البوح التعبيري في قصيدة "ولادة"

الشاعر السوري عمر فهد حيدر يعتبر سفيرا للقصيدة السردية التعبيرية، فهو الذي يدافع عنها دائما ويحاول إيصالها إلى الاخرين والحديث عنها في كل مكان.


القصيدة السردية التعبيرية لا تعني السرد الحكائي القصصي والمباشرة في اللغة


السردية التعبيرية تنحو منحى آخر عن طريق استخدام النثر الذي من خلاله ينبعث الشعر الكثير

نقصد بالبوح التعبري: هو وصف العالم وطلب الخلاص بطرح رؤية فردية عميقة للحياة والعالم، وما هو واجب ومفترض، فتكون معاني الاشياء غير معانيها. فلا بدّ لكل عمل أدبي على وجه الخصوص من رسالة خاصة من خلالها يطرح الشاعر ما يريد قوله وايصاله إلى المجتمع ونقل هذه التجربة للآخرين، كون الشاعر شخصا غير عادي ويمتاز بما يمتلك من موهبة من خلالها يستطيع تسخير اللغة واستنهاض الخيال والطواف بالمتلقي في مديات بعيدة واإحداث الدهشة القوية والمستمرة وتحريك مشاعره عن طريق عذوبة اللغة والإيحاء والرمزية المحببة ونقل الشعور العميق، حيث تكون اللغة غضّة مطواعة تتفجر ينابيعها وطاقاتها المخبوءة عميقا، وهذا ما تشتغل عليه اليوم القصيدة السردية التعبيرية، فهي لا تعني السرد الحكائي القصصي والمباشرة في اللغة، وهي تنحو منحى آخر عن طريق استخدام النثر الذي من خلاله ينبعث الشعر الكثير، حيث تكتب على شكل فقرات متسلسة فيما بينها، بدون تشطير أو وجود فقرات أو نقاط زائدة كما في القصيدة الحرّة والتي تسمى خطأ بالقصيدة النثرية، كون الأخير مازالت للآن تحت سلطة القصيدة العمودية في شكلها وبنائها الهيكلي. 
إن القصيدة السردية التعبيرية تطورت كثيرا نتيجة لوجود كتاب يختصون بها ويحافظون على إنضاج مفهومها لدى الآخرين. ومن هؤلاء الشعراء سنتكلم اليوم عن الشاعر السوري: عمر فهد حيدر، والذي يعتبر بحق سفيرا للقصيدة السردية التعبيرية، فهو الذي يدافع عنها دائما ويحاول إيصالها إلى الاخرين والحديث عنها في كل مكان، وكأنه يتحدث عن حبيبته التي أخلص لها في حبّه الكبير، فهو يكتب هذه القصيدة ويحاول أن يتلمس الطريق نحو كتابة قصيدة تحمل هموم الإنسان وغربته في هذا العالم، لم يكتب إلاّ والوطن والإنسان يتقاطر منهما الألم والتشظّي والضياع، ألم لا يشوبه اليأس والهزيمة، فكتاباته تزخر بكل هذا الوجع والوطن الممزّق، فهو يكتب بضميره الحيّ المعبّر عن ضمير الجماعة ومحنتهم، وتعرية هذا الواقع وفضحه، فعباراته دائما مشحونة بالألم والقلق والخوف والترقب والانتظار، فشعره ينقل لنا الكثير من هذه المفردات في بيئة انتشر فيها الخراب والدمار نتيجة تعرّضها للنكبات والأزمات المستمرة، وكيف لا وهو ابن الحرب الواقف دائما على حدود ملتهبة ويحمل على كاهله عذابات سحيقة مستمرة!
وبالعودة إلى قصيدته "ولادة" فهي عبارة عن مخاض طويل ومؤلم وصرخة تنزلق بعد انتظار وصمت. إن في هذا العنوان رمزية وإيحاء يقصده الشاعر ليفتح لنا أبوابا للتأمل والقراءة، فنحن حينما نقرأ هذا العنوان يتبادر إلى أذهاننا الكثير من التأويل، فهل كان يقصد ولادة / القصيدة / الوطن / الإبداع / الحبّ / الأفكار ...الخ. 
لقد تركنا الشاعر نقرأ العنوان كل حسب رؤيته وثقافته وإحساسه وذائقته، وهذا ما يحسب للشاعر فلقد ترك بعد مفردة "ولادة" ....، هذه النقاط أراد منها أن يجعل من المتلقي يقرأها بطريقة تتناسب مع ما يمتلكه مما ذكرناه سابقا. 
ابتدأ الشاعر قصيدته بهذا المقطع: "تلدني اﻷرض من صخر اللوعة من هشيم التراب المبلل بالدموع ﻷمهات ثكلن بأبنائهن وأزواجهن في الحرب". 
المثير والغريب والمستفزّ في الوقت نفسه من خلال مفرداته القاموسية (تلدني - صخر – اللوعة – هشيم – الغريب – المستفزّ – الدموع – الأمهات الثكلى – الحرب)، فلو تأملناها جيدا لوجدنا قسوة هذه الولادة في زمن الحرب وما ينتج عنها من كوارث وويلات وخراب، استطاع الشاعر تسخيرها بطريقة ذكية لتجيش مشاعر المتلقي واصطفافه إلى جانبه في محنته ومحنة الوطن. 

