"أطياف مسافر في الغروب" وتداخل الأنواع الأدبية

نصوص محمد الجمل في هذا الكتاب مزيج بين خصوبة الخيال والواقع الصادم، والمدهش، والمثير للجدل في بعض موضوعاته.


نصوص سردية ملتبسة الجنس، تتداخل بنيتها الفنية تحت أكثر من مسمى


فوزي المنياوي رحل تاركا هذه الذكرى التي لا يعرفها سوى المقربين

"الحياة ربما هي دائرية".
غاستون باشلار
"أطياف مسافر في الغروب"، و"قراءة في دفتر الأحوال" هما آخر أعمال الكاتب الروائي محمد الجمل السردية، صدرا عن وكالة الصحافة العربية بالقاهرة 2008، وهما عبارة عن نصوص سردية ملتبسة الجنس، تتداخل بنيتهما الفنية تحت أكثر من مسمى، وعلى الرغم أن هذا العمل يمثل منحى جديدا في مسيرة الكاتب السردية إلا أننا نجد صعوبة في مجال تحديد النمط الأدبي المندرج تحته هذان النصان، هل هما رواية كما هو مكتوب على غلاف كل منهما، أم هما مجموعتان قصصيتان لتحقق بعض ملامح وحدة بنية القصة القصيرة في هذه اللوحات القصصية التي تضمهما، أم أنهما سيرة ذاتية حيث يطل من داخل نسيج النصوص تاريخ الكاتب وتشابكات علاقاته الخاصة وتقاطعها بشخوص النص في ملامح وظلال لها سمات السيرة الذاتية ذات البعد الواقعي البعيد إلى حد ما عن متخيّل الرواية بنسقها وسماتها المعروفة، وإن كانت هناك ثمة علامات خاصة للمتخيل السردي تتواجد داخل بعض نصوص هذه اللوحات القصصية تبدو من بعض الأحداث الدرامية المطلة من نسيج هذه اللوحات. 
وعلى الرغم من ذلك فإن هذه الأجناس الأدبية المتداخلة بنسقها وشكلها وبنيتها التي جاءت عليه في نسيج النص ربما تشترك جميعها في وضع مفهوم خاص لهذين النصين اللذين صدرا في جزئين منفصلين، انطلاقا من المفهوم الخاص بتداخل الأنواع الأدبية وتقاطعها وتشابك أنساقها وصيغها في بعض النصوص السردية المعاصرة، إلا أن المفهوم الأقرب للتحقق هنا هو أن فنية هذين النصين السرديين هو أقرب إلى أدب السيرة بروافده الخاصة والمتحلقة حول المذكرات واعترافات الذات وذكرياتها، والتي جاءت على هيئة صيغة حكائية، مستمدة من واقعية خاصة، وأحداث يتحقق فيها الصدق الفني، ومحاولة الراوي سرد هذه الأحداث بضمير المتكلم، وتحقق خاصية المكان والزمان، والاتكاء على مدونة الذاكرة الذاتية ووثائقها الخاصة بعيدة المدى، والاحتفاء بشخوص استمدوا وجودهم من ذات الكاتب وحياته الخاصة، وثمة بقايا مسافة من العاطفة الخاصة لا زالت تجول في خبايا النفس من حين لآخر تهجس ذكرياتها مع هذه الشخصيات وتحاول استدعاءهم بسماتهم وخبراتهم ووصفهم.
ولا شك أن رواية الكاتب من خلال وظيفته كضابط سابق في القوات المسلحة وارتباطه بواقع معظم الشخصيات المستدعاه من ذاكرة حياته المهنية الخاصة، ربما هو ما تطرحه الشفرة الفنية الأولى للنص من خلال العتبة الأولى للنص الأول، وهو العنوان، وهو ما يعطينا إيحاء خاصا بأن هذه الأطياف التي ألحت عليه الآن في هذا الغروب المتأخر، والتي استدعاها الكاتب من ذاكرته وتاريخه الاجتماعي الخاص تشير إلى أن النسق الفني لهذين العملين يندرج تحت إحدى صيغ روافد السيرة الذاتية، وعلى وجه التحديد يندرج تحت ما يسمى بالذكريات اشتغل عليها الكاتب من خلال تجربة سردية حدد في نصوصها بصمة الصورة الذهنية الحاضرة من الماضي والتي لا يزال تركيزها في النفس والذات حاضرا من خلال ارتباطها بنوعية الشخوص والمجهود الكبير الذي بذل لاستحضار أطيافها ولحظات تفاعلها مع الذات في هذه المرحلة السنية المتأخرة، وهو ما وضحه العنوان تماما.

