الصحف تدين بالامتنان لصالات الانتظار

هناك إحساس حقيقي بالإجهاد عندما يتعلق الأمر بعلاقة الصحف المطبوعة مع القراء، كل شيء تغيّر، المزاج، العادات، الرغبات، الحاجات، التوق إلى نوع المعرفة، لكن المشكلة أن الصحف تتصارع مع نفسها من أجل إعادة سلوك القراء إلى الوراء.


الصحافة الورقية أمام امتحان استعادة القراء

مازالت الصحف والمجلات تدين بالامتنان للحلاقين وصالات الانتظار في عيادات الأطباء، لأن هذه الأماكن لن ترفض الصحف والمجلات وإن كانت قديمة، ثمة من يقرأها مرغما في فعل قراءة لا إرادي، لتفقّد ذاكرته وعما إذا كانت صالحة لجمع الأفكار من الصحف المطبوعة. فمثل هذا الفعل صار ماضيا وفقد قيمته.

ربما سرعان ما يرمي الجريدة عندما يرى أنها صارت متأخرة عما تجمّع لديه من معلومات وأخبار وفرها له هاتفه الذكي، أو تغريه قصة إخبارية أو تحليلية يجدها مفيدة ليعود فيتمسك بالجريدة، لكنه في كل الأحوال لن ينضم إلى نادي القراء الأوفياء، فكرة انتظار الطبيب أو الحلاق وتوفر المطبوعة أمامه جعلته يعود للقراءة ليس إلا. امتنان الصحف يكتفي بقاعات الانتظار في تلك الصالات وهو مصير يدعو للخجل والألم في تاريخ الصحافة.

عاد الفتى مسرعا إلى بيتهم بعد أن أتم حلاقة شعر رأسه، مرد فرحته ليس لهيئته الجديدة، بل من أجل أن يبلغ أمه أنه رأى صورة عمه مبتسما أعلى عمود منشور بأناقة في صحيفة موجودة لدى الحلاق!

للمرة الأولى كما يبدو عرف الفتى ملمس الجريدة، مع أنه يعرف أن عمه صحافي ويراه بين الحين والآخر، أدهشه الأمر أن يطالع صورته في الصحيفة الورقية وكأنه رآه على شاشة التلفزيون!

ربما يكون عدد الجريدة صادرا من أسبوع أو شهر، أو في اليوم نفسه، لكن المفاجأة لا تكمن في العدد أو متن المقال المنشور للصحافي، بل في طبيعة فتى على وشك إكمال دراسته الابتدائية ولم يلمس ورق الجريدة بعد! هل سنكون متشائمين أكثر عندما نشير إلى انقطاع العلاقة بين تلاميذ أكبر سنا من هذا الفتى، وقراءة الصحيفة!

دعونا نطلق هذا السؤال بين الفتيان، عما إذا كانوا قد طالعوا صحيفة مطبوعة على مدار عام كامل؟ لنكن أكثر تفاؤلا ونقترح مطبوعة معنية بشؤون الصغار؟

أكثركم سيتوقع إجابة مخيّبة للآمال، ويعيد التساؤل بطريقة متهكمة عما إذا كان الكبار أصلا، مازالوا يقرأون الصحف؟

الصحف صارت بالنسبة للصغار والكبار على حد سواء مملة للغاية، مزعجة ومثيرة للجدل. بالإضافة إلى ذلك عليك أن تدفع ثمنها، ولمَ ذلك وهي لا تقدم لك شيئا!

لولا الانتظار عند الحلاق لما اطلع ذاك الفتى على مقال عمه، الذي أجهد نفسه فيه من أجل ابتكار فكرة جديدة يشارك فيها المجتمع للارتقاء بحيويته، بينما أضحت طبقات عديدة في المجتمع خاملة في تفاعلها مع الصحف، بعدما وجدت بدائل رقمية أكثر سهولة.

تستعيد كاتبة عمود في صحيفة الغارديان البريطانية أجمل هدية يتلقاها الصغار قبل عشرين عاما، كانت صحيفة ورقية ينتهي من قراءتها الكبار في المنزل.

