العشق الصوفي من القرن الثاني الهجري إلى الخامس عشر

"ديوان العشق الصوفي" للشاعر والمترجم السوري أمارجي مقتبسات من اختياره تمتد من صوفية القرن الثاني الهجري إلى صوفية القرن الخامس عشر الهجري.


مقتبسات بعضها شذرات مكتملة الوهج من أقوال وحكايات، وبعضها نصوص طويلة وقصائد


رؤية كاشفة لامتداد تجليات العشق في الروح الصوفي في أحوالها المختلفة

تظل النصوص الصوفية لصوفيي الإسلام خاصة منذ القرن الثاني الهجري وحتى القرن الهجري الحالي نبعا فريدا لا ينضب من العشق الروحي والجمال الخاص، تزداد توهجا وفتنة وقدرة على النفاذ إلى المشاعر الإنسانية من زمن لآخر، لغة وتصويرا وحالا وجدانيا وروحيا، وقد حظيت ولا تزال باحتفاء واسع من الدارسين داخل الأكاديمية وخارجها، وتأثر بها الكتاب والروائيون والشعراء والفنانون التشكيليون والسينمائيون والموسيقيون والمغنون المحدثون.
وفي هذا الكتاب "ديوان العشق الصوفي" يقدم الشاعر والمترجم السوري أمارجي مقتبسات من اختياره تمتد من صوفية القرن الثاني الهجري إلى صوفية القرن الخامس عشر الهجري، وتشكل رؤية كاشفة لامتداد تجليات العشق في الروح الصوفي في أحوالها المختلفة، وهي مقتبسات بعضها شذرات مكتملة الوهج من أقوال وحكايات، وبعضها نصوص طويلة وقصائد. 
وقد اكتفى المؤلف بوضع عنوان يفصل بين كل قرن وما يليه "ذِكرُ من كانت وفاتهم في القرن الثاني الهجري" ثم " ذِكرُ من كانت وفاتهم في القرن الثالث الهجري"، وهكذا حتى "ذِكرُ" من كانت وفاتهم في القرن الخامس عشر الهجري"، وتحت كل عنوان جاءت أسماء المتصوفة؛ كل متصوف مع نصه أو نصوصه المختارة، وقد تجاوزت أسماء الصوفيين والصوفيات الذين ضمهم الكتاب المائتين.
افتتح أمارجي كتابه الصادر عن دار خطوط وظلال الأردنية بتقديم بعنوان "سديم النّاي.. مدار الأبنوسة" حمل رؤيته للغة والعشق الصوفيين، قال "لغة تثمل باللغة. فيضية، توليدية، شهوية، تحويلية، لا تخرق فحسب، بل تزعزع؛ ولا تزعزع فحسب، بل تفجر وتشعل. تبدأ مع الرمز، ولا تنتهي مع المجاز. اللغة الصوفية، بما هي صدم في اللغة، تطلب ليل اللغة، لمحة لجة أسرارها، وجُبَّ طواسينها. تعمل عملها في الأصول، في جذمور الكلام بأزليته الأولى، بعنصره الطبيعي الأول، تعمل فيه تليينا وتذويبا، ثم إلهابا وتفويرا، حتى يسمع للنسغ الصاعد دبيب نار، ولاهية تخرج إذاك ثمار اللامرئي على أبنوسة الشمول، خفيفة بإبهاتها، ثقيلة بمواجيدها، ترتجف حيرة وعشقا من ذلك الارتماء الحار واللامنتظر في طراوة العالم".
وأضاف "النسغ المهتاج هو العشق. هو اللزوجة الحارقة التي حلت في الناي. والناي، في علوه وإطلاقه، هو، تمثلا، مكان نفخ الوجود، فضاء الدفق الطلْعي، جوف الملاقاة الليليلة بين "طس" العاشق و"طس" المعشوق. 
إلى هناك حيث اللغة ليست بعد نظاما متجانسا، تمضي اللغة الصوفية، وتقيم جسدها في ذلك السائل الداخلي نفسه، لتقدم لنا فكرتها اللامألوفة عن اللغة. العشق واللغة الصوفية، إذا، حلا في الناي نفسه، وكل ما يصدر عن ذلك الناي من حي ومتحرك إنما هو، في آن واحد، صدى ذلك العشق، ولهيب تلك اللغة".
نماذج
** ذكر من كانت وفاتهم في القرن الثاني للهجرة
ـ  الحسن البصري
المحب سكران لا يفيق إلا عند مشاهدة محبوبه.
ـ مالك بن دينار
كنت أسير في بعض حيطان البصرة، فرأيت شابا مريضا، أشعث أغبر، مستقبلا للقبلة، يقول: قرة عيني طال شوقي إليك، وما آن أن ألقاك، فإلى متى تحبسني عنك؛ فقلت: يا شاب أهذا الوقت الذي يطلب فيه الأحبة محبوبهم؟ فقال: الحبيب في كل الأوقات موجود ليس بمفقود، بل هذا الوقت الذي تُظْهر الأحبة احتراقهم بحبيبهم، ويكشف المشتاقون كتمان سرائرهم بهيجان نيران الاشتياق إلى مناهم.
ـ سفيان الثوري
من أحب أفخاذ النساء لم يفلح.
ـ إبراهيم بن أدهم
هجرت الخلق طرّاً في رضاكا
وأيتمتُ العيال لكي أراكا
فلو قطعتني في الحب إربا
لما حنَّ الفؤاد إلى سواكا.
** ذكر من كانت وفاتهم في القرن الثالث الهجري
ـ أبو سليمان الدارني
ليس في الدنيا ألذ من النساء.
إنما تضر الشهوة من تكلفها، أما من أصابها بلا تكلف فلا تضره.
ـ  فتح الموصلي
من أدام النظر بقلبه أورثه الفرح بالمحبوب، ومن آثره على هواه أورثه ذلك حبه إياه، ومن اشتاق إليه زهّده فيما سواه.
ـ بشر الحافي
هب أنك ما تخاف، أما تشتاق؟ 
 

