'الجديد' تتقدم خطوات في مشروعها النقدي والفكري

العدد 68 من المجلة الثقافية الشهرية يضم ثلاثة ملفات عن بيروت والشعر في تونس والمفكر الإصلاحي عبدالرحمن الكواكبي.


ملف بيروت شارك فيه 17 ناقداً وشاعراً وروائياً عربياً


العدد يتضمن حوارين مع الروائية المصرية سلوى بكر والكاتب الفرنسي رولان جاكار


شعراء المتوسط يمكنهم أن يتفاعلوا في ما بينهم بالانفتاح على ميزات وعناصر مشتركة بين الثقافات

صدر العدد 68 لشهر سبتمبر/أيلول 2020 من مجلة "الجديد" الثقافية الشهرية في لندن، وهو الثالث الممتاز لصيف هذا العام، محتوياً على مقالات فكرية وأدبية ونقدية وحوارات ومراجعات لإصدارات جديدة في الأدب والفكر، ونصوص شعرية وأخرى قصصية، ويوميات.
 كما يضم العدد ثلاثة ملفات الأول يحتوي على يوميات ومقالات واسترجاعات وتأملات في مدينة عربية هي بيروت تحت عنوان "تأبيد الفاجعة"، والثاني ملف شعري وقصائد مختارة لستة من الشعراء والشاعرات من تونس تحت عنوان "ألوان تونسية"، والثالث ملف تحت عنوان "المثقف الأيقوني" يحتفي بالمفكر الإصلاحي عبدالرحمن الكواكبي بمناسبة مرور 120 عاماً على تأليف كتابه الأشهر "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد".
وثمة في العدد أيضاَ حواران: الأول مع الروائية المصرية سلوى بكر أجراه في القاهرة مصطفى عبيد، والثاني مع الكاتب الفرنسي الإشكالي رولان جاكار، مصحوباً بنصوص له هي شذرات فكرية ذات أفق شعري ونزوع نقدي صادم، قد أجرى الحوار وترجم النصوص الشاعر التونسي أيمن حسن.
الافتتاحية
حملت افتتاحية العدد، بقلم رئيس التحرير الشاعر نوري الجراح، عنوان " شاعر متوسطي يكتب بالعربية:
لماذا يستفقر الشاعر العربي نفسه من غناها الحضاري؟" أكد فيها أنه لطالما اعتبر نفسه شاعراً متوسطياً يكتب بالعربية. ليس فقط انطلاقاً من وعيه بهذا الانتماء يستند، بعد حقائق الجغرافيا، إلى الكتب والقراءات الأدبية والتاريخية وغيرها المتصلة بالمتوسط والأقوام الموجودة على ضفافه، والثقافات التي تفاعلت في ما بينها لمئات القرون، وتوجت بالعصرين الهيليني والهيلينيستي، ولكن أيضاً انطلاقا من معرفة انبنت على تجربته الشخصية في السفر والتواصل.
وتابع الجراح مبيناً أن المتوسط حقيقة جغرافية وثقافية وإنسانية كبرى. وشعراء المتوسط يمكنهم أن يتفاعلوا في ما بينهم بالانفتاح على ميزات وعناصر مشتركة بين الثقافات التي يتحدّرون منها، يمكن أن يتبادلوها في ما بينهم، ويبتكروا من خلال هذا التفاعل عبر الترجمة واللقاءات موضوعات وأفكارا ورؤى جديدة (كونية بالضرورة) من دون التخلّي عن المرجعيات والخيارات الأثيرة لكل فرد أو فئة منهم، كما هو الحال بالنسبة إليه. ومن هنا فإن هذه الافتتاحية تمثل نظرةً للتفكر، ودعوةً للكتّاب العرب إلى إغنائها كلٌّ حسب منظوره.

