العراق ومساحات التحرك وسط الصراع في المنطقة

بغداد اتخذت موقف الحياد لتُبعد نفسها عن أي مواجهة أو استهداف من قبل الطيران الأميركي الذي يواصل متابعة الأجواء العراقية ويزود الطائرات الإسرائيلية بإحداثيات دقيقة لضرب طهران ومدن إيرانية أخرى.

شهدت الحرب الأخيرة بين إيران وإسرائيل حجم الخلل في المنظومة العسكرية، وخصوصًا الدفاعية منها، بعد انتهاك الطائرات الإسرائيلية للمجال الجوي العراقي، وهو ما أبرز المخاوف بشأن ضعف الدفاع الجوي العراقي باستثناء الخطابات البلاغية. ولم تبذل الجهات العسكرية العراقية جهدًا في وقف التحليق المتكرر للطائرات المقاتلة الإسرائيلية أو منع أي طائرة تنتهك الأجواء العراقية.

تُطرح الكثير من التساؤلات حول وجود الإرادة السياسية لدى القيادات العراقية في استخدام الأسلحة التقليدية للدفاع الجوي فعليًا لحماية سماء العراق من أي انتهاك، ولا سيما في ظل الصراع الخطير الذي تمر به المنطقة وخطر الانجرار إلى صراع إقليمي يُراد به إدخال العراق ليكون ساحة حرب للمتصارعين.

الواقع يُظهر أنه لا يوجد ما يثبت استخدام العراق لقدراته الدفاعية أو تفعيل دفاعاته الجوية، مما يشير إلى أن بغداد على الأرجح اختارت تقليص قدراتها العسكرية المحدودة لتجنب الدخول في حرب إقليمية أو اتهامها بالانحياز إلى أي طرف. وقد تأكد ذلك حين لم يعلن العراق سوى عن إسقاط طائرة مسيرة واحدة سقطت بالقرب من منطقة نفط خانة.

كما قامت الحكومة العراقية بتقليص عمل الدفاعات الجوية بشكل عام لوجود سيطرة شبه كاملة من قبل الطيران الأميركي على الأجواء العراقية، وهو ما تسبب في عجز الدفاعات العراقية عن صد أي طائرات تستخدم أجواءها. واتخذت بغداد موقف الحياد لتُبعد نفسها عن أي مواجهة أو استهداف من قبل الطيران الأميركي الذي يواصل متابعة الأجواء العراقية ويزود الطائرات الإسرائيلية بإحداثيات دقيقة لضرب طهران ومدن إيرانية أخرى.

أما الدفاعات الجوية العراقية حاليًا فتتكون في معظمها من أنظمة أميركية وروسية قصيرة المدى، بينما تحاول بغداد الحصول على أنظمة دفاع جوي استراتيجية، وقد طلبت من كوريا الجنوبية تزويدها بها. في المقابل، كانت الدفاعات الجوية العراقية قبل عام 2003 تعمل وفق أنظمة طبقية متكاملة، غير أن هذا النظام دُمّر بعد الغزو الأميركي، وخلال عشر سنوات لم تبذل الحكومات العراقية المتعاقبة جهدًا يُذكر لإعادة بناء قدراتها الدفاعية الجوية. ومع ذلك، طلب المسؤولون العراقيون عام 2013 نظامًا متكاملًا بقيمة 2.4 مليار دولار من واشنطن، ولم يتسلم العراق سوى ثمانية أنظمة فقط من هذا النوع.

وفي ظل تصاعد التوترات الإقليمية، أفادت تقارير بأن العراق أبدى اهتمامًا بتطوير قدراته الدفاعية لردع الغارات الجوية الإسرائيلية المحتملة على أراضيه، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة سعي بغداد الجاد إلى تعزيز دفاعاتها الجوية.

من جانب آخر، تعمل أنظمة الدفاع الجوي في دول الجوار بشكل نشط ومنحاز للغرب، في حين يظل العراق مقيدًا بانقساماته الداخلية وتوازناته الهشة بين الولايات المتحدة وإيران للحفاظ على تماسكه الداخلي قدر الإمكان. ومن المرجح أن يقتصر استخدام بغداد لهذه الأنظمة على الردع غير الاستفزازي بدلًا من التدخل الفاعل، خصوصًا أن على العراق أن يدرك أنه إذا حاول التصدي لإسرائيل فسيتم تدمير نظام دفاعه الجوي، وهو ما يجعل تكاليف المواجهة أكبر بكثير من محاولة الوقوف ضد إسرائيل.

وعليه، سيبقى العراق ممرًا مفتوحًا لسلاح الجو الإسرائيلي، لا سيما مع وجود احتمال كبير لمزيد من الضربات الإسرائيلية على إيران في المستقبل القريب تحت غطاء أميركي واضح، وهو ما يبعث برسالة صريحة أن العراق لم يعد يمتلك أوراقًا للتفاوض مع واشنطن. ويبقى مستقبل العراق مرهونًا بقدرة قواه السياسية على تحييد الدور الأميركي وبناء منظومة علاقات متوازنة معه، قادرة على تجاوز الخلافات بعيدًا عن لغة التخوين أو التشكيك.