السيد أحمد عبدالجواد وشخصيته الملتبسة في الثلاثية

المناخ الواقعي العجيب استدعاه نجيب محفوظ من جوهر حياته في حي الجمالية في مناطق بين القصرين وقصر والشوق والسكرية.


شخصية السيد أحمد عبدالجواد من الشخصيات التي بحثت لنفسها عن مؤلف


إعادة صياغة شخصية مستمدة من واقع الحياة

"الشخصية فى الرواية ما هى إلا تحديد للأحداث، والحدث ما هو إلا تمثيل للشخصية".
هنرى جيمس

تعد شخصية السيد أحمد عبدالجواد أو "سي السيد" كما يطلق عليه مجازا من الشخصيات الروائية الملتبسة في عالم الرواية، بسبب تلك المفارقة الضخمة التي تلتبس طبيعة ممارساته داخل بيته، وما يجرى خارج نطاق أسرته، فعالمه الذاتي عالم متناقض تحكمه مفارقات الشخصية والتباس ممارساتها هو داخل الأسرة يتلبس ثوب الأب القدوة الصالحة العارف بأمور وأحوال ومقدرات أسرته، بينما هو خارجها صورة متناقضة تماما يعيش في مباذله وملاذاته في صحبة النساء والعوالم والراقصات وخلان الكأس والخمر. 
وشخصيته كما يطلق عليها نقديا مصطلح "البطل الإشكالي" شخصية تحمل من مفارقات الواقع كثيرا من جوانبها، ولعلي أستعير مقولة الشاعرة ملك عبدالعزيز في مقدمتها لكتاب "نماذج بشرية" للدكتور محمد مندور، الذي استعارته من بحث الدكتور مندور في شخصية من شخصيات كتابه وصّدرت بها هذا الكتّاب كبحث خاص في نماذج إبداعية للبشر الذين يحتويهم هذا الكتاب، يقول الإثنان: "للكاتب الإيطالي المعروف بيراندللو Piranedllo رواية مسرحية هي "ست شخصيات تبحث عن مؤلف يبرزها إلى الوجود"، وهذا هو معنى الخلق في الأدب. ولكم من شخصية لا تزال مبعثرة غامضة حائرة، حتى يتاح لها مؤلف يجمع أشتاتها ويوضح معالمها ويدعم حياتها، فإذا هي أبقى على الزمن من البشر، وإذا بها تجتاز الأجيال مستقلة الوجود في مأمن من الفناء، لأنها أعمق في الحياة من كل حي، وأصدق دلالة من كل واقع". (1) 
ولعل شخصية السيد أحمد عبدالجواد في ثلاثية نجيب محفوظ من الشخصيات التي بحثت لنفسها عن مؤلف يبرزها إلى الوجود ويضعها في حالتها التي ظهرت عليها في الثلاثية لتكون رمزا خالدا لشخصية الرجل الشرقي في هذا العمل الروائي الملحمي الكبير، حتى وجدت نفسها أمام نجيب محفوظ فحققت لنفسها وللثلاثية هذا الحضور وهذا الوجود، وشكّلت حالة من حالات الحضور الخاص في عالم الرواية وأيضا في عالم السينما حين تم تجسيد أبعادها في عالم السينما والتليفزيون، مما أوجد نوعا من التوهج والألق الشديد لهذه الشخصية المنقولة من صفحات الورق إلى الشاشة، مما زاد في حضورها على المستوى الجماهيري بعد أن كان حضورها على المستوى الأدبي لا يتعدى قراء الثلاثية.