وتخفت حدّة الوجع لدى الشاعر، ويأخذنا إلى عوالم عالية مرتفعة، وكأنه يمتلك أجنحة كبيرة يرتفع بها عن هذا الواقع في محاولة للخلاص منه: "تصطفيني في أعلى قمة لجبالها تقرأ عليّ طقوس الولادات الهانئات، تلفني بشال رياحها العاتيات أتكور جوعا، من أديم هيجانها تتهجاني بماء ينابيعها الرقراقة النقية المنسية في بؤبؤ العين، تهبني للشمس للقمر للنجوم لسماء تحنو كأم لها انتشاء اﻷمومة".
ونجد ذلك في مفرداته (أعلى قمة – رياحها – الشمس – القمر – النجوم – السماء). إن مفردات الشاعر تعكس لنا نظرته للحياة وتنبع من ذات نقيّة، فهي مفاتيح للدخول إلى عالمه الحسّي والنفسي والفكري والشعري، فنجد هذه الذات الشاعرة تحاول الهروب مجددا من واقعها في محاولة لتخفيف عذاباتها إلى عالم الحلم ورسم الحياة بصورة بهيّة لتعويض ما أتلفته الحروب والنكبات، "وتلزم صمتها في ليل الحياة الذي يطول بهامات وأحلم أني أحبو نحوك أتهجى حروفك كالكلمات أعلن انتمائي لوهج اﻷمومة للوعة حزن تمترس في خاطري؛ تطير الفراشات كالشاعرات نحو حتفهن في حضن الربيع، يبتغين عشقا وحبا، وصمت الكلام كأنهن صرن موتا جميلا في روحهن وشايات بوح شفيف".
هنا يحاول أن يزاوج ما بين الحرب والحضارة، وكأنه يفاضل ما بينهما ويحاول إثارة انتباهنا إليهما: 
"من أزيز رصاص من تجارة حرب من رقي حضارة يا خوفها المسكون في لغتي لقد كبرت ومازال خوفي أكبر من خافقي. يرتديني السكون القريب يواكبني العطش يتهادى من غير انسياب، أفرغ الشمس من عيني .. أتشكل برا في رؤى براريك حزنا وحبا. خوفاً يشدني إليك يا وطني وأنت تتهجاني لغة انتصار وفخر وسلام".
فخوفه ظلّ يكبر في لغته ويتشكّل في صورة يمتزج فيها الحزن والحبّ، الحزن على هذا الوطن الذي طحنته الحروب، والحبّ له رغم قسوة العيش وكثرة الخيبات فيه، وهنا نجد الأمل ينبعث من الذات الشاعرة من خلال لغة الحب وانتصاره (انتصار – فخر – سلام) فهي تعتزّ وتفتخر بهذا الوطن وتؤمن بقوة الحياة والحبّ في تحقيق الانتصار على لغة الحرب والدمار .
لقد استطاع الشاعر عمر فهد حيدر أن يسخّر أقصى ما يستطيع من ملامح السردية التعبيرية في رسالته هذه، وأن يرسم لنا بكلماته كل هذه الصور الجميلة، وأن يعبّر عن رأيه وهو رأي الجميع بكل هذه الأحداث، وأن يمنحنا هذه الفسحة من الضوء والأمل والعشق للوطن والحياة .
ولادة
تلدني اﻷرض من صخر اللوعة من هشيم التراب المبلل بالدموع ﻷمهات ثكلن بأبنائهن وأزواجهن في الحرب، تصطفيني في أعلى قمة لجبالها تقرأ عليّ طقوس الولادات الهانئات، تلفني بشال رياحها العاتيات أتكور جوعا، من أديم هيجانها تتهجاني بماء ينابيعها الرقراقة النقية المنسية في بؤبؤ العين، تهبني للشمس للقمر للنجوم لسماء تحنو كأم لها انتشاء اﻷمومة .
وتلزم صمتها في ليل الحياة الذي يطول بهامات وأحلم أني أحبو نحوك أتهجى حروفك كالكلمات أعلن انتمائي لوهج اﻷمومة للوعة حزن تمترس في خاطري؛ تطير الفراشات كالشاعرات نحو حتفهن في حضن الربيع، يبتغين عشقا وحبا، وصمت الكلام كأنهن صرن موتا جميلا، في روحهن وشايات بوح شفيف، هو الآن حرب تستقيم كأنها موج شط بعيد .. لا تخافي أنت الحلم خاف عليّ من اﻷنا العالية .. من أزيز رصاص من تجارة حرب من رقي حضارة يا خوفها المسكون في لغتي، لقد كبرت وما زال خوفي أكبر من خافقي. يرتديني السكون القريب يواكبني العطش يتهادى من غير انسياب، أفرغ الشمس من عيني .. أتشكل برا في رؤى براريك حزنا وحبا. خوفاً يشدني إليك يا وطني وأنت تتهجاني لغة انتصار وفخر وسلام.