'الأكثر حلاوة' يستعرض مرارة فراولة أوروبية مُغمّسة بدماء المهاجرات
طرحت المخرجة المغربية-الفرنسية ليلى المراكشي في فيلمها الجديد "الأكثر حلاوة" عملاً سينمائياً جريئاً يعود بها إلى مهرجان كان بعد عقدين من فيلمها الأول "ماروك"، كونها تبتعد عن أجواء البرجوازية الكازابلانكية التي اعتادت تصويرها لتغوص في واقع النساء المغربيات المهاجرات الموسميات اللواتي يعملن في حقول الفراولة بجنوب إسبانيا
وتكشف المراكشي من خلال قصة درامية مشحونة بالعراقيل عن آليات الاستغلال الاقتصادي والجنسي والعنصري الذي يمارس في قلب أوروبا تحت غطاء الفرص الاقتصادية، مستخدمة لغة سينمائية ناضجة تجمع بين الواقعية الخام والدراما الإنسانية العميقة، ك كاتهاماً مباشراً لمنظومة رأسمالية استعمارية جديدة تستفيد من دماء وأجساد المهاجرين لتقدم ثماراً حلوة المذاق على موائد الأوروبيين.
ويبرز الفيلم كصوت نسوي مقاوم يعيد النظر في مفاهيم الهجرة والعمل والكرامة الإنسانية في عالم يزداد فيه الاستغلال تنظيماً ووحشية.
ويفتح السيناريو أبوابه على قصة شابتين مغربيتين تغادران بلدهما بحثاً عن حياة أفضل في حقول الفراولة الإسبانية، حينما يواجهن واقعاً قاسياً يتناقض تماماً مع الوعود الوردية التي تلقياها من سماسرة العمل، إذ تتحول أيامهن إلى سلسلة من الإرهاق الجسدي تحت الشمس الحارقة وسط البيوت المحمية، مع سكن جماعي مهين يفتقر لأبسط شروط الكرامة الإنسانية، وهنا تبرع المراكشي في تصوير التحول النفسي للبطلات من الأمل إلى اليأس ثم إلى الغضب الواعي، مستفيدة من أداء قوي لنسرين الراضي التي تجسد شخصية هسنة بكل تعقيداتها وتناقضاتها كامرأة بشرية تحمل ضعفها وشجاعتها معاً، ويستمر هذا التحول عبر علاقاتها مع باقي النساء العاملات اللواتي يمثلن طيفاً واسعاً من التجارب والأعمار والأحلام المحطمة.
ويبني الفيلم خطابه النقدي على رمزية قوية لثمرة الفراولة التي تُسمى "الذهب الأحمر" في إسبانيا، حينما تتحول هذه الثمرة الجذابة من منتج استهلاكي بريء إلى دليل دامٍ على استغلال النساء المهاجرات، وتستخدم المراكشي الألوان الحمراء الفاقعة في الحقول لتعكس تناقضاً بصرياً مذهلاً بين جمال الثمرة وقبح الظروف المحيطة بها، ليجعل المشاهد يشعر بالغثيان كلما ظهرت الفراولة على الشاشة لأنها تذكره بالعرق والدموع والدماء المختلطة مع التربة، ويمتد هذا النقد ليشمل الشركات الزراعية الكبرى والحكومات الأوروبية التي تغض الطرف عن الانتهاكات مقابل توفير منتجات رخيصة، في رسالة سياسية واضحة تتجاوز الحدود الجغرافية لتصبح اتهاماً عالمياً للرأسمالية المتوحشة.
ويبرز الجانب النسوي في الفيلم من خلال التضامن الذي ينشأ بين النساء العاملات رغم اختلاف خلفياتهن، حينما يتحول السكن الجماعي من مكان للمعاناة إلى فضاء للمقاومة والوعي الجماعي، وتدير المراكشي هذه الديناميكية بمهارة كبيرة عبر حوارات طبيعية ومشاهد جماعية مؤثرة تظهر كيف يتحول الخوف إلى شجاعة والصمت إلى صراخ، مع التركيز على علاقة هسنة بصديقتها وباقي النساء كمحور درامي أساسي، وهذا التضامن ليس مثالياً بل مليء بالتوترات والخيانات الصغيرة التي تجعله أكثر واقعية وإقناعاً.
*ويستخدم* الإخراج أسلوباً واقعياً قريباً من الوثائقي في تصوير مشاهد العمل اليومي، مع كاميرا متحركة تلتصق بالأجساد المتعبة والوجوه المرهقة لتعطي المشاهد شعوراً جسدياً بالإرهاق نفسه، وتعتمد المراكشي على الإضاءة الطبيعية والأصوات الحية كأصوات الرياح والآلات والنساء يتحدثن بالدارجة، لتعزيز الإحساس بالواقعية الخام، بينما تتخلل هذه الواقعية لمسات درامية مدروسة في مشاهد الليل والمواجهات مع المشرفين.
وتركز حبكة الفيلم على قضية التحرش الجنسي والاستغلال الجسدي كجزء أساسي من منظومة الاستغلال الاقتصادي، حيننا لا يقتصر الأمر على ساعات العمل الطويلة وإنما يمتد إلى السيطرة على أجساد النساء من قبل المشرفين والسماسرة، وتتعامل المراكشي مع هذا الموضوع بحساسية عالية دون الوقوع في الإباحية أو التبسيط، مستخدمة نظرات الكاميرا والصمت أكثر من الحوار لنقل الرعب والغضب الداخلي، وهذا التصوير يجعل الفيلم شاهداً قوياً على "العبودية الحديثة" التي تستمر في أوروبا تحت غطاء قانوني شكلي.
ويطور العمل شخصياته الثانوية بعناية كبيرة رغم كثرتهن، إذ يعطي كل امرأة في المجموعة مساحة للتعبير عن قصتها الخاصة سواء كانت أماً تريد علاج ابنها أو فتاة تحلم بالدراسة أو امرأة هربت من عنف أسري، لكي يجعل الدراما جماعية دون أن تفقد تركيزها على البطلة الرئيسية، ويظهر هذا التعدد في الخلفيات كيف أن الاستغلال يطال نساء من طبقات ومناطق مختلفة لكنه يوحدهن في المعاناة والمقاومة النهائية.
ويواجه الفيلم الجمهور الأوروبي بصورة غير مريحة عن نفسه، لانه يبرز أن استهلاك الفراولة اليومي في الأسواق الأوروبية مبني على معاناة مخفية، ويستخدم شخصية المحامية الإسبانية "بيلار" كجسر بين العالمين ليبرز التناقضات داخل المجتمع الإسباني نفسه بين اليسار النظري والواقع العملي.
ويحقق الفيلم توازناً نادراً بين الالتزام الاجتماعي والجودة الفنية، لانت لا يقع في فخ الشعارات السياسية المباشرة رغم قوة رسالته، ويعتمد على السرد والصورة أكثر من الحوارات الإيديولوجية.