كما لم تحظ شخصية السيد أحمد عبدالجواد بدراسة نقدية متأنية تبرز أوجه المفارقة والالتباس في طبيعة وحياة وممارسات هذه الشخصية الثرية التي أبدعها نجيب محفوظ في مواجهة المتناقضات والتداخلات بين الشخصيات الأخرى في ثلاثيته "بين القصرين"، "قصر الشوق"، "السكرية" فقد طغت الشخصيات الفكرية الأخرى مثل شخصيات كمال وفهمي وأحمد شوكت وغيرها على شخصية الأب التي تعد هي العمود الفقري لمحور تداخلات وتقاطعات الأحداث في الثلاثية، والسيد أحمد عبدالجواد بطبيعته وطريقه تشكله قد أعطى الثلاثية أبعادا لتاريخ أسرة مصرية من الطبقة البرجوازية الصغيرة، كانت ترتزق من مهنة التجارة فى بدايات القرن الماضى، وتسكن إحدى الأحياء المتاخمة لمسجد سيدنا الحسين، ويتناول الكاتب حياة هذه الأسرة بداية من سنة 1917 وحتى سنة 1944، أي قبل ثورة 1919 وحتى قرب انتهاء الحرب العالمية الثانية، ففي هذا المدى الزمني المتجاوز لربع قرن عاشت هذه الأسرة المحافظة في النصف الأول من القرن الماضي أحداثا تاريخية تجسدت فيها أبعاد التاريخ الاجتماعي لهذه الأسرة البرجوازية، حيث جرت أحداث الرواية في "بين القصرين" خلال الفترة من 1917 إلى 1919 و"قصر الشوق" من أعوام 1924 إلى 1927، و"السكرية" من 1935 إلى 1944. وكان السيد أحمد عبدالجواد هو فارس الرهان الذي قامت على أكتافه أركان هذا البيت الشرقي العتيد بشخصياته وطبيعته الخاصة، (ياسين كاتب مدرسة النحاسين الذي ورث عن أبيه مباذله وملذاته الليلية، وفهمي طالب الحقوق، وكمال تلميذ مدرسة خليل أغا، وبناته خديجة الصلبة العنيدة المتسلطة، وعائشة التي ورثت عن أمها بعضا من طباعها اللينة، والأحفاد (رضوان ابن ياسين، وعبدالمنعم شوكت وأحمد شوكت ابنا خديجة، ومحمد وعثمان ونعيمة أبناء عائشة، وكريمة ابنة ياسين من زوجته الثانية زنوبة). 

novel
المكان هو البطل في روايات نجيب محفوظ 

قسم نجيب محفوظ الحياة في الثلاثية بين أفراد الأسرة، فكان "بين القصرين" هو جيل الآباء، و"قصر الشوق" جيل الأبناء، أما "السكرية" فكانت جيل الأحفاد. فى إطار تبدلات الزمن وتحولاته على الجميع. ولما كان المكان في الثلاثية هو نفس المكان الذي ولد فيه الكاتب وعاش فيه سنين صباه، وأن هناك شخصيات عدة ربما مزج فيها بين الواقع والمتخيل بحيث جاءت بعض هذه الشخصيات واقعية النزعة، تبرز فيها شخصية السيد أحمد بقدسية تفوق المألوف من الطبائع، ومسحة من السحر موحية بصورة الأب "الصورة الجماعية اللاشعورية" عند أفراد أسرته، فهو في نظر زوجته وأولاده معصوم من الخطأ ومن طينة لا تخطيء أبدا ولا يرقى إليها بشر خارج نطاق الأسرة، وهي تمثل مرحلة شبه سيّرية عند الكاتب، حتى إنه كان يقول "أنا كمال في الثلاثية"، وكان يقول أيضا: "كمال يعكس أزمتي الفكرية، وكانت أزمة جيل فيما أعتقده، وإلا فما أكدت عليها بالقوة التى ظهرت بها". (2) 
