الإطار التنسيقي و"مرشح التسوية".. تكتيك سياسي أم عجز عن الحسم؟
دائمًا، وعندما تقترب العملية السياسية في العراق من مفترق طرق حاسم، أو تصل مراحل تشكيل الحكومة إلى وضع معقد أو طريق مسدود، يعود مصطلح "مرشح التسوية" إلى الواجهة، لا سيما في أروقة الإطار التنسيقي، التحالف الشيعي الأبرز في البلاد. فبينما تتصاعد التوترات السياسية وتتشابك الحسابات بين القوى المتنافسة، يبدو أن اللجوء إلى مرشح توافقي بات خيارًا مفضلًا لتفادي الانقسام، وإن كان ذلك على حساب الحسم والوضوح السياسي.
يُعد الإطار التنسيقي أحد أبرز التحالفات الشيعية التي تلعب دورًا محوريًا في تشكيل الحكومات، خصوصًا بعد كل دورة انتخابية. ومن اللافت أن هذا التحالف، رغم تعدد مكوناته وتباين توجهاته، غالبًا ما ينتهي إلى اختيار مرشح تسوية لرئاسة الوزراء، بدلاً من الدفع بمرشح حزبي صريح أو شخصية ذات طابع قيادي مهيمن.
الإطار التنسيقي، الذي يضم قوى شيعية بارزة مثل دولة القانون، الفتح، تيار الحكمة، عصائب أهل الحق، وغيرها من القوى الفاعلة في المشهد السياسي، يواجه تحديًا دائمًا في التوفيق بين مصالح مكوناته المتباينة. ومع كل استحقاق حكومي، تتكرر السيناريوهات ذاتها: أسماء مطروحة، فيتوات متبادلة، ثم انزلاق نحو مرشح "لا غالب ولا مغلوب".
في الأزمة السياسية التي أعقبت انتخابات 2021، وبعد انسحاب التيار الصدري من البرلمان، وجد الإطار نفسه في موقع المسؤولية المباشرة عن تشكيل الحكومة. ومع تصاعد الضغوط الشعبية والدولية، لم يجد التحالف بدًا من التوافق على شخصية وسطية هي رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، رغم وجود أسماء كانت أقرب إلى بعض أطرافه.
يشير مصطلح "مرشح التسوية" إلى شخصية سياسية أو إدارية لا تنتمي إلى الخطوط الأمامية للصراع الحزبي، وغالبًا ما تكون مقبولة من معظم الأطراف وإن لم تكن الخيار الأول لأي منها. ويُفترض أن يتمتع هذا المرشح بسمعة معتدلة، وسجل خالٍ من الاستفزازات، وعلاقات متوازنة مع القوى الإقليمية والدولية.
في الآونة الأخيرة، طُرحت أسماء عديدة محتملة لرئاسة الوزراء في ظل تعثر التوافق على شخصية حزبية بارزة. ويبدو أن الإطار التنسيقي يميل إلى هذه الأسماء لتجنب الصدام مع الشارع من جهة، ومع القوى السياسية الأخرى من جهة ثانية.
إن اللجوء إلى مرشح التسوية لا يعكس فقط رغبة في التوافق للوصول إلى "الواقع الأسهل"، بل يكشف أيضًا عن هشاشة التماسك الداخلي؛ إذ يصعب على الإطار الاتفاق على مرشح من داخله دون إثارة حساسيات. يضاف إلى ذلك الخشية من الرفض الشعبي، خصوصًا بعد احتجاجات تشرين، التي جعلت بعض الأسماء مرفوضة على نطاق واسع، ما يفرض قيودًا على الاختيار. هذا فضلًا عن الضغوط الخارجية، وضرورة الموازنة بين الوضعين الإقليمي والدولي، اللذين لا يزالان عاملين حاسمين في تحديد هوية رئيس الوزراء.
ويرى مراقبون أن مرشح التسوية قد يكون حلًا عقلانيًا في ظل الانقسام، لكنه في الوقت نفسه يعكس عجزًا عن اتخاذ قرارات جريئة. فالحكومات المبنية على توافق هش غالبًا ما تكون ضعيفة الأداء وتفتقر إلى رؤية إصلاحية واضحة.
ويبقى السؤال المطروح، وفي صميم هواجس المواطن العراقي: هل يستطيع الإطار التنسيقي كسر هذه الحلقة المفرغة من التسويات والانتقال إلى مرحلة الحسم السياسي؟ أم أن "مرشح التسوية" سيظل العنوان الأبرز لكل مرحلة انتقالية في العراق؟