التونسي بعائلة مشبوهة والفرنسية بجمهورية كاملة

جمال قرشان ليس بريئا بالتأكيد. لقد قتل امرأة. غير أنه قد لا يكون ارهابيا وليس من المعقول أن تسحقه جمهورية المساواة وهو ميت.


الادانة واضحة بشهود يؤكدون سماعهم عبارة التكبير رغم انهم لا يعرفون العربية


مصير مواطن قتل ثم قُتل على أرض أجنبية ليس من اهتمامات الرؤساء الثلاثة في تونس


فرنسا أكدت وجود شبهة ارهاب في عملية القتل قبل إجراء التحقيقات

في احدى ضواحي باريس قتل شاب تونسي شرطية فرنسية.

حادثة قتل لها ما يشبهها وبالأخص في الولايات المتحدة لولا أن القاتل كما يروي شهود كان قد صرخ قبل أن يقوم بفعلته "الله أكبر".

ولأن عبارة التكبير المقدسة قد اتخذت طابعا مفزعا يرتبط بحوادث الارهاب فإن القاتل أُعتبر ارهابيا كما أن عملية القتل هي جزء من مخطط ارهابي يتخطى مسألة العنف الفردي.

ليس هناك ما يؤكد أن القاتل قال فعلا عبارته ولكن نفي ذلك غير مسموح به بغض النظر عن الجهة التي تقوم بذلك النفي. من الصعب القبول بمحاولة رفع تهمة الارهاب عن القاتل الذي لا تملك له الشرطة ملفا. الادانة واضحة ما دام هناك شهود يؤكدون سماعهم عبارة التكبير بالرغم من أنهم لا يعرفون العربية.

ما يهم هنا أن الدولة الفرنسية قبل أن تجري شرطتها تحقيقا أكدت وجود شبهة الارهاب في عملية القتل. ذلك ما ورد على لسان الرئيس ماكرون أما رئيس وزرائه جان كاستيكس فقد اعتبر ذلك الحدث هجوما على الجمهورية. وهو ما ينزع عن العملية أي طابع شخصي.

ولأن الجمهورية حسب كاستيكس خسرت إحدى بطلات الحياة اليومية فقد كان لزاما أن تتأهب للدفاع عن نفسها.

على الجانب الآخر من المتوسط حيث يقع بلد القاتل "تونس" لا يزال الجمهور مشدودا إلى وقائع الحرب الهزلية بين أطراف السلطة: رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ورئيس مجلس النواب. لم يسبق أن شهد العالم حربا شبيهة بها. صراع لا تملك أية سلطة القدرة على انهائه. فلا سلطة تقع فوق المتحاربين الثلاثة. اما سلطة الشعب فهي عبارة وردت في الدستور ولا أثر لها على أرض الواقع. ربما يعتبر كل واحد من الثلاثة نفسه ممثلا لسلطة الشعب.

وبناء على وضع تهريجي من ذلك القبيل فإن الالتفات إلى مصير مواطن تونسي قتل ثم تعرض للقتل على أرض أجنبية لا يقع ضمن اهتمامات أحد. لا رئيس الجمهورية قال كلمة ولا رئيس الوزراء ولا رئيس مجلس النواب.

كان جمال بن سليم قرشان (وهو اسم القاتل) ارهابيا. لا نقاش في ذلك ما دامت فرنسا قد أكدت ذلك. بدليل أن الشرطة التونسية التي ذهبت إلى عائلة القرشان لتحقق معها لم تكن مهتمة بمصير القاتل الذي صار قتيلا بقدر ما كانت تسعى إلى التقاط الخيوط التي تقود إلى المؤامرة العائلية التي كان القرشان واجهتها.

لقد قيل إن الرجل كان عنيفا. وهو ما يؤكد إمكانية انتمائه إلى منظمة ارهابية. ذلك استنتاج ساذج غير أنه يؤكد موقف العداء المسبق من قبل الشرطة التي صارت تنظر بريبة إلى العائلة المفجوعة بموت ولدها.

في نهاية المشهد نكون أمام قتيلين. شرطية فرنسية ومهاجر ضائع. لن يتعب أحد نفسه من أجل البحث عن العلاقة بينهما وعن حقيقة ما جرى بعد أن دخل رئيس الجمهورية ورئيس وزرائه على الخط وتم تصنيف الواقعة باعتبارها فعلا ارهابيا يقف وراءه تنظيم قد تمتد خطوطه إلى سوسه حيث تقيم عائلة القرشان.   

وقفت الجمهورية الفرنسية كلها وراء الشرطية القتيلة أما القاتل الذي اصبح هو الآخر قتيلا فإنه سلم عائلته للشبهات التي يُفضل أن تكون كذلك من أجل أن تبعد الرئاسات المتطاحنة في ما بينها عن نفسها الشبهات التي لا حملَ لها بها.

ولكن متى كان للـ"مواطن" التونسي قيمة تُذكر. اُفتضح أمر مقتل قرشان بسبب كونه قاتلا سابقا ولو أنه لم يقتل وتعرض للقتل فإن أحدا لن يسمع به ولن يخبر عائلته.

يُدهش المرء حين يسمع التونسيين وهم يتحدثون بالفرنسية أكثر من حديثهم بالعربية ولكن ما الذي تعلموه من قيم ومبادئ الجمهورية الفرنسية ليجبروا حكامهم لكي يكونوا أسوياء؟ لا شيء للأسف.

ما من أحد دافع عن القرشان. لو سألت تونسيا عاديا عنه لعرفت أن أحدا لم يسمع به. الحكومة نفسها لم تعره اهتماما لولا أن الجمهورية الفرنسية قد أعلنت عن وقوفها ضده.

القرشان وحيد في موته لا يتعاطف معه سوى أفراد عائلة مشبوهة. 

لن تقف جمهورية وراءه فهو مواطن مع وقف التنفيذ. اما عائلته التي يمكن أن تقف معه فقد جرتها فعلته الملتبسة إلى موقع لن تكون قادرة فيه على الدفاع عن نفسها. ففي الوقت الذي تُدار البلاد من قبل جماعة ارهابية فإن عائلة القرشان وحدها صارت هي الهدف.

جمال القرشان ليس بريئا بالتأكيد. لقد قتل امرأة. غير أنه قد لا يكون ارهابيا وليس من المعقول أن تسحقه جمهورية المساواة وهو ميت.