رواية السيرة الذاتية
مواقف فارقة

وكما فعل نجيب محفوظ في شخصياته التي وردت في نص "المرايا" والصور القصصية التي جاءت في نص "حكايات حارتنا" ومحور الشخصيات التي اشتغل عليه على الشوباشي في رواية "رابعة ثالث"، وأيضا ما كتبه سليمان فياض في كتابه الشهير، "كتاب النميمة"، وهو الكتاب الذي تضمن عددا من شخصيات الأدب والنقد أشار لهم الكاتب بترميز خاص من خلال سماتهم المعروفة في الوسط الأدبي ووجهة نظره حيال ذلك، وربما أيضا ما احتفى به الروائي السكندرى مصطفى نصر في نصه الملتبس "سينما ألدرادو"، حيث احتفى بشريحة خاصة من حياته حول علاقاته الخاصة بدور السينما التي كان يرتادها في مراحل حياته المختلفة، في كل هذه النصوص السردية الملتبسة والحاملة لجينات عدة أجناس أدبية متداخلة ومجتمعة في النوعية السردية والمتحلقة حول ما يسمى بذاكرة الكاتب ووثيقة حياته، نجد أن النص في حد ذاته يتحلق في أنسجة عرضه حول نوعية السرد الذاتي المتماهي مع واقع اللحظة الآنية، وهي اللحظة الحاملة لغروب الذات الكاتبة وما يدور في هواجسها الآن مساحات متفرقة من العاطفة والذكريات.
من هنا نجد أن نص "أطياف مسافر في الغروب" بوضعيته التي جاءت عليه، قد قطع شوطا كبيرا، من حيث الاتكاء والاحتفاء بواقع الشخصية الدرامية المستمدة من بؤرة الذاكرة، والحاضرة من زوايا النسيان، والالتحام مع بعض ملامحها، واستدعاء التقاطع، والتشابك الذى كان معها، مع تضفير هذه الشخصيات بجانب واضح من قضايا الواقع وبعض الإشكاليات الاجتماعية والثقافية والسياسية توضح الحضور الذاتي والسمات التي بنيت عليها كل شخصية من خلال واقع ما كانت تعايشه وتتفاعل معه، وأيضا من خلال جوانبها الذاتية المختلفة، السلبية، والإيجابية، على أن السمة الغالبة في هذه النصوص أنها لم يكن لها حضور شاحب من ذاكرة الكاتب إنما كان حضورها له وهج خاص صادر عن عاطفة لا تزال تحمل مساحة كبيرة للشخصية، وإن كانت أصبحت في زواية خاصة من الذاكرة، وسوف يرتكز حديثنا في هذا الطرح حول نص "أطياف مسافر في الغروب" باعتبار أن هذا النص هو التجربة الأولى في هذا المجال، وأن ما يندرج حول هذا النص من سمات وقضايا فنية وموضوعية، ينسحب بالتالي على الجزء الثاني من هذا النمط من الكتابة السردية والذي عنوانه "قراءة في دفتر الأحوال".
زوايا النص
في زوايا النص يقبع عدد من الشخصيات، عبارة عن مجموعة من اللوحات العاكسة لواقع عدد من الوجوه المتقاطعة تماما مع شخصية الراوي السارد، تشابكت وتقاطعت وتركت أثرا لا ينمحي أبدا في ذاكرته وهواجسه الذاتية، وقبعت في زوايا النسيان حتى ألحت عليه في هذه الأيام، عدد هذه الشخصيات ثماني عشرة شخصية تمثل ثماني عشرة تجربة حياتية، تشابكت في فترة من فترات حياتها مع حياة الراوى/ الكاتب في عدة جوانب تختلف باختلاف المناخ والمنحى الموجوده في إطاره، وكانت هذه الشخصيات تمثل في فترات من حياته المهنية والأدبية والعاطفية واقعا قائما له وضعيته الخاصة، وحضوره الفاعل المؤثر في شتى الجوانب والاتجاهات.
