العراق المتفائل يعود الى الواجهة

لم يعد الغطاء الإيراني الذي يجمع القوى الشيعية العراقية ويخفي خلافاتها موجودا.


تحول خطير يشير اما إلى إنحسار الهيمنة الإيرانية على العراق أو الحاجة للمعونة الاميركية


لأول مرة منذ الاحتلال يُتاح لواشنطن أن تجري حوارا مع عراقيين ليسوا مندوبين عن إيران


الكاظمي يعرف أن الخروج بالعراق من الوصاية الإيرانية هو عملية شاقة تحتاج إلى طول نفس

هناك أسباب كثيرة لعودة التفاؤل إلى الوضع في العراق. الجزء الأكبر من تلك الأسباب لا يزال نظريا غير أن تحوله إلى طاقة فعل واقعي يكاد أن يكون محتملا. فلأول مرة ومنذ الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003 يُتاح لسياسي لا يقف تحت المظلة الإيرانية أن يترأس الحكومة ويكون في الوقت نفسه قائدا عاما للقوات المسلحة.

ذلك تحول خطير يشير اما إلى إنحسار الهيمنة الإيرانية على العراق أو إلى حاجة الكتل السياسية الموالية لإيران إلى المعونة الاميركية للحيلولة دون انهيار الدولة العراقية تذكيرا بأن بأن تلك الدولة بنظامها السياسي الذي لا يزال قائما هي اختراع أميركي.

في الحالين يبدو مصطفى الكاظمي وهو رئيس الوزراء الجديد محظوظا. ذلك لأن الضغوط التي ستمارس عليه ستكون حذرة وغير مكترثة بالخسائر التي لن تؤدي إلى قلب طاولة الأحزاب التي ساهمت في تكريس الفساد عبر السنوات الماضية وعبثت بثروة العراقيين.

الكاظمي من جهته بدأ عمله بخطوات حذرة. قهو يعرف أن الخروج بالعراق من الوصاية الإيرانية هو عملية شاقة، تحتاج إلى طول نفس كما أنها تستغرق وقتا طويلا قد لا تتسع له فترة بقائه على رأس السلطة التنفيذية.

سيعمل بما هو ممكن. وهو كثير ما دامت الولايات النتحدة قد أبدت استعدادها للوقوف معه. ذلك موقف يعيدنا إلى مسؤولية الولايات المتحدة القانونية إزاء بلد احتلته ودمرت بنيته التحتية بعد أن حطمت دولته الوطنية.

الآن بعد أن تأكدت الولايات المتحدة من أن إيران لن تتدخل في التفاصيل صار في إمكانها أن تستعيد دورها الذي أجلت تفعيله لسنوات، كانت فيها إيران هي اللاعب الوحيد في المشهد السياسي العراقي.

لا يمكننا الحديث عن العراق الأميركي إذا لم يتمكن الكاظمي من اقتلاع الدولة السرية التي أسسها نوري المالكي من جذورها. ذلك أمر صعب ولكنه ليس مستحيلا. أتوقع أنه سيلجأ إلى الاستعانة بخبراء أميركان في الأمن الاقتصادي. وهو ما سيساعده على تفكيك ماكنة الفساد التي لا تزال تعمل.

وإذا ما كان الرجل لم يناد بالإصلاح فلأنه يعرف أن تلك الكلمة تخيف كل القوى السياسية الفاعلة على الأرض وهي قوى تملك ميليشيات متهورة.

يعرف الكاظمي أن ما هو مطلوب منه لا يقع في خانة الإصلاح بل هو تمهيد لانقلاب شعبي يهدف إلى تغيير النظام برمته. لقد شبع العراقيون قهرا وعذابا وألما وقسرا وحرمانا وتمييزا واضطهادا عبر سنوات التجربة الإيرانية وآن لهم اليوم أن ينتقلوا إلى تجربة أخرى.

لا بأس أن تكون تلك هي التجربة أميركية. فالعراق السياسي غير مستعد لصنع تجربته الخاصة إلا بعد عقد من الاستقرار على الأقل.

سيكون الكاظمي هو رائد تلك التجربة. اي التجربة الأميركية.

الولايات المتحدة من جهتها رحبت بذلك التحول حين بدأت بحوارها الاستراتيجي مع العراق. فهي تعرف أنها لأول مرة ومنذ الاحتلال سيُتاح لها أن تجري حوارا مع عراقيين هم ليسوا مندوبين عن إيران.

المسألة إذاً أميركية عراقية خالصة. ذلك واحد من أهم مؤشرات تأثير العقوبات الاقتصادية على إيران. من خلاله يمكن القول إن المنطقة برمتها ستشهد انفراجا قريبا يكون بداية النهاية للمشروع التوسعي الإيراني.

ما كان لإيران أن تتخلى عن هيمنتها السياسية على العراق لولا أنها فقدت القدرة على القيام بذلك.

لن يضطر الكاظمي إلى مواجهة القوى الموالية لإيران أو ما سمي بالبيت الشيعي متماسكة مثلما كانت في السابق. لم يعد الغطاء الذي يجمعها ويخفي خلافاتها موجودا. لذلك فإنها ستسعى إلى أن لا تدخل في صراع تعرف أنه قد يؤدي إلى هزيمتها.

الأن يمكن الحديث عن الضوء في نهاية النفق.