وعندما سُئل نجيب محفوظ في إحدى الحوارات عن علاقته بشخصيات رواياته قال: "بالطبع هناك علاقات.. بيني وبين شخصيات رواياتي.. والعجيب في هذه الحالة أن الكاتب قد يبدأ بشخص ما، وسرعان ما ينسى الأصل لحساب الصورة الروائية، وتستقر الحقيقة الروائية في الصورة، ويصير الأصل صورة باهتة لها.. غير مهمة بتاتا.. فما من موضوع يعالجه الفن، حتى يحررنا منه بل حتى يعدمه إعداما، ولكن لحساب حقيقة أبقى وأنقى وأشد تغلغلا في النفس".(3)
ولا شك أن إعادة صياغة شخصية مستمدة من واقع الحياة مثل شخصية السيد أحمد عبدالجواد في عمل روائي فذ مثل الثلاثية فإن الأمر يستلزم بالضرورة التحلق حول نزعة الإيهام والتخفي وراء حاجز وقناع المتخيل، ونزع الواقع الفعلي من حقيقة الشخصية ووصفها، ووضعها بشكل يوهم بواقعية أفعالها وممارساتها ورؤيتها الخاصة لطبيعة الحياة، وليس بحقيقة هذه الأفعال ذاتها، بمعنى أننا نتخيل الواقع أمامنا من خلال الشخصية وما تؤديه على صفحة الواقع ومشهديته وليس من خلال الكلمات الواصفة لها وصفا تسجيليا فوتوغرافيا، بل إن التقنيات الفنية المستخدمة في رسم الشخصية وبلورة طبيعتها سواء النابعة منها أو الجارية حولها في مناخ يوحي بما تقدمه هذه الشخصية من أبعاد ونتوءات ذاتية هي المحرك لأفعالها ولما يجري حولها من أحداث. 
والرواية والروائي هما جوهر ما يرفد هذا الحالة خاصة عند تجسيد شخصية لها أبعادها الخاصة وتحمل من المتناقضات والمفارقات ما يبعث على الدهشة والتساؤل، مثل هذه الشخصية النمطية الثرية في تشكلها والعميقة في جوهرها، فالروائي دائما ما يجسد عالمه من ذات الواقع المتخيل في هواجسه فهو: "يصنع عالما مكونا من الكلمات. وهذه الكلمات تشكّل عالما خاصا خياليا قد يشبه عالم الواقع، وقد يختلف عنه، وإذا شابهه فهذا الشبه شبه خاص يخضع لخصائص الكلمة التصويرية، فالكلمة لا تنقل إلينا عالم الواقع بل تشير إليه وتخلق صورة مجازية لهذا العالم ".(4) كما أن تجسيد هذه الشخصية على هذا الصعيد وبهذه الطريقة قد جعل جوهر النص يعمل على متناقضات الجيل والمناخ والشخصية والحدث، وكل ما يحويه النص من متناقضات وهي بحسب ما يقول لوسيون جولدمان: "إن الرواية هي تاريخ بحث عن قيم أصيلة في عالم منحط هو الآخر، ولكن على صعيد متقدم بشكل مغاير ووفق كيفية مختلفة". (5) 
وهذا هو ما اهتدى إليه نجيب محفوظ في صياغته لشخصية السيد أحمد عبدالجواد في الثلاثية، فقد كان في بين القصرين في أوج وذروة رجولته إنسانا وحاكما متحكما، وكانت مهنته كتاجر تعطيه بجانب ذلك أبعاد الهيمنة على مقدرات السوق والأصدقاء والخلان، وكان بحكم اتصاله بالسوق له اتصالات عدة  في أكثر من رافد من روافد الحياة التجار رجال الدين الغوازي وغيرهم، ولكنه في قصر الشوق يتغير الحال بعض الشيء، ويشعر السيد أحمد بأن الوضع قد تغيّر خاصة بعد استشهاد ابنه فهمي يوم عودة سعد زغلول من المنفى، وقد أثرت هذه الحادثة عليه تماما وأبعدته عن السهرات والليالي لمدة عام خاصة زيارة زبيدة العوادة التي حلت محل جليلة في قلبه. 