وهذه الشخصيات التي يتضمنها النص تبدو متعددة السمات إلى حد لافت لكنها في الحقيقة كما قلنا، تمثل الجانب السيري القائم والحي من حياة الكاتب، وهي تأكيد على مفهوم الدرامية والبعد الفكري، والأيديولوجي، والثقافي، ومدى تحققه في عمل شبه روائي ملتبس الشكل مثل هذا العمل. فالكاتب يحاول أن يستدعي الواقع بكل ما فيه من متناقضات، وسلبيات، وآلام، وتأزمات، وأبعاد إنسانية، وعاطفية من خلال أكبر عدد ممكن من الشخصيات كانت له بهم صلات من هذا النوع، وتبدو هذه اللوحات معبرة تعبيرا صادقا عن واقع الشخصية الراوية والمروي عنها. وإذا كان الراوى/الكاتب هو همزة الوصل التي تنقل لنا كل هذه التفاصيل الحياتية من داخل تقاطعات الشخصيات وتشابك علاقتها، فإن اللوحات العاكسة لبؤر هذه الحيوات المختلفة تتصل ببعضها البعض عن طريق الروائي الكاتب السارد فقط على الرغم من أن الرؤية الذاتية للكاتب هي الناقلة لحيوات هذه الشخصيات بكل ما تسعفها بها الذاكرة. 
زاوية المهنة
ولأن الكاتب كان من رجال القوات المسلحة عمل فيها حتى وصل إلى رتبة عميد بسلاح المشاة، لذا نجد أن الشخصيات العسكرية التي تتشكل داخل النص من شخصياته المهنية، وهي تحتل نصف مساحة النص تقريبا فعددها تسع شخصيات من أصل ثمانية عشر شخصية، هي كل ما يتضمنه الكتاب من شخصيات، معظمهم شارك الكاتب في الحروب التي خاض غمارها أيام خدمته بالقوات المسلحة، حرب 56، و 67، وحرب الاستنزاف وأخيرا حرب 1973، لذا جاءت شخصيات زملاء ورفاق السلاح معبرة عن مرحلة كان فيها الكاتب يلتحم مع كل شخصية من هذه الشخصيات ويتفاعل مع واقعها من خلال هموم الحياة وسطوة واقعيتها وانعكاس وتقاطع مؤثرات الشخصية المستدعاة من ذاكرته لتجسد ما كانت هذه الشخصية تمثله في هذا الوقت، ولا شك أن الأحداث المصيرية التي كانت تربط الكاتب بهذه الشخصيات خاصة في وقت الحرب والاستعداد له، وفي هذه الأوقات العصيبة التي كانوا يقضونها في الخنادق كان لها تأثير عميق في توظيف استدعاء الذاكرة لهذه الشخصيات لما كان لهذه الشخصيات من تأثير في المسافة والمساحة العاطفية والاجتماعية الرابطة بينهم والتي لا يمكن نسيانها بأي حال من الأحوال من تلك الشخصيات: "الرقيب عبدالغني سلام سائق السيارة العسكرية للكاتب، هذا الفتى الريفي الذي انتهت حياته نهاية عبثية، فقد سجن ظلما عندما قبض عليه أثناء إحدى مداهمات الشرطة لبعض الإرهابيين في الطريق. والرائد صبري واكد رئيس عمليات الوحدة التي كان يقودها الكاتب قبل حرب أكتوبر والذي انضم إلى حزب التجمع بعد تسريحه من الجيش، وأصيب في نهاية حياته بمرض عضال في القلب، وأنور بدير زميل دفعة الكلية الحربية في نفس عام قيام ثورة يوليو، وزميل الكتيبة 15 بمعسكر مصطفى كامل والذي شارك الكاتب في معارك عدة ضد العدو، وانتهت علاقتهما بعد تسريحه من الجيش بسفره إلى أميركا بعد أن كوّن ثروة لا بأس بها، والعريف ياسين الزتحري حامل جهاز اللاسلكي الذي كان يرافق الكاتب كظله فوق جبل عتاقة، وكان الكاتب يتعامل معه وكأنه ابنه. 

