التسويق السياسي أوهام ضرورية

الغرب يعرف كيف يصنع ويوجه اعلامه. المصيبة الكبرى هي استخدام هندسة الرأي العام في بلاد العرب.


العربي مسلم ملتزم ويسرق، شيوعي ويصلي، علماني ويفرض على نسائه الحجاب!


قد يكون كل ذلك كذبا ولكن التلاعب بالحقائق ليس بالأمر الصعب


يختلف العرب على تعريف كل شيء سوى ما ورد في الزمخشري والقاموس المحيط

منذ إنشاء معهد جالوب 1935 الذي يقوم باستطلاعات للرأي في مختلف المجالات اتضحت فكرة التسويق السياسي يشكل أكبر، حيث يستند التأثير على الرأي العام على الفهم العميق لنفسية المتلقي وحاجاته ومطالبه. ومن هنا، فقد أدرك اليهود أهمية السيطرة على إعلام الدول. وكان رجل الأعمال الأميركي روبرت مردوخ وهو يهودي يمتلك أهم شركات الإعلام في العالم، ويستقي العالم من هذه الوسائل أخبارهم ويعيدون بثها أو نشرها. وقد اتبعت وسائل الإعلام طرقا مبتكرة منها: البث المباشر من موقع الحدث واستخدام الصور واستخدام مقاطع الفيديو والحوار مع الخبراء والتفاعل مع القراء من خلال الحوار واستطلاعات الرأي وتوظيف مذيعين أكفاء وتكرار الخبر والتحليلات والبث على مدار الساعة، واليوم انتشر ما يعرف بالتسريبات لإقناع القراء بالدليل.

في عام 1999 صدر كتاب لنعومي تشومسكي بعنوان "أوهام ضرورية" يصف كيف يتم التلاعب بالعقول من خلال خلق أوهام ومعلومات مغلوطة ومن أهم مبادئ الأوهام الضرورية هو عدم الكشف عن كل شيء وتقديم ما يروق للعامة أو ما أسماه أفلاطون "أكاذيب نبيلة" لا يقصدون منها الحاق الأذى بالجمهور بل تحقيق مصالح معينة. لذا فإن المرشح للرئاسة الأميركية لا يخبر الجمهور الحقيقة كاملة، بل يختار ما يعزز موقفه الانتخابي، وليس كل الأكاذيب قابلة للعقاب، فالمؤسسات الأميركية تحمي الرئيس الكاذب لأنها تتفق معه على الهدف النهائي وهو المصلحة العامة. وهناك نوع آخر من "الوهم الضروري" للنخبة الحاكمة هو خلق عدو وهمي لتشتيت انتباه الناس عن القضية الأساسية، وتصوير هذا الخصم بأنه خائن ويتعامل مع العدو لتضييع المقدسات، وما أن تنتشر الكذبة حتى الكاذب على خصمه تماما.

وهناك كتاب آخر لنعومي تشومسكي بعنوان "هندسة الرأي" (2002) تحدث فيه عن كيفية صياغة الرأي وإقناع الناس والتأثير على الرأي العام بحرفية عالية بحيث يصبح غالبية الشعب مؤيدين للخطوة التي تريد جهة معينة القيام بها وأول هذه الخطوات هو امتلاك المؤسسة الإعلامية ووجود مصادر مطلعة ومرتبطة بها وطرح القضايا معززة بالأدلة واستضافة الخبراء ومهاجمة الخصوم، وقد يكون كل ذلك كذبا ولكن التلاعب بالحقائق ليس بالأمر الصعب.

صحيح أن الغرب هو واضع نظريات الاعلام الحديثة ولكن العرب برعوا باستخدامها بالفطرة وبشكل عفوي، فهم يفسدون كثيرا ويستحوذون على الأموال ويقدمون أنفسهم على أنهم مخلصون وأصحاب مبادئ وثوابت، ولا بأس بإصدار الفتاوى بين الحين والآخر لتعزيز الشرعية الدينية والتزامهم بالدين، ونظرا لأن الشعوب العربية ليس لديها الثقة بالنفس، فإنهم يعتبرون أنفسهم أقل من التحدي والمواجهة وينظرون الى النخبة الحاكمة على أنها أعلى مستوى منهم ولا يستطيعون مناكفتها.

إن التلاعب بالعقول في الولايات المتحدة والعالم الإمبريالي لا يمس المصلحة العامة ولا يفرط بحقوق الشعب ولا يسرق أموالهم بل مجرد ترويج لأفكار عليهم أن يثبتوا أنها تصب في الصالح العام. أما المصيبة الكبرى فهي استخدام هندسة الرأي العام في بلاد العرب، لأنهم يحرصون على كل شيء سوى المصلحة العامة، فهذا المفهوم ليس له تعريف محدد وواضح، وبينما يتفق الغرب على ماهية المصلحة العامة، يختلف العرب على تعريف كل شيء سوى ما ورد في الزمخشري والقاموس المحيط، لهذا نجد الاختلافات الاعلامية ليست في التفاصيل بل في القضايا الرئيسية ذاتها وقد تكون مدعومة بالدلائل ثم يتبين أنها كذب وإنما تم اختراعها لمهاجمة الخصوم في الصراع على الحكم، وحرف الناس عن قضاياهم الرئيسية.

في الحقيقة أن العربي ضبابي في كل شيء، فهو مسلم ملتزم ويسرق وشيوعي ويصلي أمام الناس وإسلامي متشدد ويقتل الأبرياء وعلماني ويفرض على نسائه الحجاب والنقاب ومحافظ ولديه عشيقة عندما يسافر الى دولة أجنبية، كما أنه يرى المشكلة بعينه ويتردد في اتخاذ القرار بحلها جذريا، وهذا هو سر التراجع والانهزام، ورغم وجود قلة تفهم بالضبط ماذا تريد وأهدافها واضحة، إلا أن الكثرة هي التي تحول دون قيامهم بعملية إنقاذ، لأن الخصوم يسارعون وينشرون شتى الاتهامات فيفضل الجلوس في البيت وانتظار الفرج يأتي إليه من السماء.