التصوف .. من المكابدات إلى اليقين

بموت الحلاج دخل التصوف في أزمة أولاً ثم سرعان ما تحولت تلك الأزمة إلى مرحلة ازدهار رائقة في حياة التاريخ الصوفي.


التصوف الإسلامي أجبر على الدخول في حرب شرسة بغير هوادة أو رحمة مع أهل السنة والجماعة؛ أولئك الذين ارتابوا إلى حقيقة التصوف


صحائف القهر في تاريخ التصوف الإسلامي

المستقرئ بعمق ودراية لتاريخ حركة التصوف الإسلامي مذ أن بدأت إرهاصاتها بزهد صحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأتباعه رضوان الله عليهم، يدرك على حد اليقين بأن الحسين بن منصور الحلاج أحد أبرز الوجوه الصوفية في الإسلام قد قدم خدمة عظيمة بقتله، للتصوف على مر الأزمنة التي تلت مقتله بصورة أجبرت كتاب التاريخ ومن بعدهم الشعراء والمسرحيون وأخيرًا كتاب الرواية أن يستلهموا مسيرة أحداثه وسيرة نهاياته في أعمالهم الإبداعية.
لأن بموت الحلاج دخل التصوف في أزمة أولاً ثم سرعان ما تحولت تلك الأزمة إلى مرحلة ازدهار رائقة في حياة التاريخ الصوفي سواء من حيث الأقطاب أو من خلال المنتوج الصوفي الغزير، فحينما قتل الحلاج عقب التصريح بغير تلميح عن إشراقاته ومقاماته وأحواله التي ملأت الأرض ضجيجا وصخبا على مستويي القول والتلقي، أجبر التصوف الإسلامي على الدخول في حرب شرسة بغير هوادة أو رحمة مع أهل السنة والجماعة؛ أولئك الذين ارتابوا إلى حقيقة التصوف، وهل هو الذي يتفوه به الحلاج أم أن له أبعاداً وملامح أخرى؟ 
التَّصَوُّفُ والخِلافةُ .. عِلاقاتٌ مُضْطَرِبَةٌ:
ومرحلة الشك في التصوف والتربص به وبرجاله الأقطاب صارت الملمح الأبرز لفترة تاريخية لا يمكن عزلها عن حركة التصوف الإسلامي لاسيما وأن التصوف عبر امتداده بمنأى عن الخلافة ونوازع السلطة، إلا أن هذا الجنوح بعيدا عن القصر والأمر والنهي كان يمثل قلقا كبيرا لدى الخلفاء بدءا من معز الدولة انتهاء بالدولة السلجوقية مع دخول طغرل بك السلجوقي بغداد ولربما يمكن على استحياء تجاوز حالة القلق التي مثّلها التصوف والصوفية لدى الخلفاء والسلاطين إلى بداية عهد حكم العثمانيين التي ستدوم. 

الجنيد يؤكد دوما على الصلة الوثيقة والعلاقة المتينة بين التصوف والشريعة فقال: "الطرق كلها مسدودة على الخلق، إلا على من اقتفى أثر الرسول صلى الله عليه وسلم، واتبع سنته، ولزم طريقه"