التصوف
أمارجي

ليس من المودة أن تحب ما يبغض حبيبك.
المحبة في عز المحبوب، ومشاهدة الحتف المجلوب، مع امتناع المطلوب.
ـ الحارث المحاسبي
المحبة هي ميلك إلى المحبوب بكليتك، ثم إيثارك له على نفسك وروحك ومالك، ثم موافقتك له سرا وجهرا، ثم علمك بتقصيرك في حبه.
ما الشوق عندك؟ الشوق عندي سراج نور من نور المحبة، غير أنه زائد على نور المحبة الأصلية.
ـ ذي النون المصري
لك من قلبي المكان المصون
كل لوم عليّ فيك يهون
لك عزم بأن أكون قتيلا فيك
فالصبر عنك ما لا يكون
ـ سهل التستري
النيران أربعة: نار الشهوة، ونار الشقاوة، ونار القطيعة، ونار المحبة.
فنار الشهوة تحرق الطاعات، ونار الشقاوة تحرق التوحيد، ونار القطيعة تحرق القلوب، ونار المحبة تحرق النيران كلها.
** ذكر من كانت وفاتهم في القرن السابع للهجرة
ـ نجم الدين كبرى
المحبة تورث الفناء، بل هو حقيقة المحبة وحاصلها.
الاستهلاك أثر المحبة. فأول المحبة طلب المحبوب للنفس، ثم بذل النفس له، ثم نسيان الاثنينية، ثم الفناء في الوحدانية.
نهايات المحبة بدايات العشق.. المحبة للقلب، والعشق للروح؛ والسر يجمع الأحباب، والهمة أثر الجمع.. قيل: ما نهاية هذا الأمر؟ قال: الرجوع إلى البداية؟ وبداية الأمر هذا الأمر، طلب الجنس للجنس، وهو نور ولطف منه. وذلك يورث التمني بالشهوة، والإرادة بالفؤاد، والمحبة بالقلب، والعشق بالروح، والوصل بالسر، والتصرف بالهمة، والصفاء في الصُّفة، والفناء في الذات، والبقاء به.. ونوره ولطفه من الأوّل إلى الآخر، بلا أول ولا آخر، باق به، طالب له.
ـ السهروردي 
المحبة هي حالة تصطلم ولا تنصرم، تأتي بغتة وتغِبُّ غبَّة، تجلب الغيرة وتورث الحيرة.
المحب يرى أن الفعل من المحبوب مراده واختياره، فيفي في لذة رؤية اختيار المحبوب عن اختيار نفسه، كما قيل: وكل ما يفعل المحبوب محبوب.
المحبُّ يذلُّ لمحبوبه ولمحبوب محبوبه.
ـ شمس التبريزي
متى وجد عشق، وجد إنسان.
اعمل في الحياة على أن تتعامل مع الناس ومع خالق الكائنات على أساس العشق.
على الإنسان أن يسعى لجعل نار العشق والمحبة أكثر اتقادا واضطراما.
ـ أبو الحسن الشاذلي
المحبة على الحقيقة من لا سلطان على قلبه لغير محبوبه، ولا مشيئة له غير مشيئته.
المحبة سر في القلب من المحبوب، إذا ثبت قطعك عن كل مصحوب.
الشراب هو النور الساطع عن جمال المحبوب.
والكأس هو اللطف الموصل ذلك إلى أفواه القلوب.
ـ فريد الدين العطار
عندما يصحو العاشقون مما هم فيه
يدخلون في صلاة أمام المعشوق
وأمام شمع جبينه، كالفراشات يحسرون
عن رؤوسهم ويقدمون مرفوعي الرؤوس.