كذلك كانت علاقته بكل أفراد الأسرة لها خصوصية مع كل واحد منهم، وقد استغرق البعد الزمني لتطور شخصية السيد أحمد عبدالجواد مساحة كبيرة لإبراز التحولات التي طرأت على واقع الشخصية وسلوكياتها بسبب المحكات التي استغرقتها الأحداث وتقاطعت مع حياتها، كذلك الفعل ورد الفعل المتكرر في حياة السيد أحمد والذي يشكل روتينا وعادات شبه يومية تعطي إحساسا بالاستمرارية والديمومة، وهو ما جعل أثر العامل الاجتماعي في شخصية السيد أحمد أشبه بجسد الطور الذي تعب من إدارة الساقية، فخفت حركته شيئا فشيئا ثم همد فجلس إلى الأرض ثم مات. كل هذا استغرق مساحة كبيرة داخل الثلاثية بدأت من بين القصرين وانتهت بالسكرية، وخلال هذه المساحة الزمنية الكبيرة طرأت تطورات كبيرة على شخصية السيد أحمد عبدالجواد.
ومهما يكن من أمر، في صورة الأب كما يمثلها السيد أحمد هي في الوقت نفسه بشكل ما في جوانبها القدسية من أسقاط الأبناء، أو هكذا تبدو من "الصورة" التي يحملها له الأبناء، فكل ابن له نظرته الخاصة لأبيه، بدءا من ياسين وانتهاء بكمال (نظير الكاتب)، فقد تغير مركز الأب في بين القصرين خاصة بعد ثورة 1919، وعلى الرغم من وطنيته التي كثيرا ما كان يُدلي بها إلا أنه كان يخاف على أولاده من الانجراف في تيار السياسة والثورة بدافع حنو الأب عليهم وخوفه من نتائج مثل هذه الأعمال، لذلك كان يؤيد الثورة من بعيد، وكان يقبل على نفسه أن ينكوي بنار الثورة والاستعمار على أن يمس أحدٌ أحدَ أبنائه في مثل هذه الأمور حتى يُقاد يوما بكل جبروته وأبهته من قبل العسكر الإنجليز ليمضي ليلة أشغال إجبارية في نقل الأتربة. 
ويجل أعمال المجاهدين ولكن الأمر يختلف إذا صدر الأمر عن أحد أبنائه. فسلطة السيد أحمد عبدالجواد في أسرته سلطة مطلقة وسطوته تتجاوز جميع الحدود حتى في انتماءاتهم ووطنيتهم هو يتدخل إلى بأبعد من ذلك بكثير، وهو في أوج رجولته وفحولته، لذلك يخافه الجميع ويعملون له ألف حساب.
والسيد أحمد عبدالجواد وإن جسّد صورة الأب الخفية التي يحملها الأبناء في الأعماق. فهو يتحرك أمامنا في الوقت نفسه كشخصية إنسانية واقعية حية تحمل في جوانحها جميع ملامح شخصية الأب التقليدية في هذه الأسرة البرجوازية التقليدية، ومن الطبيعى أن تتحول ثنائية السيد أحمد إلى ازدواج في الشخصية وانقسام حقيقي في اللحظة التي تصل فيها هذه الثنائية إلى الوعي بذاتها وتأمل نفسها، ويواجه السيد هذا الوعي في لحظة عابرة متمثلا في شخصية الشيخ عبدالصمد الذي يؤنبه على ما يأتي به في ليالىه وخاصة على معاقرة الخمر، في هذه اللحظة يتجهم ويصمت مليا: "ومع أن الجواب كان حاضرا إلا أنه تمهل متفكرا قبل أن ينطق به. لم يكن عادته أن يشغل نفسه بالتفكير الذاتي أو التأمل الباطني. شأنه في ذلك شأن الذين لا يكادون يخلون إلى أنفسهم، ففكره لا يعمل حتى يبعثه إلى العمل شيء خارجي، رجل أو امرأة أو سبب من أسباب حياته العملية، وقد استسلم لتيار حياته الزاخر مستغرقا فيه بكليته، فلم ير من نفسه إلا صورتها المنعكسة على سطح التيار". (6) 