عمل أدبي متصل منفصل، يحاول عبره الكاتب أن يبحر داخل النفوس البشرية، التي تعامل معها طوال حياته المريرة ليخرج منها بعظات وصفات تميز كل فرد عن غيره

وحيد ثابت زميل اللواء الخامس أيام النكسة وحرب أكتوبر الذي كان يبحث عن فلسفة وعبثية الحياة والموت في معارك الجبهة والقتال الدائر مع العدو، ومع ذلك استسلم لمصيره عندما هاجمه المرض الخبيث، واستشرى في جسده و"مات محسورا في حقبة استراتيجية السلام والاستقرار". والملازم ثان محمود السيد أحد أفراد الدفعة في الكلية الحربية المائل دائما إلى العزلة والتقوقع، ولكنه كان قريبا جدا من قلب الكاتب: "فضول يدفعني لمعرفة كيف يفكر، وفيم يفكر؟ أرتاح لمبادراتي في الاقتراب منه". كان واحدا من ستة ملازمين ثواني تحتفى بهم الوحدة لكونهم من دفعة التخرج أثناء قيام الثورة، قال عنه الكاتب: "كان نعمل جنبا إلى جنب، وكانت شجاعته في إبداء رأيه حول قادته مثار الدهشة لكل أفراد الكتيبة، أستشهد أثناء العدوان الثلاثي بعد أن رفض الانسحاب مع أفراد الكتيبة: "لم تغب صورة محمود عن ذاكرتي طوال حياتي، فقدت أعز صديق تصورت أنه لن يفارقني بهذه السرعة. تخيلته ونحن نقتحم قناة السويس عبر القوارب والكبارى، ونحطم خط بارليف، تذكرته أثناء توقيع معاهدة كامب ديفيد، تذكرته وسط ضجيج حادث المنصة، لم أتوقف عن قراءة الفاتحة على روحه، وأنا أتابع مجريات الأحداث".
من الشخصيات اللافتة من شخصيات المهنة أيضا شخصيتا الضابطين السوريين اللذين تعرف عليهما الكاتب أثناء خدمته العسكرية، ملازمين أول نقلا من سوريا ربما نقلا تحفظيا لارتباطهما بحزب البعث السوري الذي كان يريد أن يكون له رؤية في موضوع الوحدة مع مصر، الملازمين صلاح خدام، وإبراهيم قنوت، تصادقا مع الكاتب صداقة قوية، الأول كان مولعا بشعر نزار قباني لذا كان ارتباط الكاتب به قويا لوجود صلات عفوية في الاهتمامات، والثاني كان بعثيا قُحا، وجاء ارتباط الكاتب معه من خلال الهم السياسي الذي كان سائدا في ذلك الوقت، وعندما حدث الانفصال عادا إلى سوريا مرة أخرى، ولكن بعد أن تركا بصمة قوية في نفس الكاتب، لذا كان استدعاؤهما من زوايا الذاكرة شيئا مهما في هذه الكوكبة من رفاق السلاح.
زاوية المرأة
استدعى الكاتب أيضا في هذا النص من هاجس الذاكرة وزوايا النسيان شخصيتين فقط من الشخصيات النسائية هما إلهام حسين الحب الأول، وفرجينيا كارلي مدرسة اللغة الإنجليزية في مركز الثقافة الأميركي بالإسكندرية، على عكس نجيب محفوظ الذي تضمنت مراياه عددا كبيرا من الشخصيات النسائية بلغت ثلاث عشرة شخصية، وعلى عكس النص الثاني من هذه الثنائية السيّرية للكاتب، الذي تضمن خمس شخصيات نسائية أخرى هن: بدرية شاكر الصحفية والمشرفة على الصفحات الأدبية بجريدة الأخبار، وإلهام عبدالمجيد إحدى أفراد العائلة، وسميرة زاهر زوجة إحدى كبار الشعراء، وأسماء عابد المذيعة بإذاعة الشرق الأوسط، وسعاد عثمان وهي شخصية تشبه "زهرة" ميرامار نجيب محفوظ، وتعمل شغالة في أسرة خطيبته. 
