السينما تحاور السياسة من نافذة إنسانية في 'الدبلوماسي'
يسعى فيلم "الدبلوماسي" للمخرج الهندي شيفام ناير لاستعادة فتاة هندية من الأراضي الباكستانية، بعد تعرضها للخداع لإجبارها على الزواج ضد رغبتها.
والعمل من سيناريو ريتيش شاه، وبطولة كل من جون إبراهام، ساديا خطيب كومود ميشرا، شريب هاشمي، أميتوج مان، جاجيت ساندو
ويشكّل فيلم "الدبلوماسي" للمخرج شيفام ناير تجربة سينمائية تنأى بنفسها عن الزيف والتكلف، لتخوض بواقعية نادرة مأساة فتاة هندية خُدعت في باكستان، إذ يُعلي العمل من شأن الكرامة الفردية والدور الدبلوماسي الصامت في معارك العصر الحديث، فينطلق من واقعة حقيقية، ليحوّلها إلى دراما سياسية متقنة التكوين، متماسكة الإيقاع. ويركز على القوة العقلانية، والحوارات المكتومة، وتخلو المشاهد من البطولات الخارقة، لكنه يمتلئ ببطولة الهدوء والمثابرة، ويضع الإنسان في قلب القضية، ويعيد الاعتبار للدبلوماسية كقيمة أخلاقية قوية.
ويعتمد السيناريو على قصة أوزما أحمد، الفتاة الهندية التي وقعت ضحية زواج قسري في منطقة باكستانية نائية، فوجدت نفسها في جحيم لا يُطاق، بينما يُصاغ الحدث الشخصي في بناء درامي ذكي يربط بين الإنسان والسياسة وبين السفارة والحدود وبين النص القانوني والصرخة الأنثوية، ليوظفه لخدمة التوتر العام في القصة. وتُبنى الأحداث بتدرج محسوب، يتصاعد دون أن يشعر المتلقي بانفصام بين الواقعية والمجاز، إذ أن كل مشهد يأتي كتتمة منطقية لما قبله، وكل قرار يصدر عن منطق الشخصية لا من سذاجة درامية، وهنا تتجلى مهنية كاتب السيناريو ريتش شاه في احترامه للمضمون أولًا.
ويؤدي جون أبراهام دور نائب المفوض "السامي جي بي سينغ" بأداء منضبط ومختلف عن أدواره السابقة، ويبرع في تجسيد شخصية تعتمد على الحضور، ويتحرك بين الجدران المغلقة والساحات المتوترة بذكاء بالغ، ويتعامل مع الأزمة برباطة جأش، ويوجه رسائل ضمنية في كل حوار وموقف، ويبرز النموذج الجديد للدبلوماسي الذي لا يحتاج إلى العنف ليثبت صلابته، وإنما إلى رصانة وتكتيك. وتبقى جملته الشهيرة: "هذا باكستان يا بني، لا الرجال ولا الخيول تسير بخط مستقيم"، وهي من أبرز رموز الفيلم، كجملة تلخّص العبث السياسي بمرارة ساخرة، وتكشف هشاشة الواقع المغلّف بالشعارات.
وتُقدّم سادية "ختيب" أداءً رقيقًا وقويًا في آن واحد، وتُجسد شخصية "أوزما" كبطلة صامتة ترفض أن تُبتلع من الداخل رغم قسوة القيد، فتتحرك الشخصية بين الانكسار والمقاومة دون افتعال، وتُترجم مأساتها عبر نظرات، ارتعاشات، وتنهيدات تحمل أكثر مما تقوله الكلمات، كامرأة تواجه محنتها ببقية كرامة لا تزال فيها، فيبين الأداء ذكاء الممثلة في التعامل مع الدور بحذر فني واضح، دون إفراط في التعبير. وهنا يلعب الإخراج دورًا مهمًا في ترك المساحة لها لتُعبّر بحضورها لا بصراخها. وتظل "أوزما" هي قلب القصة، وهي بوابة المتفرج لفهم المأساة خارج الأخبار.
ويُوظف شيفام ناير كاميرته بشكل هادئ لكنه مشحون بالترقب، فيُركّز على التفاصيل الصغيرة، وعلى اللحظات العابرة التي تُحدث الفارق، ويصنع الإثارة من الترقب والضغط النفسي، من ارتجاف اليد، ومن نظرة بين نافذتين، ويترك للسفارة طابع القفص الذي يَعد بالحرية لكنه مسكون بالخطر، وللطريق إلى الحدود طابع الخلاص المعلّق على غموض اللحظة، وتُصاغ الحركة الخارجية ببطء مدروس، بدون ان يلهث المتفرج خلف مشاهد متقطعة، فيتابع سينما تفكّر وتنتظر. ويتطلب هذا النوع من الإخراج ثقة كبيرة من المخرج في موضوعه وممثليه، وهنا يبرهن ناير على نضجه الفني وثبات رؤيته.
وتبرز حبكة السيناريو الجانب السياسي بجرأة متحفظة، بدون أن ينزلق نحو التحريض، او يتخفى وراء الحياد المزيف، بينما المشاهد واللقطات تلمح دون أن تصرّح، وتشير دون أن تدين، وتُقدَّم التوترات بين الهند وباكستان كخلفية قوية، وتُستثمر قضية "كلبهوشان جادهاف" كعنصر ضغط درامي إضافي، فتُمنح الحوارات حدّها الأدنى من الطول، لكنها غنية بالمعنى. فكل عبارة تختصر موقفًا، وكل صمت يحكي ما تعجز عنه البيانات الدبلوماسية. ويُذكّرنا الفيلم بأن الصراعات الكبرى تُدار أحيانًا في الغرف الصغيرة، بين ورقة وقلم، وختم وتأشيرة، وهكذا يتحوّل القانون إلى أداة درامية حقيقية، دون أن يُشوّه فنيًّا.