الديواني: مشهد بعض الليبراليين العرب لا يخلو من الزيف

صالح الديواني يتجاوز في كتابه "تهمة الليبرالية" التعريفات والأطروحات التي تحاول تعريف وتوضيح الليبرالية وماهيتها ومفاهيمها.


الكاتب يتناول كمية الحداثة التي تحضر في الفكر الليبرالي


الليبرالية كفكرة ليست أكثر من دعوة إلى فهم واقع متغير


المشروع الليبرالي في الوطن العربي وقع في مآزق عدة 

يتجاوز الكاتب اليمني صالح الديواني في كتابه "تهمة الليبرالية" التعريفات والأطروحات التي تحاول تعريف وتوضيح الليبرالية وماهيتها ومفاهيمها، حيث يرى أن هناك العديد من المراجع التي يمكن أن يعود إليها القارئ، مكتفيا بسرد مفهومي الخاص لليبرالية مع التعريج على بعض تعريفاتها عن بعض منظريها، إذ هي عنده مجموعة من الأفكار تسعى إلى ترتيب حياة الأفراد والجماعات، بما يكفل لهم توازنا عميقاً في الحياة الاجتماعية، مع مراعاة حق حرية الفرد الكاملة في الاختيار غير المقيد، وبما يراعي حرية الآخرين في المجتمع. وتتطرق الليبرالية إلى الاقتصاد العالمي حالياً، لتجد حلولاً لمشكلات الفقر المنتشر في أنحاء كثيرة في هذا العالم.
يركز الديواني في كتابه الصادر عن الدار العربية للعلوم ناشرون على المشروع الليبرالي في الوطن العربي، وقدوم الفكر الليبرالي بكل آماله وتطلعاته، ثم يتأمل في كمية الحداثة التي تحضر في الفكر الليبرالي، كونها منظومة أيديولوجية تضع رؤيتها الخاصة الاجتماعية، ولا تهمل في ذات الوقت النواحي الدينية والاقتصادية والسياسية والفكرية، حيث يرى أنه من الظلم البدء بالحديث عن الليبرالية في الوطن العربي من منظور التنظير والمنظرين لها من جهة، أو من منظور تخيلات ومواقف المعارضين للمشروع الليبرالي بكليته، فالمشهد لا يزال مشوشاً ومرتبكاً إلى حد بعيد بالنسبة لمفهوم الليبرالية وماهيتها لدى السواد الأعظم من العقل العربي عموماً، فالعقل العربي حديث العهد بها، ويرفض أجزاء كثيرة منها دون أن يفكر حتى في مناقشة دوافعها أو ماهيتها أو أهدافها، ويعتبرها البعض مشروعاً كارثياً هادماً للدين وقيم المجتمع هكذا بكل بساطة! ويرى فيها البعض الآخر المتعلق بالسلطة، أنها تمثل خطراً على بقاء قبضته قوية على الشعوب، ومشروعات سيطرته المطلقة. بهكذا سطحية يتعامل قسم عريض من العقل والإنسان العربي مع الأفكار القادمة والجديدة، ومنها الفكر والفكرة الليبرالية!

مواقع التواصل الاجتماعي (تويتر وفيسبوك) وبعض المدونات يمكنها قول الكثير عن حقيقة الهم والمد الليبرالي وأُطروحات القائلين به بشكلٍ ما