كانت المرأة في ذاكرة الكاتب ترفد من العلاقة الطبيعية التي يعيشها أي فرد، "إلهام حسين" حبه الأول، صديقة أخته صفاء وزميلتها في مدرسة الأميرة فايزة بمحرم بك بالإسكندرية، علاقة المراهقة والعاطفة الأولى الجياشة الملتهبة، الرومانسية العالقة والمحفورة في ذاكرة الإنسان طوال حياته: "مازالت عالقة في ذاكرتي، برغم بياض شعري، وتغطية أسناني بالكبارى والطرابيش، ظلت راقدة في وجداني أكثر من غيرها ممن عرفتهن، كانت زميلة وصديقة لأختي صفاء، في مدرسة (الأميرة فايزة) بحي محرم بك بالإسكندرية.. تعرفت عليها عندما كانت تأتي إلى منزلنا، لتستذكر دروسها مع صفاء، قصيرة القامة وأنا طويل، أول ما لفت نظري إليها عيناها العسليتان، بشرتها بلون اللبن المصفى، ضفائرها الطويلة، شعرها أسود فاحم، ناعم كالحرير، ممتلئة قليلا، صوتها هادئ خفيض، تألفها من أول لقاء وكأنك تعرفها من زمن". رآها مرة أخرى في بيت أخته، زوجة وأما لولد وبنت، تذكر العلاقة واستدعى هذه اللحظات التي كانا يختلسانها في هذا العمر الصغير ويحلمان فيها برومانسية عالقة لم تزل أن طواها النسيان بعد أن ذهب كل منهما في طريقه.
الشخصية النسائية الثانية العالقة بذاكرة الكاتب كانت "فرجينيا كارلي" تعرف عليها عندما نقل إلى فصلها في مركز الثقافة الأميركي لاستكمال تعلم اللغة الإنجليزية وهو أمر كان يؤهله للسفر إلى أميركا بدعوة من إحدى الجهات الثقافية هناك: "جذبتني ملامحها السكسكونية الجميلة، العيون الزرقاء، والشعر الأصفر، والبشرة الناصعة البياض، رشاقة القوام، والصوت الهادئ الذي يقترب من الوشوشة، الحروف واضحة تشبه الدندنة، الكلمات لها جرس موسيقي يشيع الطمأنينة في النفس، هناك علاقة سحرية بين أصبع "الطبشور" وأصابع كفها، تحركاتها الرشيقة تخفي في طياتها مشروع راقصة بالية، انجذبت إليها بلا تردد أو خوف من المجهول، رأيت فيها فتاة أحلامي التي كنت أبحث عنها طوال عمري، أغلب الظن أنها لا تزيد على الخامسة والثلاثين من عمرها، وأنا في الخامسة والخمسين". 
العاطفة هنا كانت هي المحك الذي لعب عليه الكاتب، وكانت المفارقة في العلاقتين اللتين أتى بهما الكاتب في هذا النص علاقة مفارقة وتناقض يجمعهما حب المراهقة، المراهقة الأولى الطبيعية مع شخصية "إلهام حسين" زميلة الشقيقة صفاء في سن التفتح والتوهج المبكر، والمراهقة المتأخرة مع شخصية "فرجينيا كارلي" والتي تولدت في سن الخامسة والخمسين: "كيف تقوم علاقة بيننا؟ لا تكفيني علاقة التلميذ بمدرسته، لا أقبل حبا "أفلاطونيا" يعشش في الخيال، أريد أن ألمس أصابعها، أربت على كتفها، أطبطب على ظهرها، أحتضنها وأنا أقود سيارتي، ألمس شفتيها بسبباتي على الأقل"، تلك كانت الهواجس والوساوس التي كانت تراوده في علاقته مع شخصية فرجينيا كارلي، وحينما يعود الكاتب من رحلة أميركا تتطور العلاقة حتى تصل إلى مرحلة كادت أن تقلب الموازين في حياة الكاتب لولا أن عرف منها أنها يهودية، ولعل طبيعة المتخيّل السردي في هذا المنحى عند الكاتب، إذ أن الفعل السردي في هذا التناول عند الكاتب قد منح العلاقة القائمة مع الآخر بعدا تخييليا بجانب البعد الواقعي الذي كاد أن تتطور ملامحه ويصبح واقعا بإكسائه لحما أدبيا ودما لغويا على الهيكل العظمي المجرد للرسوم التخطيطية بحسب ما وضعتها فلسفة كانط أو بعبارة أخرى للفيلسوف الفرنسي بول ريكور: "إن عملية الصياغة التصويرية للحبكة السردية، تكون عرضة للتحليل التفسيري"، مما يضفي على وقائع تخطيط الشخصية لنفسها أو لغيرها أبعادا تطويرية يفرضها الفعل ورد الفعل المقابل لها، وهو ما أنجزه الكاتب مع شخصية "فرجينيا كارلي" اليهودية التي كاد أن يتقابل معها في نقطة ما، وكانت هذه هي الحبكة التي توطنت في هذه العلاقة والتي جاء تفسيرها وتحليلها بالابتعاد في الوقت المناسب، تشكل مع وضعية الزمن الموجودة مركزيا في أعمال مارتن هايدغر، وتفسيرا وتحليلا لما أنجزه ريكور في هذا الصدد.

