العالم يضحك على الافغاني الذي يركض حزينا وراء طائرة

سيُقال إن مشاهد المطار هي عار الأفغان وليست عار الولايات المتحدة. ولكن مَن صنع هذه الهزيمة المزدوجة. هزيمة الولايات المتحدة وهزيمة الشعب الافغاني؟


طالبان لا تنتمي إلى عالمنا ولا صلة لها بإنسانيتنا


حضروا إلى المطار لتوديع آخر فلول المحتل بطريقة فلكلورية حزينة


هل كانت واشنطن مهتمة بمصير الافغان حين غزت بلادهم وخلصتهم من حكم طالبان؟

مشاهد الأفغان وهم يحاولون امتطاء الطائرة الأميركية كما لو أنها عربة نقل يدوية لا تُنسى. إلى آخر نفس حاول الضحايا ألا يصدقوا أن القوة الأعظم في الكون يمكن أن تتركهم عزلا في مواجهة القوة الارهابية الأكثر فتكا في تاريخ الحركات الإرهابية في العالم.

لقد حضروا إلى المطار خفية وفي ظنهم أنه سيكون البوابة المفتوحة على العالم وستكون طائرات الديمقراطية التي غزتهم قبل عشرين سنة جاهزة لكي تقلهم إلى بلاد الحرية التي فشلوا في العثور عليها على أرض أجدادهم. كان هناك حدث غامض لم يفهمه الكثيرون منهم بحيث بدوا كما لو أنهم حضروا إلى المطار لتوديع آخر فلول المحتل بطريقة فلكلورية حزينة.

ليس بالضرورة أن يكونوا من المتعاونين مع المحتل. كان المحتل الأميركي حريصا على التأكد من مستقبل المتعاونين معه. لقد وزعهم على الدول الصديقة وأخذ النزر القليل منهم معه. ربما لكي يضعهم في متحف للخيانة. ولا أظن أن واحدا من كبار السن ممن عاشوا مرحلة حكم طالبان السابقة كان من بين ذلك الحشد الذي تسلق الطائرة. هم شباب صغار السن، ولدوا قبل الاحتلال بسنوات وعاشوا الجزء الأكبر من حياتهم في ظل دولة الاحتلال.   

عرفوا طالبان من الكتب والحكايات وذكريات العائلة والثقافة المدرسية التي تلقوها في ظل الدولة الجديدة التي أنشأها الأميركان وتعهدوا بحمايتها إلى الأبد رغبة منهم في إرساء النموذج الديمقراطي في بلد إسلامي عاش حروبا من مختلف الأنواع، بحيث امتزجت الصفات على الأفغان فصار العدو صديقا والعكس حدث أيضا.

طالبان التي حاربت عشرين سنة لم ترفع في حربها شعارا وطنيا واحدا. كان ذلك سببا مقنعا لكثير من الأفغان بأن يصدقوا بأن من خلع طالبان من الحكم انما جاء لحمايتهم. فشعب تحكمه طالبان هو حقا في حاجة إلى حماية دولية. ذلك لأن تلك الحركة الإرهابية لا تنتمي إلى عالمنا ولا صلة لها بإنسانيتنا وهي لا تعترف بأي من حقوق الإنسان وبقدر ما تزعم بقدسية السماء فإنها تستخف بكل ما هو أرضي إلا إذا كان له علاقة بالمخدرات. وإذا ما رفعنا غطاء الدين المتشدد سنرى أن الحركة ما هي إلا جماعة تتاجر بالمخدرات ليس إلا وعلاقتها بمافيا المخدرات الدولية أقوى من علاقتها بأي مؤسسة دينية. طالبان جماعة تقوم شريعتها على تغييب العقل.

وإذا ما كانت حركة طالبان في طريقها إلى إقامة دولتها الثانية برعاية عدوها الأميركي في ظل اتفاق الدوحة السري فإنها تعد نفسها بأن تكون مقبولة من جزء من المجتمع الدولي بشكل علني أما الجزء الآخر فإنه سيتعامل معها بطريقة ملتبسة. وليس هناك أسوأ من أن تتحدث دولة كبرى مثل الصين عن إعادة اعمار أفغانستان في ظل دولة طالبان الجديدة، كما لو أن الحركة صارت جاهزة للانضمام إلى العالم باعتبارها حركة تدعو إلى السلام والتسامح ونبذ العنصرية والحروب ورفع شعار الغفران وعدم اللجوء إلى العنف.

لقد بدأ النفاق العالمي الذي من شأنه أن يمحو صورة الإنسان الافغاني الذي كان إلى وقت قريب يتطلع إلى المستقبل ويحلم في أن يساهم في بناء الحضارة البشرية وأن لا يكون اللجوء مصيره. فيرى أن الأميركان الذين غزوه خلسة غادروا من غير أن يستفهموا عن مصيره. هل كانت الولايات المتحدة مهتمة بمصير الشعب الافغاني حين غزت بلاده وخلصته من حكم طالبان؟ لقد كان خلاصا مؤقتا كما تبين فيما بعد. لم يكن خلاصا في حقيقته بل كان تنفيذ مهمة وقد انتهت تلك المهمة.

سيُقال إن مشاهد المطار هي عار الأفغان وليست عار الولايات المتحدة. ولكن مَن صنع هذه الهزيمة المزدوجة. هزيمة الولايات المتحدة وهزيمة الشعب الافغاني؟ يعرف الأفغان أكثر من غيرهم أن بلادهم ستقع تحت احتلال سيكون أشد فتكا من الاحتلال الأميركي. ويعرفون أن الأميركان ما كان لهم أن يتخلوا عن أفغانستان لولا معرفتهم أنها ستمضي إلى الهاوية. لكن تلك الهاوية ستكون هذه المرة مغطاة بمباركة دولية. وهو ما يعني أن العالم كله سيكون ضدهم إذا ما حظيت حركة طالبان بالقبول الدولي على الطريقة الصينية. فالموقف الدولي مريب بكل معنى الكلمة. لا لأن أحدا لم يسأل الولايات المتحدة عن أسباب انسحابها بل لأن الجميع صار يتساءل عما يمكن أن تفعله حركة طالبان حين تستقر في كابول؟        

العالم يبحث عن مصالحه فيما تُرك الافغاني يهرول وراء طائرة.