ويعزو الديواني رؤيته هذه إلى الطريقة الحماسية التي بدأ بها مشروع الليبرالية في بعض الدول العربية، وهي حماسة تجاوزت أحياناً حماسة الليبرالية في منشأها الغربي بكثير، ما أدى إلى حالات متعددة من الصدامات ذات المنطلقات والمرجعيات المختلفة، دينياً وسياسياً. تلك الحماسة نتجت عن حالة الاختناق غير المسبوق، الذي تعيشه المجتمعات العربية على مستوى الحريات الشخصية والاجتماعية والسياسية والثقافية والفكرية والاقتصادية، حتى صعد بالفكرة الليبرالية إلى مصاف ومراتب المخلص الأوحد لكل مشكلات البؤس العربي، وكل حالات التخلف الاجتماعي والفكري، وواقع التشرذم والقهر السياسي، وتراجع معدلات الوعي والثقافة بنسب مخيفة جداً. 
وقد ساهم في صنع هذا الوضع المرتبك، تراجع مشروع الوحدة العربية، ذلك الحلم المنطلق من فكرة "القومية العربية" في فترة تاريخية قريبة، والذي كان مشروعاً طموحاً للوحدة العربية، ليكون انهياره بكل زخمه وشعاراته، وقوداً وقوة دافعة لبروز المشروع الليبرالي في الوطن العربي والثقافة العربية، كبديل يمكن التعويل عليه لتحقيق وحدة عربية بطريقة ما، تخفف من وطأة سقوط الشعارات الثورية القومية واليسارية وغيرها على امتداد الوطن العربي.
ويوضح أن ذلك قد أوقع المشروع الليبرالي في الوطن العربي، في مآزق عدة على صعيد توجيه العمل الثوري الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، ووضعه في مواجهات حتمية مختلفة التوجه والأغراض والاحتياج، والتي لا بد من تفكيكها وترتيب أولوياته تجاهها أولاً، لينجح في الإبقاء على آماله في تحقيق الفكرة الليبرالية عربياً، متجنباً النهاية المؤلمة لمشاريع القومية العربية ومشروعات اليسار. 
ويضيف الديواني "اليوم يمكننا أن نلاحظ  نضوج  جزء مقبول من عقلية الليبرالية العربية، التي أصبحت تدرك أن الحالة العربية تركيبياً، لها شكلها المختلف عن شكل وروح النموذج الغربي، واستوعبت حقيقة أنها لتنجح كمشروع تنويري في الوطن العربي، لا بد لها من إعادة تشكيل مشروعها المنطلق من أرضية وخلفية ثقافة العقل والمجتمع العربي. وهكذا بات يفكر ويظن بعض الليبراليين العرب، وهو ما قد يعارضه فيه بعض أبناء جلدته من المنتمين إلى الليبرالية الأوروبية المقولبة شكلاً ومضموناً، وهم الذين يتناسون العوامل والفوارق بين العقليتين اللتين تتبنيان أفكار الليبرالية على جانبي المعسكرين العربي المستورد للفكرة، والغربي صاحب التجربة والتطبيق. 
وأدرك أن أهم عوامل نجاح الفكرة الليبرالية في الغرب، تمثل في دعم ورضا عقلية طبقة الأغنياء المسيطرين على الأموال، أو من يُسمون بـ"الطبقة البرجوازية" في المجتمع  الغربي، والتي رأت في ذلك الفكر ما يخدم مشاريعها التوسعية الاقتصادية ويقوي من سيطرتها السياسية، بعكس العقلية العربية التي رأت في الفكر الديني الطريق الأنسب لتحقيق كل مآربها ومشاريعها، وركزت جهودها لتحقيق مخططاتها باعتماد التحالف مع فكر التيارات الدينية المسيطرة بشكل ما على المجتمعات العربية. وهي المدرسة السياسية القديمة المتجددة عبر قرون التاريخ الإنساني.
ويشير إلى أن الفكر الليبرالي جاء مشروعا إلى الوطن العربي محملاً بحزمة كبيرة من الأحلام والتطلعات، كالديمقراطية، والحداثة، والعقلنة، والانفتاح، والحريات، والعولمة، وهي مشاريع عظيمة ليس من السهل إسقاطها هكذا دفعة واحدة، على مجتمع ألف عبر قرون تاريخية فكراً بعينه، دون العمل على رفع كفاءة عقل الشارع، الذي سيكون صاحب القرار في النهاية. فالعقل العربي يتحرك عادة كعقل جمعي عادي الذكاء، ولن يستبدل بين عشية وضحاها افكاره ومعتقدات تراثه التي اعتاد على وضعها نصب عينيه كمرجعيات لا بديل عنها أو لها، ولن يقبل حتى بمبادئ الحرية والتحرر والحريات الشخصية، الملتبسة تاريخياً في أعماق العقل والثقافة العربية، فهو لا يعتبرها قيمة إنسانية مستحقة للفرد يمكنها ان ترتقي إلى مكانة تقرير المصير مثلاً. 