novel
أسطورة روائية 

ويضع الراوي هنا شخصية السيد أحمد عبدالجواد في إطارها الإنساني الواقعي. فثنائية "السيد" ثنائية الحياة التي لم تصل إلى حد الوعي الحقيقي بنفسها. (والواقع فى الثلاثية" بكل ما يطويه من عرض واقعي ومادي ونفسي وتاريخي يصور على مستويات عدة تطور الحياة المصرية إلى الوعي بذاتها وانهيار "صور الحياة المنعكسة على سطح التيار" فحسب، أو بتعبير آخر انحلال مجتمع السلطة الأبوية الهرمي بأنسقته التقليدية، وقيام علاقات إنسانية واتجاهات اجتماعية وسياسية أكثر تعقدا وأكثر رهافة وأكثر حراكا. والمؤلف يصور هذا التغيير في مستوياته المختلفة عن وعي وتخطيط ينعكس في البناء الروائي وفي الإيقاع السردي). وما يلحق سطوة الأب يلحق بها أولا في الخفاء ويلحق بها في البداية من جانبين شديدي التفاوت، من ياسين وفهمي". (7) 
وعلاقة السيد أحمد عبدالجواد بزوجته أمينة هي صلب ما جسده الكاتب في علاقة الشخصية بالنساء ولا يدانيها سوى علاقته بجليلة ثم بزنوبة، فمنذ العتبة والاستهلال الأول للثلاثية "بين القصرين" يتواجد السيد أحمد عبدالجواد في ذهنية أمينة وهواجسها من خلال حياتها نجد ذلك في الفقرتين الأولى والثانية من استهلال "بين القصرين": "عند منتصف الليل استيقظت، كما اعتادت أن تستيقظ في هذا الوقت من كل ليلة بلا استعانة من منبّه أو غيره ولكن بإيحاء من الرغبة التي تبيت عليها فتواظب على إيقاظها في دقة وأمانة". هذا الإيحاء وهذه الرغبة في الاستيقاظ هي رغبة نابعة من هذا الزوج وآداب الحياة الزوجية التي تعيشها وقد أبرزها الكاتب في الفقرة التالية مباشرة: "هي العادة التي توقظها في هذه الساعة، عادة قديمة صاحبت شبابها منذ مطلعه ولا تزال تستأثر بكهولتها، تلقّنتها فيما تلقنّت من آداب الحياة الزوجية، أن تستيقظ في منتصف الليل لتنتظر بعلها حين عودته من سهرته فتقوم على خدمته حتى ينام". (8)
ويسير الكاتب في تجسيده لمراحل التطور والتنامي لشخصيات وأحداث هذه الأسرة منذ البداية مع عميدها السيد أحمد عبدالجواد وزوجته أمينة، وأبناؤهم وخدمهم في البيت والوكالة، وهو الأب المستبد الشهواني، وهي الأم الخانعة المنقادة. والمدقق في طبيعة هاتين الشخصيتين يجد أن هذه الفترة كانت مليئة بهذه الأنماط والنماذج البشرية من الشخصيات الملتبسة في حياتها، بسبب طبيعة الحياة وانعكاس وجود المستعمر في مدينة القاهرة على الحياة الاجتماعية والاقتصادية والفنية في مصر، وطغيان رؤية الأب النابعة من التقاليد الشرقية المانحة للرجل بذكورته وفحولته الخاصة سلطات مطلقة حيال أسرته حتى أنه يتدخل في كل صغيرة وكبيرة في حياة الأسرة بما في ذلك حياة أولاده حتى بعد زواجهم وتبدو شخصية السيد أحمد عبدالجواد كما