ذكرى العميد و"مستقبل الثقافة في مصر"

مؤلفات طه حسين تثير دائما الكثير من الجدل في الساحة الثقافية والأدبية في مصر والعالم العربى.


طه حسين كان يعي تماما أن مشكلة الثقافة هي مشكلة العالم الثالث


التأكيد على الليبرالية التعددية، والشأن الديموقراطي بشتى صوره، وربطهما بأسلوب التعليم في مصر


اهتمام الشباب بمستقبلهم الثقافي كان بمثابة الدافع الثاني لوضع كتاب "مستقبل الثقافة في مصر"

المطلع على مؤلفات عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين يجد عدة كتب أثارت الكثير من الجدل في الساحة الثقافية والأدبية في مصر والعالم العربى، أهم هذه الكتب كتابا "في الشعر الجاهلي" و"مستقبل الثقافة في مصر"، ويعد الأخير هو صاحب الحضور الكبير في إثارة الجدل وطرح عوامل الاتفاق والاختلاف حول الموضوع الرئيسي الذي طرحه هذا الكتاب، حيث يضطلع موضوعه بمسئولية البحث عن مستقبل الثقافة في مصر، وتأثيرها على الحياة المصرية في وقت كانت الحاجة ماسة للغاية إلى تلك الرؤية وهذا الفكر المستنير المتوجه إلى المستقبل، كما أنه يبحث في مستقبل الثقافة دائما في أى زمان من خلال طرح منهج رأى الدكتور طه حسين أنه المنهج الأمثل من وجهة نظره لمستقبل هذه الثقافة. 
وعلى الرغم من أن هذا الكتاب قد مر على صدوره أكثر من ثمانين عاما، حيث صدر عام 1938 عن دار المعارف بمصر، وكان يمثل في هذا الوقت دعوة صريحة بل وملحة، لطرح فكر جديد لمستقبل هذه الثقافة تفيد الشباب والمجتمع، أوضح فيه الدكتور طه حسين العديد من الأسئلة المرتبطة بمستقبل الشباب المصري في مجتمعهم ومستقبلهم وثقافتهم المرجوة التي يأمل الجميع في الأخذ بها، محللا بذلك منطق التاريخ، وكانت رؤيتة الذاتية تمثل من خلال هذه الكتاب دعوة صريحة للحرية الثقافية، ودعوة أخرى لوضعية ما نأخذه في هذا الإطار سواء من الشرق، وما نأخذه من الغرب، وموقع مصر من هذه الوضعية. 
وعلى الرغم من أن رؤية الدكتور طه حسين كانت فى ذلك الوقت لها خصوصية محددة في مناقشة هذا الموضوع من خلال الطرح السياسي والاقتصادي ووجود الاستعمار الإنجليزي في مصر وعوامل أخرى تخص الفترة التي ظهر فيها، فإن هذا الكتاب لا يزال صالحا للمناقشة والتحليل حتى الآن، وصالحا أيضا للاختلاف والاتفاق حوله، فقد كان طه حسين مؤمنا بأنه لا يوجد فوارق ثقافية مؤكدة بين الشعوب المختلفة، بل إن الثقافة كانت تماما تشبه إلى حد كبير نظرية الأوانى المستطرقة المتواصلة دائما على الرغم من النسق والحجم والكيفية، لذا كانت دعوته في المفاضلة بين الأخذ عن الشعوب المتقدمة، وإن كان في كتابه يحبذ الأخذ عن الغرب لأن الغرب في ذلك الوقت كان متقدما ومتفوقا على دول الشرق في كل مناحي الحياة. 

ونحن نتجاوز هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ العالم العربي، يجب البحث عن السبل القويمة في تحرير العقل العربي من ربقة الخوف والقهر والفساد والولوج إلى ساحة الحرية والعلم والعمل الجاد للوصول إلى مستقبل أفضل