وهكذا تبدو الخلافة دوما ملكا عضوضا لا يشاكل أو يماثل حكم الراشدين أبي بكر والفاروق وعثمان وباب مدينة العلم والمعرفة الإمام علي رضي الله عنهم أجمعين، وسرعان ما يخبرنا كتاب التاريخ الإسلامي عن إحداثيات الدول الإسلامية التي تعاقبت منذ تنازل الإمام الحسن (رضي الله عنه وعن أبيه والصلاة والسلام على جده المصطفى محمد)، والعامل الرئيس الذي أفدى بسقوط كافة الخلافات الإسلامية منذ اعتلاء واغتصاب معاوية بن أبي سفيان الخلافة وتحويلها إلى ملك عضوض هو امتلاك السلطتين الزمنية والدينية، بل إن اقتناص خلفاء بني أمية ومن خلفهم خلفاء الدولة العباسية واستلابهم للهيئة الدينية الرسمية في تلك العصور هو مفاد السقوط النهائي لهم. وهذا يفسر دوافع قلق رجال السلطة الدينية بتلك الخلافات المتعاقبة من رجالات التصوف بحكم كونهم يمتلكون بغير مطامح دنيوية السلطتين الزمنية على امتدادها والدينية لكن من غير سعي لتقرب صوب حاكم أو خليفة، أو اعتلاء تجاه منصب أو زعامة. 
علاوة على أن إبطال عمل العقل والتفكير في تلك الفترات التاريخية بوصف الأخير فريضة إسلامية ضرورية ولازمة وفقا لإشارة الأستاذ عباس محمود العقاد، كان سببا قويا في توطين ثقافة النقل الحرفي وفقر الاجتهاد اللهم سوى الأئمة الأربعة الأماجد أبي حنيفة والإمام مالك والشافعي وأحمد بن حنبل، ولاشك أن الاجتهاد الفقهي والفكري الذي اشتعل على فترات متفاوتة من حكم الخلافتين الأموية والعباسية مثَّلَ رصاصة الرحمة التي أودت بحياة الخلافتين تماما. بخلاف أهل التصوف الذين أصروا على التدبر والتفكر وإعمال العقل مع الاهتمام بالنقل الدقيق مع أهل الثقة والدراية، وتلك العوامل والصفات التي توافرت لأولئك الصوفيين مهدت لهم قدرا كبيرا من الزعامة الحقيقية بقلوب وعقول مريديهم.
والمثير في صحائف القهر في تاريخ التصوف الإسلامي أن كل خلافة زعمت أنها تمثل الإسلام بشريعته السمحة وفضائله ومناقبه استطاعت أن تستغل الدين لاسيما الترويج للفكر الديني الذي بدا متطرفا في تلك الفترات. ولجأ خلفاء بني أمية وبني العباس تحديدا إلى استغلال الدين لتحقيق مآرب شخصية وطموحات عائلية بل ومطامح قبلية خاصة، لذا لم يستطيعوا أن يمثلوا الإسلام ولا المسلمين على امتداد حكمهم. وتبدو ممارساتهم السياسية والاجتماعية والدينية أيضا كفيلة بالحكم على فساد عصورهم باستثناء القليل من خلفائهم، على سبيل التحديد عمر بن عبدالعزيز الذي حفر اسمه بالذهب في كتاب التاريخ وأضاء باسمه صفحات طويلة وعريضة رغم قصر فترة حكمه.
ولست بزاعم إن قلت بأن الحياة السياسية منذ دخول الأمير معز الدولة بغداد وحتى بداية الفتح العثماني للبلدان الإسلامية قد شهدت أحداثا زادت المجتمعات العربية توترا وقلقا واضطرابا، انعكس على مناحٍ ومجالات مختلفة منها الفقه الديني الذي بدا بعضه مرتبطا بالخليفة ومزاجه ومطامحه السياسية ورغبته في سعة السلطة والنفوذ، والأدب الذي ترنح بين الإجادة والخفوت والانحلال في اللفظ وأحيانا المعنى والأغراض الأدبية، لكن التصوف وحده امتاز بأن نصوصه ظلت بغير ترنح أو عزوف مطلق صوب القمة.
وتلك السلطات التي بدأت بملك بني أمية انتهاء بالدولة العثمانية استقرت على فكرة واحدة مفادها أن حركة التصوف الإسلامي ما هي إلا سلاح نافذ وناجز باستطاعته تقويض أقوى سلطة زمنية، ومن ثم كانت حادثة مقتل الحلاج المدخل الرئيس والفرصة السانحة لبعض الخلفاء والسلاطين لمحاربة التصوف ورجاله بعد ذلك. لكن الجدير بالذكر أن الأقطاب الأوائل للتصوف الإسلامي استطاعوا بخبرة وحكمة وتجربة استثنائية أتيحت لهم بفضل الطاعات والعبادات أن ينتهزوا فرصة هذا الهجوم المستدام وتحويله إلى بوابة سحرية لاستقطاب الكثير من أصحاب الهجوم أنفسهم. 

