التشكيلي عادل صالح يعيد بناء شبكة علائقية للتمفصلات الممكنة

أعمال الفنان التركي تستعرض رحلة التفاعل بين المشاهد وفنه البصري، حيث تنبثق الانفعالات الإنسانية من المشاهد المجردة والتجريدية والتعبيرية، لتفتح أمام المتلقي آفاقًا إدراكية وإيحائية غنية، تجعل التجربة الفنية مساحة لاستكشاف الذات والعالم. ي

من البدء، ونحن ما زلنا على عتبات الدخول لأعمال الفنان التشكيلي التركي عادل صالح، حتى يُسرع في إشعال عود ثقاب في ذاكرتنا لتسعير الحريق، كي يرافق الحريق الملتهب في ذاكرته، فيستحضر الوقود الملموس بأبعاده الذهنية للتخفيف من تأجيج تلك الاستعصاءات التي قد تظهر على شكل جهد إدراكي إنساني، فيحتل موقعًا مناسبًا من المعطى العام لتلك الأعمال، والتي قد تتحول في منعطف ما إلى منبه أو ناقوس للمتلقي، يدفعه إلى الإمساك بها لتقوده فيما بعد نحو بؤر لن يكون بمقدوره استيعابها إلا إذا استوعب مجمل الانفعالات التي تنبثق من تلك المشاهد البصرية، التي كانت قد التقطتها عدستا عينيه، مع أخذ الحسبان التفاوت في الإدراك بين متلق وآخر. فالحيّز الفضائي الذي يتركه صالح، حيّز مشبع بالضوء وحرّ، يجعل البنية الإدراكية عند المتلقي تتنشط وتبحر بأريحية بين كيانات أعماله، فيلتقط تلك العناصر التي تمنحه العذوبة والمتعة بتدرج زمني، يستدعي تحديد تلك اللحظات التي قد تكون محطات مهمة في منطلقات صالح الجمالية؛ لحظات تستند إلى قيم دلالية بالغة التنوع، ومكتظة بانفعالات إنسانية تتزاحم بالخروج والمغادرة لأخذ مواقعها عند المتلقي، فهي تحمل مفاهيم مجردة تتوزع في المكان كله وتسكن الأشياء كلها لإنتاج معانٍ جديدة تحمل معطيات جديدة.

ورغم أن صالح يقود الذات خارجًا ضمن سيرورة الموجودات، إلا أن الأحاسيس تسبقه في محاكاة العمل، وإن كانت تتجسد لاحقًا في فهم الوقائع باشتغال إيماءاتها وطقوسها المختزنة في حدود قدرته على اختيار روابط ضمنية تقودها توليد تلك المكنونات التي يطلق لها العنان في فسحات العمل. فهو، وبشيء من الاشتغال بوقائع التدليل القابل بالإمساك بومضة الحالة وتفعيلها دون إقصاء الذات تمامًا، يكشف لنا عن عمق تجربته، وبالتالي عن عمق تجربة الإنسان مع الأشياء. وهذا يدفعه بدوره، وكأنه يعلن بصوت عالٍ وعذب، أنه بقدر ما كان هناك تنويعات ثقافية في معطى الواقع، سيكون هناك تنويعات دلالية/إيحائية تشرق من العمل المنتج ذاته. يعود ذلك إلى أحاسيس يملكها الفنان عادل صالح، تدرك إيماءة كل حركة وكل لون ضمن هندسة فضائية قد تكون هي خزاناته التي ستنبثق منها أشكاله وحكاياته وأقواس قزحه، في سلسلة لا متناهية من العبث المجدي، التي تحوّل أعماله إلى كائنات تسكن الذهن بأبعاد إيحائية وتجريدية وتعبيرية. ويدرك صالح حينها بأن التجديد بحد ذاته، وفي أي وتر كان، يعد إبداعًا تأويليًا.

وبناءً عليه، فإن الفعل البصري الذي يقدمه صالح، والمرتبط بالضرورة بإعادة بناء شبكة علائقية للتمفصلات الممكنة وفق علامات داخلة في آلية الخلق، يحمل كل إمكانية البحث المستدام بتوافر وقائع حاضنة لقيم جمالية/إنسانية، مع منحها معطيات ثقافية تملك كل وسائل التعبير وفق أشكال الحضور. وبالفعل، إن الإنسجام الذي يخلقه عادل بين شروع عناصره لبلوغ الفضاء وبلورته، وبين هذا الشروع والمتلقي، فإن الالتِحام الذي يتراصف من البعيد ما هو إلا مغايرات ملتقطة من ابتهاج مشاهده البصرية، التي تسعى لتوسيع المسافات القلقة في تنقلاته. وبالتالي، يسعى صالح لكشف الشعور الكائن في توزيع إيقاع مفرداته مع إعادة تشكيلاته، التي ستفسر لنا حضور هذا الكم من الطاقة وسر شدتها، والتي تؤدي إجمالًا إلى تنشيط كرة التخيل، وبتسارعات ستتجاوز المعيار الذاتي، بل ستجعل المعايير الإيقاعية مرافقة للمعايير القيمية في أوج حركتها.