المجلة تكرس صفحاتها لكل جديد مبتكر ومغامر وجريء في الأدب والفكر على خارطة ثقافية عربية تمتد مشرقاً ومغرباً، وإلى ما وراء البحار

بيروت تأبيد الفاجعة
شارك في الملف الأول عن بيروت 17 ناقداً وشاعراً وروائياً عربياً، من لبنان شادي علاءالدين "ركامنا الممنوع من الكلام"، شربل داغر "النزول إلى بيروت"، هشام زين الدين "طائر الفينيق يرقص مذبوحاً من الألم"، محمد الحجيري "بيروت السورية"، أحمد علي الزين " تعديل في ضبط الحزن على مدينة اسمها بيروت"، وعبدة وازن "بيروتشيما". من سوريا هيثم حسين "أيقونة الشرق المهمشة"، من العراق وارد بدر السالم "بيروتا، بيريت، باروت، بيروت"، عبد الرزاق الربيعي "الأسود لا يليق ببيروت، علي نوير "من ليل بيروت إلى بغداد"، وعواد علي "في أي لحظة؟ هل كانت جريمة تفجير مرفأ بيروت متوقعة؟". المغرب عبدالمالك أشهبون "السيرة الجريحة لبيروت المنكوبة"، شرف الدين ما جدولين "ألوان مدينة عصية على المحو"، عبدالله صديق "أكثر من بيروت واحدة"، ومخلص الصغير "رحلة الحداثة الشعرية والمقاومة من بيروت إلى تطوان". من الجزائر  العربي رمضاني "الدُخان المُفزغ الذي لفً سماء المدينة". ومن الأردن حسين نشوان "المدينة التي قتلها بحبهم العشاق". واحتوى الملف على شعر ويوميات واسترجاعات، وقراءات في أدوار المدينة في الفكر والأدب والفن، ومكانتها الثقافية والوجدانية بوصفها مدينة لعبت دوراً طليعيا في معارك التجديد والحداثة، واحتضنت في فضاءاتها المتعددة الأصوات العربية الأكثر طليعية في الثقافة العربية، فكانت مطابعها وصحافتها ومؤسساتها الثقافية الحرة مختبراً حقيقياً لكل جديد، وملجأ كريما لكل باحث عن الحرية وهارب من عسف الطغيان من حملة الأقلام في جغرافيات الجوار العربي، وأتى الملف في ظل الفاجعة المذهلة التي حلت بالمدينة مؤخراً وأتت على مرفئها، ونشرت الخراب والموت في المدينة التي وصفت ذات يوم بـ"سويسرا الشرق".
المثقف الأيقوني
مع الملف الثاني المنشور تحت عنوان "المثقف الأيقوني" تفتح "الجديد" ملف السؤال عن المسافة الضائعة بين أنوار العقل وظلمات الكهف الممتدة على مسافة 120 سنة هي المسافة الضائعة من روزنامة الأيام العربية، بين ظهور كتاب "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد" لعبدالرحمن الكواكبي، وبين اللحظة الراهنة بحرائقها وانهياراتها في غير عاصمة من العواصم التي أبدعت الفكر والثقافة والاجتماع والعمران عبر التاريخ المديد. وقد شارك في الملف نادية هناوي "الاستبداد المستحدث ثقافة التضييع ومهاوي التمييع"، أحمد برقاوي "المثقف النموذجي في عصر النهضة"، خلدون الشمعة "الطّاغوت والملكوت: مقاربة لمفهوم الاستبداد الشرقي"، ممدوح فراج النابي "أثر فكر الكواكبي في المدونة الثقافية العربية"، سعيد ناشيد "ضرورة نقد الضحية".
قصائد تونسية
الملف الثالث في العدد ضم قصائد تونسية للشعراء: أشرف القرقني، سامية ساسي، سفيان رجب، صبري الرحموني، رضا العبيدي، ولمياء المقدم، وبه تواصل "الجديد" الاهتمام في تقديم الأصوات الشعرية الجديدة الحاضرة اليوم في جنبات القارة الشعرية العربية.