كما أنه كان يحاول أيضا أن يرسخ نظريته في الأخذ عن الأصل الأوروبي من خلال وحدة الجذور في محيط البحر الأبيض المتوسط، ومن خلال مشاهداته للواقع المصري الآني في ظل وجود أمية طاغية على المشهد الاجتماعى، وفي ظل وجود استعمار يجثم على صدر البلاد في كل شيء، ويستشهد بذلك في شيوع النمط الاستهلاكي وهو نفس النمط الذي تحولنا إليه في السنوات الماضية خاصة في الطبقات المترفة من الشعب المصري حيث يقول طه حسين: "حياتنا المادية أوروبية خالصة في الطبقات الراقية وهي فى الطبقات الأخرى تختلف قربا وبعدا من الحياة الأوروبية باختلاف قدرة الأفراد والجماعات، وحظوظهم من الثروة وسعة ذات اليد". (ص36).
كما يذكر طه حسين في مقدمة كتابه مستقبل الثقافة فى مصر أن قرار تأليف هذا الكتاب قد جاء بناء على رغبة خاصة الغرض منها وضع الخطوط العامة للثقافة في مصر في تلك المرحلة المهمة من تاريخ البلاد حين قال: "أغرانى بإملاء هذا الكتاب أمران: أحدهما ما كان من أمضاء المعاهدة بيننا وبين الإنجليز في لندرة (لندن)، كما كان اهتمام الشباب بمستقبلهم الثقافي كان بمثابة الدافع الثاني لوضع كتابه فيقول لقد أقبل هؤلاء الشباب الجامعيون يسألوننا أن نبصّرهم بأمورهم، ونهديهم إلى واجباتهم".
ولا شك أن هذه النظرة ربما هي موجودة دائما وباستمرار في كل زمان ومكان في مشهد الثقافة في مصر، ولو أننا طبقناها على أوضاع الشباب في مصر الآن، سوف نجدها حاضرة فقد دمرت الأمية الثقافية في سياسة الحكم السابق في شكل التعليم في مصر، بدءا من التعليم الابتدائي وحتى الجامعي كل العقول بشكل جعل خريج الجامعة الآن في أمية ثقافية لا نعرف مداها، إلا أن طه حسين في كتابه كان يرمي إلى محاولة تحديث الثقافة وجعلها في متناول الجميع تماما كالماء والهواء، هي رؤية مثقف في بعدها التنويري العام أتت مرتبطة بالإصلاح والتثقيف، إصلاح التعليم وبناء الأمة وتوجيه الشباب وكل ذلك لن يتأتى إلا بالإقبال على الثقافة في شتى مناحيها وجوانبها المختلفة على إطلاقها، وفي شتى شؤون الحياة. فهو يرى أن التعليم كانت وظيفته الأساسية هي إعداد الإنسان للتعامل مع الحياة والتفاعل مع معطياتها، كان يريد أن يخرج لنا التعليم إنسانا إيجابيا يتعامل بإيجابية مع معطيات الحياة وواقعها المعيش عن طريق الثقافة والمعرفة العصرية أو مع الآخر بأسلوب يقوم على الندية والمواجهة والشفافية. 
لقد كان طه حسين يعي تماما أن مشكلة الثقافة هي مشكلة العالم الثالث، لذلك أقدم بجرأته المعهودة ونظرته الثاقبة على المناداة بضرورة البحث عن سبل جديدة وموضوعية لنشر الثقافة في كل أنحاء مصر خاصة بين الناشئة والشباب، وعندما قامت ثورة يوليو 52 لم تأخذ الثورة للأسف إلا بالقليل مما كتبه الدكتور طه حسين في هذا الصدد. ولما كان هذا الكتاب يحوي بين دفتيه العديد من الأمور والجوانب تعد بمثابة دليلا وضعه الكاتب من وجهة نظره الذاتية والموضوعية والتي وجدت عند كثير من المفكرين بعض جوانب الاتفاق والاختلاف، إلا أن هذه الأمور ما كانت لتهمّش رؤية الكاتب في تحديد المناهج والأصول والجوانب الخاصة بمستقبل الثقافة في مصر وما نرجوه منها في حياتنا المعاصرة.