وظل هاجس القلق المرضي من قِبل السلاطين تجاه أقطاب الصوفية قائما حتى عصر قنصوة الغوري حاكم مصر الفاطمي قبيل سقوط الخلافة هناك واغتصابها من جديد على أيدي العثمانيين، وإمامنا الدكتور عبدالحليم محمود يورد لنا قصة في كتابه الماتع "قضية التصوف المنقذ من الضلال" عن شكل العلاقة المثيرة بين ممكن عزفوا عن الدنيا بمفاتنها وزخارفها الفانية وبين طمع وجشع السلاطين الذين جعلوا جل همهم السلطة وجمع المال؛ فيقص علينا إمامنا حديثا دار بين الإمام الصالح الورع الزاهد شمس الدين الديروطي وقنصوة الغوري حينما حط الأول على السلطان في ترك الجهاد، وكان للشيخ شمس الدين مجلس للوعظ في الجامع الأزهر وهو مجلس مهيب يحضره الملوك والأمراء وتفيض فيه العيون والمآقي.
وخلاصة القصة التي يسردها كاملة إمامنا الدكتور عبدالحليم محمود أن السلطان قنصوة الغوري سأل القطب الصوفي الشيخ شمس الدين الديروطي عن سبب إثارته للرعية في ترك الجهاد الذي أمر به السلطان، متحججا بأنه ليس له مراكب يجاهد فيها، فقال له الشيخ شمس الدين: عندك المال الذي تعمر به، وحينما طال الكلام بينهما قال له الشيخ شمس الدين: "قد نسيت نعم الله عليك، وقابلتها بالعصيان أما تذكر حين كنت نصرانيا ثم أسروك، وباعوك من يد إلى يد، ثم منّ الله عليك بالحرية، والإسلام، ورقاك إلى أن صرت سلطانا على الخلق، وعن قريب يأتيك المرض الذي لا ينجع فيه طب ثم تموت، وتكفن ويحفرون لك قبرا مظلما ثم يدس أنفك هذا في التراب ثم تبعث عريانا عطشانا جوعانا ثم توقف بين يدي الحكم العدل الذي لا يظلم مثقال ذرة ثم ينادي المنادي من كان له حق أو مظلمة على الغوري فليحضر فيحضر خلائق لا يعلم عدتها إلا الله تعالى فتغير وجه السلطان من كلامه فقال كاتب السر وجماعة السلطان الفاتحة يا سيدي الشيخ خوفا على السلطان أن يختل عقله، فلما ولي الشيخ، وأفاق السلطان قال ائتوني بالشيخ فعرض عليه عشرة آلاف دينار يستعين بها على بناء البرج الذي في دمياط فردها عليه، وقال أنا رجل ذو مال لا أحتاج إلى مساعدة أحد، ولكن إن كنت أنت محتاجا أقرضتك، وصبرت عليك فما رؤى أعز من الشيخ في ذلك المجلس، ولا أذل من السلطان في هكذا كان العلماء العاملون، وقد صرف على عمارة البرج بدمياط نحو أربعين ألف دينار، ولم يساعده فيها أحد.  
التَّصَوُّفُ والشَّرِيْعَةُ الإسْلامِيَّةُ:
كيف حدث ذلك إذن؟ وجد التصوف نفسه في موقف المبرر والمدافع عن التهم التي وجهت للحسين بن منصور الحلاج واتهامه بالفسق ثم بالخروج على التقاليد والأعراف الدينية وأخيرا بالكفر، فكانت ثمة ضرورة في توضيح موقف التصوف الذي لجأ إلى الاستناد على مصدري الشريعة القرآن والسنة الشريفة، فكانت كل النصوص والطروحات الصوفية لا تخرج عن المصدرين ورد كل فكرة وحال ومقام إليهما وهذا دفع الكثيرون إلى الاعتراف بأن التصوف لا يخرج عن الدين ولا عن القيم والأخلاق الإسلامية الرشيدة. وسرعان ما تحول المهاجمون إلى منسجمين مع الطرح الصوفي انسجاما تاما، وتستحضر تلك السطور ما قاله الإمام أبو الحسن الشاذلي: "من دعا إلى الله تعالى بغير ما دعا به رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فهو بدعي". وقوله: "إذا لم يواظب الفقير على حضور الصلوات الخمس في جماعة فلا تعبأ به". والإمام الجنيد يؤكد دوما على الصلة الوثيقة والعلاقة المتينة بين التصوف والشريعة فقال: "الطرق كلها مسدودة على الخلق، إلا على من اقتفى أثر الرسول صلى الله عليه وسلم، واتبع سنته، ولزم طريقه".