صورها الكاتب في الثلاثية في صرامته وتسلطه وسطوة تحكمه واستبداديته الحاكمة، وتحكمه داخل محيط الأسرة وتمسكه الهش بالتقاليد الصارمة، وتبدو المفارقة واضحة جلية إلى أبعد الحدود داخل شخصيته فهو صارم في تعامله مع أولاده قاس في معاشرة زوجته مستبد في أحكامه داخل بيته حريص على أوقات الصلاة، إلا أن هناك وجه آخر لشخصية السيد أحمد عبدالجواد لا يعرفها أحد في أسرته فهو يمثل أسطورة روائية وشخصية فاعلة انعكست سيرتها على قيمة بطريركية في التسلط والاستحواذ والهيمنة، منح نفسه سلطات تفوق آدميته وبدون حساب يقول لزوجته آمينة حينما عاتبته على كثرة سهرة خارج البيت: "أنا رجل، الآمر الناهي، لا أقبل على سلوكي، أية ملاحظة، وما عليك إلا الطاعة، فحذاري أن تدفعيني إلى تأديبك". (9) 
كما يدلل على ذلك أيضا مشهد تناول طعام الفطور في إحدى الصباحات المبكرة، وواضح استدعاء نجيب محفوظ لهذا المشهد العائلي التقليدي ليدلل من خلاله على واقعية ما كان يمارسه السيد أحمد مع أسرته من سمات الهيمنة وسطوته حيال هذه الأمور البسيطة ولكنها لها دلالتها في واقع الأسرة المصرية في ذلك الوقت: "وجاءت الأم حاملة صينية الطعام الكبيرة فوضعتها فوق السماط وتقهقرت إلى جدار الحجرة على كثب من خوان وضعت عليه "قلّة" ووقفت متأهبة لتلبية أية إشارة. وكان يتوسط الصينية النحاسيّة اللامعة طبق كبير بيضاوى امتلأ بالمدمٍّس المقلىّ بالسمن والبيض، وفي أحد طرفيها تراكمت الأرغفة الساخنة، وفي الطرف الآخر ست أطباق صغيرة بالجبن، والليمون والفلفل المخللّين، والشطة والملح والفلفل الأسود، فهاجت بطون الإخوة بشهوة الطعام، ولكنّهم حافظوا على جمودهم متجاهلين المنظر البهيج الذي أنزل عليهم كأنه لم يحرّك فيهم ساكناّ، حتى مد السيد يده إلى رغيف فتناوله ثم شطره وهو يتمتم: "كلوا"، فامتدّت الأيدى إلى الأرغفة في ترتيب يتبع السنّ، ياسين ففهمي ثم كمال وأقبلوا على الطعام ملتزمين أدبهم وحياءهم. 
ومع أن السيد كان يلتهم طعامه في وفرة وعجلة وكأن فكّيه شطرا آلة قاطعة تعمل في سرعة وبلا توقف، ومع أنه كان يجمع في لقمة كبيرة واحدة من شتى الألوان المقدمة – الفول والبيض والجبن والفلفل والليمون المخللّين – ثم يأخذ في طعنها بقوة وسرعة وأصابعه تعد اللقمة التالية، إلا أنهّم كانوا يأكلون متمهّلين في أناة بالرغم مما يحملهم تمهلهم من صبر لا يتفق وطبيعتهم الحامية. (10) كذلك تبرز جوهر العلاقة بين سي السيد وزوجته أمينة في تعنته وتحكمه في أتفه الأمور التي يراها من وجهة نظره حجر زاوية في علاقته ببيته وأهل بيته، خاصة واقعة زيارة أمينة لسيدنا الحسين دون علمه أحس السيد أحمد أن قبضته بدأت تضعف قليلا في أسرته فأرسل أمينة إلى بيت أهلها ونوى على تطليقها من باب التهديد والوعيد ليس لأنها اخطأت ولكن بدافع الترهيب والوعيد وعملا بالمثل القائل (اضرب المربوط يخاف السايب).