لن تنسى هذه الكاتبة كيف أن عمتها أهدت لابن عمها الصغير قبل ربع قرن نسخة من صحيفة الأوبزيرفر، وعندما لمحت ابتسامة الصغير المرتبكة، نصحته العمة بقراءة الجريدة لأنها تحتوي على كل ما يود معرفته. هل يُسعد اليوم الصغار بهدية من هذا النوع؟

هناك إحساس حقيقي بالإجهاد عندما يتعلق الأمر بعلاقة الصحف المطبوعة مع القراء، كل شيء تغيّر، المزاج، العادات، الرغبات، الحاجات، التوق إلى نوع المعرفة، لكن المشكلة أن الصحف تتصارع مع نفسها من أجل إعادة سلوك القراء إلى الوراء، والنكبة أن لا أحد يهتم بهذا الصراع، لأنه لا يهمّ إلا الصحف والصحف نفسها! بينما حقيقة المعادلة تشير إلى طرفين، فلا أهمية لصحافة مطبوعة من دون أن تجد لها قراء، لكن الفشل جعل الصحف تكتفي اليوم بالمحافظة على ما تبقى من القراء الأوفياء وليس استعادة القراء الذين فقدتهم.

لقد أغلقت صحف كثيرة أبوابها، وتوقفت عن الطباعة بعد عقود من الإصدار الحيوي المؤثر على الحكومات والمجتمع، وصحف تعرض نفسها للبيع بعد أن دخلت السوق المريضة وفشلت في الحصول على العلاج، صحف أخرى تدور على نفسها وتحمّل الحكومات والمعلنين مسؤولية التضحية بها من أجل كسر مواقفها.

في سوق الفشل هذا، يتراجع الكلام عن المحتوى المتميّز، الذي أطلق قبل أكثر من عقد لعلاج معضلة الصحافة، كان أنجع الحلول ومازال لاستعادة القراء، لكن لا أحد نجح في الوصول إلى هذا المحتوى منذ أن أطلقته قمة أبوظبي للإعلام في دورتها الأولى عنوانا لها.

لقد اقترحت صحيفة ليبراسيون الفرنسية قبل سنوات يوما للفلسفة، لم يكن في الأمر مغامرة بقدر إعادة الهيبة الإعلامية للفلسفة التي تضاءلت لحساب الثقافة الواطئة في وسائل الإعلام. فمنحت الصحيفة كل العاملين بمن فيهم رئيس التحرير، إجازة ليوم واحد، ودعت بوقار الحكمة اليونانية فلاسفة من الجامعات لتحرير الصحيفة في ذلك اليوم.

عشنا كصحافيين على مدار الأسبوعين الماضيين فشلا مريعا في الوصول إلى حقيقة اختفاء الصحافي السعودي جمال خاشقجي، وانقادت الصحافة إلى أكبر عملية تضليل معاصرة تديرها الدول.

كان روبرت كايسر، المحرر في صحيفة واشنطن بوست، يفضل القول إن “القراء يستحقون لقطة واحدة وواضحة على الحقائق”، حتى يتمكنوا من تحديد من هم الرجال الصالحون ومن هم الأشرار. ولكننا وفق الكاتب ديفيد اغناتيوس حتى في أفضل أيامنا، فإننا لا نفي دائما بهذا الاختبار العسير.

الأسبوع الماضي صدرت صحيفة النهار اللبنانية بيضاء بلا محتوى في محاولة احتجاج لا معنى له، عندما تخلت عن الكلمة كأداة فعالة، فأصبحت بلا تأثير.

صحف عربية تقوم اليوم باستنساخ فكرة الصحف البريطانية كما هي وتصدر صفحات مترجمة لا جهد فيها غير الترجمة، في محاولة متأخرة لتغيير مزاج القارئ العربي.

كل هذه محاولات تدور على نفسها ولا تفتح طريقا واضحا للخروج من السوق المريضة، ولا تملك الصحف اليوم غير الامتنان الشديد للحلاقين الذين يجمعون الصحف لعرضها على الزبائن أثناء انتظار دورهم!