رواية السيرة الذاتيىة
خصوبة الخيال والواقع الصادم

زاوية الفكر والأدب
في هذه الزاوية تكمن أربع شخصيات انتخبها الكاتب من ذاكرته، على الرغم من أنني أعرف أن هذه المنطقة من الذاكرة تحوي عددا كبيرا من الشخصيات الفاعلة والمؤثرة في الحياة الأدبية على عمومها، وعلى حياة الكاتب الذاتية بصفة خاصة، والشخصيات المختارة في هذه الخصوصية؛ شخصيات لها حضورها الفاعل في الحياة الثقافية والأدبية وكان حضورها في حياة الكاتب ذات تأثير كبير وعميق ومؤثر إلى أبعد الحدود. 
في هذا الجانب من الشخصيات المؤثرة فكريا وثقافيا يطرح الكاتب إشكالية الجوهر والمظهر أو الشكل والمضمون من خلال هذه الشخصيات المنتخبة، الشخصية الأولى كانت شخصية "توفيق مختار"الأب الروحي لمجموعة من شباب مثقفي اليسار تعرف عليه الكاتب عن طريق شقيقه هشام الطالب بكلية الآداب/ فلسفة، وكان يعمل مدرسا بقسم الفلسفة بمدرسة العباسية الثانوية بالإسكندرية، اهتم بأفكاره، بعد مناقشة مستفيضة حول اليسار وأفكاره حول عبدالناصر، والكتب المتحلقة حول هذه الأمور "التفسير المادي للتاريخ"، كتاب "رأس المال" لكارل ماركس وغيرها ممن تدور حول هذا الموضوع، ولكن الذي أدهشني في شخصية توفيق مختار أن مجلسه كان يتحّول إلى جلسة للعب البوكر بقروش قليلة تزجية للوقت، والمدهش أكثر أن توفيق مختار كان يحرص في نهاية كل جلسة أن يكون هو الخاسر في اللعب: "اعترف بأن شخصية توفيق قد حيرتني كثيرا، قلت له في جلسة خاصة، وأنا أعرف أنه لا يضيق بأي حوار مهما كان صريحا، إنني أرى في لعب الورق رذيلة لا تتمشى مع أفكارنا وتوجهاتنا، قال لى بمنطق يشي بدرجة من المعقولية: "سعد زغلول كان زعيما تاريخيا، ومع ذلك كان يلعب الورق"، وتدور الأيام بتوفيق مختار وتزداد الدهشة والحيرة حول هذه الشخصية المتناقضة في الحياة هو يوهمك بأنه صاحب موقف، ثم تبدو ممارساته عفوية وتدعو إلى الدهشة، وحينما بلغ الكاتب نبأ موته قال: "ألجمتني الدهشة وأصابني الذهول، رسب في روعي أن توفيق مختار من النوع الذى لا يموت، لم تكن له صفات الأحياء الذين يجمعون بين الحياة والموت، تصورته كائنا أبديا ميتا، أو كائنا أبديا حيا، ليس هناك فرق بين موته وحياته".  
