتف المحمولة وما تحمله من تقنيات وبرامج وتكنولوجيا وبين ما يقدم لهم داخل الفصول، ولم يتم استثمار هذه المهارات وتوجيهها بشكل صحيح لخدمة العملية التعليمية ورفع قدراتهم التعليمية بما يتناسب مع ما يتمتعون به من فرص تقنية لم نكن نمتلكها في عصرنا. 
وفيما يتعلق بالمدرس / المعلم باعتباره جزءا رئيسيا من العملية التعليمية ومدى تأهيله في بلداننا العربية ليواكب التطورات، قال الأتربي "حين تتحول العملية التعليمية وبناء الأجيال إلى وظيفة فقط، لن تحصل على أي مردود صحي، ولا نتائج متوقعة، فأغلب من يلتحق بسلك التعليم هو "مجبرا أخاك لا بطل"، فهذا هو نتاج التعليم الثانوي والجامعي من ضرورة الحصول على مؤهل عال، وبالتالي هؤلاء يبحثون على أكبر منفعة مادية يجنونها من هذه الوظيفة، وأصبحت البرامج التأهيلية إن وجدت هي فرصة للتغيب عن العمل، وغالبا ما تكون هذه البرامج مرتبطة بالكم وليس بالكيف وبخطة وليس باحتياج ومعممة وليست مخصصة ومحصلتها النهائية غالبا ما تكون لا شيء.

وعن الخطط المستقبلية بشأن تطوير العملية التعليمية والارتقاء بها عربيا، نبه الأتربي إلى وجوب الاعتراف أنه لا يوجد أي تنسيق عربي في مجال التعليم، وحتى الجامعة العربية بيت العرب كما يطلق علها والمجالس المشتركة بين أكثر من دولة، والمؤتمرات التي يتم رعايتها والمبادرات التي يتم إطلاقها ليست سوى فقاعات هوائية تنتهي مع نهاية المؤتمر أو المبادرة، ولو استرجعت معي تاريخ هذه المؤتمرات والمبادرات والتوصيات لوجدتها لم تبارح أدراجها حتى الآن، وإن كنا نطمح في وضع خطط للتطوير والارتقاء بالتعليم، لا بد أن نحدد وبصدق فعليا أين نحن الآن؟ وماذا نحتاج للتعليم؟ ومن ثم نبدأ في وضع خطط قصيرة المدى لتقويم ما يقدم حاليا وتطويره، وخطط بعيدة المدى تعتمد على أهداف مستقبلية تُبنى على الاحتياجات، وليس على الأمنيات في هذه الحالة أستطيع القول إننا بصدد الارتقاء بالتعليم في العالم العربي. وملاحظة مهمة لا بد من التكاتف والتوافق وليس التنابذ والتضارب.
وحول رؤيته لحجم الإنفاق العربي على عملية التعليم أوضح الأتربي "حسب تعريف البنك الدولي فإن الإنفاق على التعليم يشمل: الإنفاق العام على التعليم كنسبة من إجمالي بنود الإنفاق الحكومي هو إجمالي الإنفاق العام "الجاري والرأسمالي" على التعليم، معبرا عنه كنسبة مئوية من إجمالي الناتج المحلي في أي عام. ويشمل الإنفاق العام على التعليم بنود الإنفاق الحكومي على مؤسسات التعليم "الحكومية والخاصة"، وإدارة التعليم بالإضافة إلى التحويلات/الإعانات المالية المقدمة للكيانات الخاصة "الطلاب/ الأسر المعيشية، والكيانات الخاصة الأخرى". 
وبينما تنفق دولة مثل إسرائيل على التعليم حوالي 10% من الناتج المحلي، نجد أن الدول العربية لا تزال تتراوح حسب مؤشرات عام 2014 حول متوسط 5- 6% من الناتج المحلي، ومقارنة مع مستوى الناتج المحلي في هذا الكيان، وعدد السكان نسبة إلى الدول العربية نجد أن الدول العربية رغم رغبتها وطموحها لتطوير التعليم إلا أن الميزانيات المرصودة له لا تلبي هذه الحاجات، بل أن كثيرا من هذه الميزانيات يذهب إلى بنود لا تعود بفائدة على تطوير التعليم نفسه. نحن بحاجة إلى تغيير تام في النظرة للتعليم من داخل المجتمع أولا لتنعكس على العملية التعليمية بأثر إيجابي.

وأكد الأتربي أنه للأسف لم ينجح التعليم الإلكتروني عربيا، لأن الأهداف والرؤى غير واضحة ولا توجد أي خطط تدعم مثل هذا النوع من التعليم سوى مبادرة بوابة المستقبل في السعودية وهي على مستوى المدارس المتوسطة والثانوية، ولم يظهر أثرها حتى الآن فهي لا تزال في بداية عامها الثالث، وحين أتحدث عن مبادرات للتعليم الإلكتروني أتكلم خاصة على الدول ذات الكثافات السكانية المرتفعة، والتي تعاني من تكدس الطلاب داخل الفصول وبعد المسافات وغيرها من الأسباب التي تجعل من التحول نحو التعلم الإلكتروني وسيلة لحل كثير من المشكلات التي تواجهها هذه الدول، ولكن نعود للبداية لا يزال هناك أفراد لا يريدون للتعليم أن ينجح بأي شكل كان لأنهم يتقوتون من هذا الفشل. أضف إلى ذلك غياب سياسات التعامل مع هذا النوع من التعليم سواء الجامعي أو ما قبل الجامعي، وترك التشريع لكل مؤسسة كما تريد مما يضعف قوة هذا النوع من التعليم بل إن كثيرا من النقابات العلمية ترفض التحاق خريجي هذا النوع من التعليم بها.
ولفت الأتربي أن المكتبات المدرسية تعاني من سوء التخطيط وعدم تأهيلها أو تأهيل العاملين بها ليكونوا ركنا أساسيا في العملية التعليمية، بداعي أن زمن الكتاب المطبوع قد قارب على الانتهاء، وأن الكتب الإلكترونية هي التي ستسود الموقف حاليا ومستقبلا، ولكن جميع أنظمة التعلم الإلكتروني تهتم بتوفير مصادر معلوماتية للطلاب سواء من خلال المكتبة الإفتراضية أو المكتبة المدرسية، ويمكن لأخصائيي المكتبات المدرسية أن يكونوا عاملا مؤثرا في العملية التعليم خلال تطبيق نظام التعلم الإلكتروني من خلال تقديم مجموعة من الخدمات التي تلبي حاجات المستفيدين، والتي يمكن قياسها باستخدام برامج تقوم على الذكاء الاصطناعي، ومن هذه الخدمات جمع وتصنيف وأرشفة الجلسات التعليمية، وجمع وتصنيف المواقع الإلكترونية التعليمية. وبناء بنوك الأسئلة وغيرها من الخدمات المرتبطة ببيئة التعلم الإلكتروني.
وبالنسبة لتأثير التيارات الدينية السلفية والعادات والتقاليد التي لا تزال راسخة على مسار العملية التعليمية، أكد أن "أي فشل في العملية التعليمية هو مفتاح لتغلغل التيارات الدينية المتعددة داخل المنظومة التعليمية فإذا تم وضع خطط للتعليم قائمة على الطالب نفسه وتجعل منه هو محور العملية التعليمية فأعتقد أن وجود مثل هذه التيارات الدينية أو العادات والتقاليد لن يكون له أي تأثير خاصة مع المهارات التكنولوجية التي أصبح يمتلكها هذا الجيل والتي تيسر له سبل الوصول للمعلومة بسهولة".