لذا فإننا في هذه الأيام العصيبة التي يمر بها العالم العربي أحوج ما نكون إلى البحث عن سبل الثقافة الحقة لنستعيد بها دورنا في الحياة، ومن ثم يجب أن نعيد النظر في شأن ما كتبه عميد الأدب العربى في شأن مستقبل الثقافة في مصر وأن ندعو في ذلك إلى صحوة ثقافية تعم ليس مصر وحدها بل العالم العربي، في جميع المناحي والمجالات. 
وقد تحدث طه حسين في كتابه عن موضوعات كثيرة أهمها الثقافة والعلم والربط بين حياتنا المعاصرة ومجدنا القديم والأخذ بأسباب الحضارة الحديثة وإصلاح التعليم إصلاحا يبدأ من التعليم الأولى وحتى الجامعة. وقد رأى طه حسين أيضا في كتابه إلى إعمال العقل فيما تقدمه الكتب المدرسية. داعيا إلى نشر التفكير النقدى فيما ندرسه ونتعلمه، ومن ثم يكون التفكير أسلوب حياة وسلوكا يوميا. وهذه هي الثقافة في أبسط صورها، وأبلغ تجلياتها. 
وهو يحاول في كتابه التأكيد على الليبرالية التعددية، والشأن الديموقراطي بشتى صوره، وربطهما بأسلوب التعليم في مصر. وكأنه كان يتنبأ في كتابه برؤية الشباب الدائمة وعقليته المستنيرة في بناء الأمة بأسلوب عصرى بعيدا عن مواطن الفساد وأعداء النجاح، وهو يشير في كتابه إلى رباعية الديموقراطية التي يقررها الفكر الفلسفي، والذى يؤكد أن الديموقراطية كمبدأ لا تتحقق إلا بتحقق أربعة مكونات هي بالترتيب: العلمانية أى "بالتفكير النسبي". والتسامح "أي بالقضاء على روح التعصب الديني المطلق"، والتنوير أي "لا سلطان على العقل إلا بالعقل نفسه"، وأخيرا الليبرالية أي "فهم الحرية على أصولها وليس على المنافع والتحكم". 
كما يطرح طه حسين في نهاية كتابه السؤال الملح الذي يفرض نفسه دائما، أيوجد ثقافة مصرية؟ وقد أجاب عن السؤال الملح موضحا أنه: "الثقافة المصرية مهما تكن ضعيفة، ومهما تكن ناقصة، ومهما تكن تحتاج إلى التقوية والتنمية والإصلاح؛ فهي موجودة، ما في ذلك، وما ينبض في ذلك شك. هي موجودة متميزة بخصالها وأوصافها التي تنفرد بها عن غيرها من الثقافات. وأولى الصفات المتميزة لثقافتنا المصرية أنها تقوم على وحدتنا الوطنية، وتتصل اتصالا قويا بنفوسنا المصرية الحديثة، كما تتصل اتصالا قويا عميقا بنفوسنا المصرية القديمة أيضا. تتصل بوجودها المصري في حاضره وماضيه.
ولا شك أنه لا تزال هناك في الكتاب جوانب كثيرة واضحة جلية تحتاج إلى الشرح والتحليل والتبصر بما فيها من آراء تحتاج إليها الثقافة في مصر، وفي العالم العربي كله، وتبدو أيضا فيما وراء السطور أشياء كثيرة تدعو إلى الالتفاف حول مستقبل ما نأمله من هذه الثقافة من آمال كبار تأخذ بيد الشباب وتنقل مصر والعالم العربي إلى مصاف الدول المتقدمة، التي نرى منها الآن نماذج مشرفة ربما هي لم تطلع على كتاب الدكتور طه حسين، ولكنها أخذت بملامح وظلال ما كان ينادى به، ولا شك أن هذه النماذج الماثلة أمامنا الآن فما فعلته كل من أندونيسيا والبرازيل وماليزيا خلال السنوات الأخيرة، وقد كانت مثلنا ترزح تحت نير الفساد والضمائر الغائبة، فإذا بها بثقافتها وشبابها تحولت من دول من الدرجة الرابعة أو الخامسة إلى دول من الدرجة الممتازة في المعيشة والحياة الرغدة. 

Famous People
المفارقة بين الشرق والغرب

وقد أثار كتاب "مستقبل الثقافة في مصر" جدلا شديدا إبان ظهوره، ولا يزال النقاش وأوجه الاتفاق والاختلاف قائمة عليه كلما سنحت الفرصة للحديث عن هذا الموضوع حتى الآن، فقد كان ذكاء طه حسين حين وضع هذا المؤلف المثير للجدل والنقاش. كان يعرف تماما أنه يلقم الماء الراكد حجرا قويا ليثير دوائر الاختلاف والاتفاق حوله ويجعل المصريين يتحلقون حول هذا الموضوع المهم ليؤججوا منه قواعد راسخة للديموقراطية والليبرالية الخاصة بهم وأسس المواطنة والهوية والانتماء، كل ذلك من خلال الثقافة المأمولة التي نبحث عنها والتي أخذت بسبلها معظم الدول. 
وإذا كان طه حسين في كتابه يدعونا إلى أن المفارقة بين الشرق والغرب، فهي من المؤكد دعوة صريحة للاختلاف والاتفاق حول إلى أين نسير وإلى أين نتجه؟ وأعتقد أننا الآن وبعد أن قامت ثورة الشباب فى مصر، وبدأت الحرية الفكرية تطرح همومها على الساحة في كافة الاتجاهات فإننا بالتأكيد سنأخذ من كل طرح فكرى وثقافى ما يناسبنا وحسبنا ما نراه الآن في الشرق من سبل التقدم وما نراه في الغرب من سبل الحضارة وما يناسب ثقافتنا وحريتنا هو ما يجب أن نستعين به ونبحث عنه ونختاره في مستقبل ثقافتنا وتعليمنا، لا نترك الشرق ولا نترك الغرب، كل ما نسعى إليه هو الحفاظ على هويتنا الذاتية العربية والالتحاق عن طريق الثقافة المصرية الأصيلة بركب الحضارة ودفع عجلة التطور والحياة إلى الأمام. 
ولعلنا ونحن نتجاوز هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ العالم العربي، يجب البحث عن السبل القويمة في تحرير العقل العربي من ربقة الخوف والقهر والفساد والولوج إلى ساحة الحرية والعلم والعمل الجاد للوصول إلى مستقبل أفضل. خاصة وأننا الآن في عصر غير هذا العصر الذي كتب فيه الدكتور طه حسين كتابه "مستقبل الثقافة في مصر". وأيضا في غير العصور التي تلته والتى كانت لها سماتها الخاصة في الحياة والحرية والفكر، فمستقبل الثقافة الآن وفي ضوء التحديث العصري والعلم والتكونولوجيا ووسائل الحياة الحديثة يجب أن تتغير إليها النظرة ليكون هذا المستقبل في خدمة العرب شبابا وشيوخا في جميع المجالات، وفي جميع أوجه الحياة صغيرها وكبيرها.