الليبرالية
د.صالح الديواني

وانطلاقا من ذلك يرى الديواني أهمية أن يكون العمل منصباً بالدرجة الأولى، على رفع كفاءة وعي وثقافة عقل الشارع العربي، ومحاولة تشكيل وعي يتماهى مع فكرة ليبرالية ذات طابع ثقافي عربي إسلامي، يراعي الأهداف النبيلة لمشاريع الفكر الليبرالي، ويقترب من روح إنسانه قدر الإمكان، لا أن يصادمه ويستثيره، فالإنسان العربي المحمّل بهموم يومياته التي لا تنتهي، يعيش حالات القلق اليومي على مستويات متعددة من حياته، لعل أبرزها بحثه الدائم عن لقمة العيش في أرض محملة بالخيرات. وإذا ما بقيت الأمور على حالها، فالنهاية لن تكون بعيدة عن النهايات المأساوية للمشاريع التنويرية السابقة له في الوطن العربي، لذلك أظن أن الليبرالية ستجد حلولا لها، وستعيد صياغة الوعي العربي بالكامل. لكن ذلك مرتبط بتبديل الليبرالي العربي طريقة تفكيره المتعالية على واقع ثقافته ويوميات إنسان الشارع.
يشتغل الديواني في كتابه على أربعة محاور، الأول أزمة الوعي والهُوية ويعالج فيه قضايا أزمة الهوية وحلم الدولة العربية الحديثة وما يطلق عليه ثورات الربيع العربي ومراهقة الفكر السياسي العربي، وحكومة الظل في قاموس المعارضة العربية وغيرها، وفي المحور الثاني قضايا الوطن الافتراضي والمواطن المتردد والعقل الجمعي وضمير الديمقراطية، والوطنية عند العرب.. صفة أم ثقافة؟ أما المحور الثالث ضمير الثقافة الخائفة فناقش فيه قضايا: فجوة الثقافة بين الشارع والمثقف، وحيرة المثقف العربي، ثم غياب المثقف. وجاء المحور الرابع: الحرية والفكرة الليبرالية ليعالج قضايا الحرية وجدلية التعريف والرمزية.
ويلاحظ الديواني أن مشهد بعض الليبراليين العرب لا يخلو قطعاً من أمثال هؤلاء المزيفين بليبرالية فجة، تعكسها أفعالهم وحواراتهم مع الآخر، وهي أبعد ما تكون عن الحد الأدنى الذي يحقق النهج الليبرالي في أدنى مراتبه. فتجدهم يتراشقون بما يُخجل من الكلمات البذيئة، ويتصرفون فعلياً وعن عمدٍ في الغالب بما يتضايق منه الآخر ويخدش حياءه، غير عابئين بما سيمثله ذلك من ردود أفعال مختلفة يتبناها الطرف الآخر للدفاع عن فكره ومبادئه. وهنا تسقط مفاهيم كثيرة تتبناها الفكرة الليبرالية بشكل قسري ومُبرر، نتيجة انعدام أو شح الوعي بمضامين الفكرة وأهدافها، التي يمكن لها أن تشكل نقاط التقاء جيدة وممكنة جداً مع المعتقدات الفكرية والدينية المختلفة في المجتمع بأسره. فمن هم أولئك الذين يُسبغون على أنفسهم لقب رموز الليبرالية العربية؟ وما خلفياتهم الثقافية؟ وما مدى وعيهم وإيمانهم بالفكر الليبرالي؟ وهل حققت تحركاتهم الحد الأدنى من النجاح والتأثير؟ وهل هم بالفعل رموز يمكنها الترويج بنجاعة لليبرالية عربية متوازنة وناضجة؟ وهل نستطيع القول بأن الليبراليين العرب قد تخلصوا من مرحلة المراهقة إلى مرحلة الإيمان بتطبيقات الليبرالية؟ 
ويعتقد أن مواقع التواصل الاجتماعي (تويتر وفيسبوك) وبعض المدونات يمكنها قول الكثير عن حقيقة الهم والمد الليبرالي وأُطروحات القائلين به بشكلٍ ما. فمكونات المجتمع العربي المختلفة لا تزال برأيي غير مؤهلة لتقبل اللغة الليبرالية أو التواصل مع أبجدياتها الأولى في قالبها الغربي الواسع في الوقت الراهن، بل ويراها هذا المجتمع تهمة قبيحة قد تُخرج القائلين والمبشرين بها من دائرة الدين والملة! وهنا أهم مكامن الخطر والخلل في الوعي الجماعي، الذي يضع الليبرالية دائماً محل شبهة وتهمة لا تُغتفر نتيجة مشاهداته لتطبيقات معتنقيها الخاطئة والمتناقضة في أحايين كثيرة. لكنني أجزم أن الزمن على امتداده كفيل بتهيئة نقاط التقاء صريحة وليس مجرد نقطة التقاء واحدة. وكل ما ينقصنا هو وعي الحوار والحوار المؤصل والمؤدب فقط لا غير، حتى لا نقع في فخ ليبرالية مزيفة وقليلة أدب، تثير الغبار على الرؤوس والأعين ولا تزيل منه شيئاً.
فالليبرالية كفكرة ليست أكثر من دعوة إلى فهم واقع متغير، يتوجب على الإنسان احترامه والتماهي مع متغيراته تلك، بما يكفل قيم نوعية للتعايش والتصالح مع الذات والمكان والزمان والمختلف.