افتتاحية العدد بقلم رئيس التحرير الشاعر نوري الجراح حملت عنوان 'شاعر متوسطي يكتب بالعربية' 

سرد ومقالات وكتب
وفي مجال القص والسرد نشر العدد "نص اللاجئ" لمحمد الأسعد، "صمت الكلام لأسعد محمد نجم، "أرض أخرى" لفاروق يوسف، "أحداثيات غرفة" لسامر أبوهواش, و"خبيرة شائعات" لنهى الصراف. وكتب مقالات العدد زهير دارداني "تقويض الحداثة: كيف تمكن الغرب من إنجاز المهمة؟"، رمضان بن رمضان "أسرار إنتاج المعنى: الدلالة في الحل والترحال"، وعمار الخزنة "سرديات‭ ‬الجائحة: مدخل‭ ‬لفهم‭ ‬واقع‭ ‬إنساني".
وفي باب كتب تضمن العدد قراءات لكنان حسين "أنثربولوجيا المكان وتغريب الهُويّة: قراءة في روايات عربية وعالمية عن العنصرية"، مفيد نجم "رحلة هنا كسباني كوراني إلى شيكاغو: التاريخ المنسي للحركة النسائية العربية"، صبري مسلم حمادي "النسق الأسطوري في رواية "قوس الرمل" للكاتبة الإماراتية لولوة المنصوري"، ونصيرة تختوخ " رسالة إلى الشعراء: "كراهية الشّعر" للشاعر الأميركي بن لرنر".
وكتب أبو بكر العيادي رسالة باريس بعنوان "الاسترقاق آخر التابوهات الفرنسية".
وختم العدد مؤسس المجلة وناشرها هيثم الزبيدي بمقال عنوانه "عداء مستحكم ضد المدن"، تحدث فيه عن زيارته لبيروت قبل أشهر قليلة من الانفجار في مينائها، والذي دمّر جزءا كبيراً من مشاهد الحياة المتبقية فيها. وأكد أن "بيروت مدينة منكوبة حتى من قبل الانفجار، لكن الانفجار جاء ليستكمل المشهد. في الزيارات السابقة كانت كل المؤشرات تدل على الاضمحلال لأسباب سياسية. في الزيارة الأخيرة كان يكفي أن تتجول في أحياء وسط المدينة المستعادة من حرب سابقة، لتدرك أن صناع الحرب كان يروّعهم أن يروا عودة الحياة. مناطق مغلقة بالكامل، والصامدون يقفون خلف فترينات المحلات ينتظرون زبوناً لن يأتي".
وبيّن الزبيدي أن هذا الانفجار "هو العداء المستحكم ضد المدن في عالمنا العربي. لا أعرف إن كان من الإنصاف إطلاق أوصاف مثل "ترييف" المدن العربية. الريف العربي المسالم منكوب هو الآخر. لكن من الواضح في عدد لا يستهان فيه من المدن العربية أن وعياً مضاداً للمدينة نشأ واستحكم وقرر انتهاك فكرة تأسيسها وديمومتها".
وأضاف قائلاً "لا يمكن إحصاء الدمار في مدننا، الظاهر منه وغير الظاهر. مدينة بملايين البشر لا تصلها الكهرباء إلا ساعتين يوميا أيضا دمار، لأنها ستعيش بطريقة مختلفة، إما ببؤس الظلام والحر، أو بضوضاء مولدات الديزل وأبخرتها. والحبل على الجرار.
التدمير السريع لقلب بيروت مؤلم وصادم. ولكن الدمار منتشر أكثر مما نتخيّل".
خطوات في المشروع النقدي والفكري
مع هذا العدد تتقدم "الجديد" خطوات في مشروعها النقدي والفكري، مكرسة صفحاتها لكل جديد مبتكر ومغامر وجريء في الأدب والفكر على خارطة ثقافية عربية تمتد مشرقاً ومغرباً، وإلى ما وراء البحار، حيث تتفتح أزهار الأدب والفكر في المنافي والمهاجر، كما في الأوطان، وتزدهر الكتابة الجديدة، وتتعدد أصواتها، وتجاربها، وتثار الأسئلة الاكثر حرارة وإشكالية بإزاء الذات والآخر في عالم يعيد اليوم تشكيل نفسه ويريد أن يعيد تعريف نفسه في ظل اضطراب متواصل يعصف بالمقولات والأفكار والأيديولوجيات.