كذلك كان عندما ينصرف إلى وكالته بالغورية يصبح هو الحاضر الغائب في بيته، ظلاله وملامحه وصورته حاضرة مع زوجته في كل لحظة من لحظات حياتها، فلا زالت أمينة تستدعيه في نسق من تيار الشعور يستخدمه الكاتب لتأصيل واقع شخصيته، وتجسيد أبعاد سطوته على واقع البيت ومن فيه، فتتذكره أمينة خاصة في سهرها وسماعها لصخب الحارة وأصوات السهارى في المقاهى المجاورة: "فتقول: "ترى أين يكون سيدى الآن؟ وماذا يفعل؟ فلتصحبه السلامة في الحل والترحال". أجل قيل لها مرة إن رجلا كالسيد أحمد عبدالجواد في يساره وقوته وجماله – مع سهره المتواصل – لا يمكن أن تخلو حياته من نساء. يومها تسممت بالغيرة وركبها حزن شديد، ولما لم تواتها شجاعتها على مشافهته بما قيل أفضت بحزنها إلى أمّها، فجعلت الأم تسكّن من خاطرها بما وسعها من حلو الكلام، ثم قالت لها: "لقد تزوجّك بعد أن طلق زوجته الأولى، وكان بوسعه أن يستردّها لو شاء، أو أن يتزوج ثانية وثالثة ورابعة، وقد أبو مزواجّا، فاحمدى ربنا على أنه أبقاك زوجة وحيدة". (11)، كذلك كان السيد أحمد حاضرا فى نهج أبنائه خاصة ابنه ياسين حيث ورث ياسين عن أبيه شهوانيته المفرطة والمغالاة في الجري وراء الجنس، حيث كان ياسين: "ثمرة زواج هنية الشهوانية بأحمد عبدالجواد.. فلا غرو أن يتفاعل الجانب الشهواني في شخصية عبدالجواد مع هنية لينتج ابنا لا يجد أي متعة في الحياة إلا في أحضان امرأة، لذلك راح ياسين يتخيل مجلس السيد كما رآه في حجرة زبيدة بين الكأس والعود فما يدرى إلا وقد وثبت إلى ذهنه فكرة غريبة لم تخطر على باله من قبل على شدة وضوحها فيما رأى، تلك هي التشابه بين طبيعتي أبيه وأمه: طبيعة واحدة في شهوانيتها وجريها وراء اللذة في استهتار لا يقيم وزنا للتقاليد، ولعل أمه لو كانت رجلا لما قصرت عن أبيه في اللهج بالشراب والطرب أيضا. لذلك انقطع ما بينهما – أبيه وأمه – سريعا فما كان لمثله أن يطيق مثلها، وما لمثلها أن تطيق مثله، بل ما كانت الحياة الزوجية لتستقيم له لولا وقوعه على زوجته الراهنة: ثم ضحك ضحكة لم يتح له روعة من هذه "الفكرة الغريبة" روحا من السرور "لست إلا ابن هذين الشهوانيين.. وما كان لى أن أكون غير ما كنت (بين القصرين ص264)". (12) 
لقد تغير مركز الأب في السكرية، علاوة على أن المكان كان هو البطل في روايات نجيب محفوظ إلا أن الزمن شاركه في هذه البطولة لتنامي الأحداث حول الزمن وتواترها في تحقيق كل من شخصيات الرواية أدوارهم. وحين يتزوج ياسين زنوبة عشيقة أبيه تكتمل فضيحة السيد أحمد عبدالجواد وتنكشف ازدواجية شخصيته المستلبة ما بين الورع والفساد والتقى والمجون. 