الشخصية الثانية هو "زكي الدفراوى" الأستاذ الجامعى الذي كان يحاضر له مادة الشعر في الجامعة، وكان إعجابه به، وبطريقته في الشرح تفوق الوصف إذ كان المحاضر ذي كريزما في شخصيته تأسر كل من يقترب منه على المستوى الشخصي والمستوى العام، وقد وصفه الكاتب وصفا مسهبا: "رجل فارع الطول، رشيق القوام، يميل لونه لسمرة محببة، له رأس كبير، يعلوه شعر قصير ينحسر عن جبهة عريضة، ملامح وجهه متناسقة النسب والأبعاد، تضفي عليه الكثير من المهابة والرهبة". 
وكان إعجاب الكاتب قد بلغ أشده بشخصية هذا الرجل حتى بدا له وكأنه سوف يتوحد تماما مع شخصيته، إلا أن ما جعل هذا الإعجاب يتراجع بعض الشيء هو مناقشة الدكتور زكي لرسالة زوجة رئيس الجمهورية عن شعر شيللى، وظهوره في وسائل الإعلام كعضو مناقش لهذه الرسالة، وهو أمر ربما يكون سلاحا ذو حدين، فمهنة الدكتور زكي تحتم عليه هذا الأمر بحكم كونه أستاذا جامعيا في مجال الرسالة، كما أن هذا الأمر ربما يؤول في غير صالح الدكتور زكي باعتبار أنه يتملق السلطة في شخص مناقشة رسالة زوجة الرئيس التي تراجعت شعبيته في هذا الوقت بفعل الأزمة الاقتصادية التي كانت تمر بها مصر آنئذ. كان المحك الثاني بين الكاتب والدكتور زكي الدفراوي عندما رشح الدكتور زكى لمناقشة أعمال الكاتب في إحدى الندوات الثقافية بالتليفزيون، وفي هذه الحلقة استحوذ الدكتور زكي على الحديث عن نفسه، ولم يسمح للكاتب إلا بمساحة متواضعة من الوقت مما أوغر صدر الكاتب في هذا الوقت. المحك الثالث كان حصول ابن الدكتور زكي على درجة المعيد بدلا من أحد الشباب النابهين والنابغين، وكانت هذه هي القشة التي قصمت ظهر البعير في نفس الكاتب حين بلغه هذا الخبر من شاب يبدو أنه أنكوى بنار هذه الحالة من حالات المحسوبية في التعيين. 
وعلى الرغم من ذلك كان رصيد المحبة الذي تركه هذا الأستاذ في قلوب محبيه وتلاميذه ومجايليه بعد رحيله كبيرا: "لم يكن له عدو واحد.. لم يحفظ له التاريخ أشعاره التي كتبها في سن متأخرة.. لم يتوقف تلاميذه عند حديثه الفياض عن الوحدة الشعورية للقصيدة الجاهلية.. كان متصالحا مع نفسه.. ترك وراءه رصيدا هائلا من المحبة. لم أشأ أقول شيئا، يفسد تداعيات لحظة الفراق ولكنني قلت في نفسى: ولكن الأستاذ ترك ما لقيصر لقيصر". 
ولعل شخصية "محيى بدران" مدرس اللغة العربية التي كانت أبوته الحانية سببا في التحولات التي طرأت على شخصية الراوي أثناء تلقيه دروس اللغة على يديه على الرغم من أن والده كان المدرس الأول للمادة في المدرسة، ولكن كانت هناك شبه أبواب موصدة بين الأب والابن، من ناحية أن يدرّس الأب لابنه هذه المادة لاعتبارات كثيرة، فوكّل هذه المهمة لصديقه الأستاذ محيى بدران في إعطاء ابنه دروسا في اللغة أثناء تواجده في السنة الثالثة الثانوية، وربما كانت هذه المرحلة هي التي حببت إلى الكاتب الأستاذ واللغة نفسها: "لا أستطيع أن أنساه كنا – نحن التلاميذ – نفرح بحصته، نسترخي لصوته العذب الجميل، لأسلوبه السهل في الشرح والتعبير.. ممشوق القوام، فارع الطول، نرتاح لملامح وجهه المتناسقة، الهادئة المسترخية، يبدو مثالا لأب حان عطوف، لم نره غاضبا ولو مرة واحدة، صبور طويل البال كأنه ليس من طينة البشر". كان مخلصا في عمله تماما، وكان صديقا ودودا إلى أبعد الحدود، ومرت السنون وتحول الكاتب إلى أديب وعندما أنجز مجموعته القصصية الأولى قرر أن يكون الإهداء للأستاذ "محيى بدران" على سبيل الوفاء وحفظ الجميل، وكان هذا الإهداء الجميل: "إلى سر الأستاذ محيى بدران إلى من علمني الحب وأسرار الحروف والكلمات.. إلى صاحب الفضل في إصدار هذه المجموعة القصصية". 