novel
صور الحياة المنعكسة على سطح التيار

مشهد البداية ووصول السيد أحمد عبدالجواد إلى دكانه فيستقبله وكيله جميل الحمزاوي الباقي معه من ريحة أبيه إلى أن يحضر الشيخ متولي عبدالصمد الذي يعتقد السيد أحمد ببركاته وأحجيته ويتبسط معه دائما في حضرة الجميع. استكان السيد أحمد عبدالجواد في السكرية لضعف الصحة فانقاد لحياة الدعة والراحة فكان يمكث في البيت كثيرا وتسيطر عليه أوامر الطبيب، أما رفاق اللهو فكان يستقبلهم قرب فراشه أو حول طاولة النرد والشاي الأخضر، وتقلص سوط إرادته في البيت شيئا فشيئا مع مرور الزمن. ويموت السيد أحمد عبدالجواد غريبا عن ابنه كمال الذي كان محور الجزء الثاني من الثلاثية، وكان هو الابن الأصغر، كما كان يمثل الجيل الأوسط أو جيل الانتقال.
في هذا المناخ الواقعي العجيب الذي استدعاه نجيب محفوظ من جوهر حياته في حي الجمالية في مناطق بين القصرين وقصر والشوق والسكرية جسّد حالة حياة خاصة من الحالات البرجوازية التي تواجدت في هذه المنطقة وكان تأثيرها في حياة الكاتب وحياة شخصيات الرواية المنتخبين من عمق الأسرة المصرية البرجوازية العائشة حقيقتها كنموذج للأسر المصرية العتيدة عندما جسد شخصية السيد أحمد عبدالجواد وأسرته الكبيرة بأولاده وأحفاده وتاريخ هذه الحقبة من الحياة بكل ما حملت من تراث تاريخي وإنساني وأيديولجي.
"وتبدى لنا الرواية الأثر العميق الذي يتركه تكشف هذا الوجه الآخر من حياة الأب لعيني أعضاء أسرته، ونتبين أيضا مسارب الوراثة عن هذا الأب ذي الحياتين إلى فريق من أبنائه، فهذا ياسين قد ورث عنه يقظة الحس وشهواته العارمة، وهذه ابنته خديجة ورثت عنه صلابة الرأى والاستبداد" (13)، وتصل الثلاثية إلى ختامها عندما تموت أمينة وتلحق بزوجها السيد أحمد عبدالجواد بعد حياة كانا فيها عماد هذه الأسرة وسر تماسكها.
الإحالات
01 نماذج بشرية، د. محمد مندور، دار نهضبة مصر للطباعة والنشر، الفجالة/القاهرة، د . ت ص21.
02 نجيب محفوظ يتحدث عن فنه الروائي، مجلة حوار، بيروت، ع 3 س 1، مارس/أبريل 1963 ص 75).
03 مع نجيب محفوظ، سامح كريم، الفكر المعاصر، القاهرة، ع 43، سبتمبر 1968 ص 78.
04 ثلاثية نجيب محفوظ.. دراسة مقارنة، سيزا قاسم ص 109.
05 مقدمات في سيوسيولوجية الرواية، لوسيان غولدمان، ترجمة بدر الدين عرودكي، دار الحوار للنشر والتوزيع، اللاذقية، 1993 ص15.
06 بين القصرين الأعمال الكاملة ص 354.
07 قصة الأجيال بين توماس مان ونجيب محفوظ، د. ناجى نجيب، المكتبة الثقافية.. الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1982 ص45/46.
08 بين القصرين، الأعمال الكاملة ص 327.
09 بين القصرين الأعمال الكاملة ص 364.
10 بين القصرين الأعمال الكاملة ص 336. 
11 بين القصرين الأعمال الكاملة، ج 2 ص329.
12 قضية الشكل الفني عند نجيب محفوظ.. دراسة تحليلية لأصولها الفكرية والجمالية، د. نبيل راغب، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1975 ص 149.
13 ثلاثية نجيب محفوظ، المستشرق الأب ج. جومييه، مكتبة مصر بالفجالة، القاهرة، 1959 ص 14.