novel
محمد الجمل

أما الشخصية الأخيرة في النص وفي زاوية الفكر والأدب فهي شخصية المستشار "فوزي المنياوي" وقد جسدها الكاتب كشخصية كاريكاتورية مثيرة للجدل: "التقيت به لأول مرة في ندوة نجيب محفوظ الصيفية في كازينو "سان استفانو" بالإسكندرية، كنت عضوا منتظما في الندوة، وكان هو ضيفا طارئا غير متحمس للمشاركة المنتظمة. أدركت أنه حضر لتنهئة نجيب محفوظ بفوزه بجائزة نوبل. أدهشتني هيئته، رجل في حوالى الستين من عمره، يرتدى نظارة سميكة فوق عينين جاحظتين منهكتين. شعر رأسه مشوش، لا يعرف المشط طريقه إليه. قميصه غير مكوي، بنطلون واسع متهدل، خال من الكسرة المعروفة، وجه رمادي لا يوحى بأي يقظة أو حيوية". هذه هي الصفات البارزة في شخصية "فوزي المنياوى"، بدأت العلاقة مع الكاتب حين طلب منه أعماله القصصية والروائية للكتابة عنها في صحف الخليج لأنه مراسل لبعض هذه الدوريات، حاول الكاتب سبر غور هذه الشخصية الغريبة فعرف أن له علاقة بالشاعرة "ليلى فتحي" وكان أن دخل إليه من هذه الزاوية، عرف عنه كل شيء، قاض غير مشهور بفرع مجلس الدولة بالإسكندرية، أعزب، معتزل فى بيته، يعيش مع أمه وأخيه، نجح فى أن يكون رئيس هيئة الفنون والآداب بالإسكندرية. تقرب الكاتب إليه بالزيارة أغراه "فوزى المنياوي" بالنشر في مجلات خليجية نظير مكافأة على أن يكون هو المراسل لهذا النشر نظير ربع المكافأة. عرض عليه "فوزى المنياوي" أن يكتب دراسات عن أعماله الخاصة على أن تكون باسم الكاتب على أن يقتسمان المكافأة معا. رفض الكاتب وانسحب من حياته، نصحته الشاعرة ليلى فتحي عندما قابلته فى إحدى الأمسيات بالتمسك بفوزى المنياوى لاعتبارات كثيرة أهمها أنه سمسار أدبي ليس له مثيل، لأن الأديب البعيد عن القاهرة يجب أن يبحث لنفسه عن مدير أعمال أو سمسار يسّوق إنتاجه وفوزي المنياوي خير من يقوم بهذه الأعمال. ورحل فوزى المنياوي تاركا هذه الذكرى التي لا يعرفها سوى المقربين من أهله والأخصاء من معارفه.
لقد كان هذا المتن الإبداعي الملتبس في شكله، والمستوحى في موضوعه ومضمونه الفني، من أجواء البحث عن الشخصية في الذاكرة والحياة والناس، للكاتب محمد الجمل هي المزيج بين خصوبة الخيال والواقع الصادم، والمدهش، والمثير للجدل في بعض موضوعاته، والحامل في طياته عددا من الشخصيات المثيرة للدهشة في تنوعها وتعدد موضوعاتها وتقارب بعضها وتباعد خبراتها، ومواقف بعضها في جرأته وتحديه للمواقف الفارقة في الحياة، وكما ورد في تذييل الكتاب من أن هذا عمل أدبي متصل منفصل، يحاول عبره الكاتب أن يبحر داخل النفوس البشرية، التي تعامل معها طوال حياته المريرة ليخرج منها بعظات وصفات تميز كل فرد عن غيره. 
إن ما يبهرك في هذا العمل هو لغته البسيطة التي تحسب له، وفي الوقت نفسه قد تحسب عليه.