"العصر الذهبي للديليفري": مأساة نفي الفعل الإنساني

مجموعة قصص أحمد عبدالرحيم تنتمي إلى  موقف فني معاصر في فنون الحكي ينتمي إلى تسريب معطيات فنتازية للواقع.


التواصل الإنساني يحتاج إلى التعاطف والحجاج لا إلى الغضب والجدال


التصحر العاطفي فكرة مركزية في القصص في عصر التشيؤ والآلية والمادية


رغم نفي الفعل، ومرآوية الواقع ومرارته، نجد شعاعًا من أمل

تنتمي مجموعة قصص "العصر الذهبي للديليفري" للقاص أحمد عبدالرحيم إلى  موقف فني معاصر في فنون الحكي ينتمي إلى تسريب معطيات فنتازية للواقع، تمثل ما عرف بالواقعية السحرية، إضافة إلى تقنيات قصصية منوعة.
وتتراوح قصص المجموعة بين الواقعية الفنية المحضة والواقعية السحرية والمحاكاة الساخرة، بما يدل على كثافة التجربة القصصية وتنوعها، ومن قصص الواقعية نجد قصة "خير الأصدقاء" وهي قصة مهمة في تأطير مغزى المجموعة القصصية، حيث مثلت كنز القصة بالتعاطف الإنساني النبيل (قاعدة القصة الذهبية: "لا تذهب بعيدًا عن الإنسان وأنت تكتب القصة"، أو كما يقول واسيني الأعرج للقاص: "تحسس الهشاشة الإنسانية الدفينة لكي تحرك مواجعنا وأشواقنا كقراء")، وهي تذكرنا بقصة "لمن أشكو كآبتي؟" لتشيكوف، حيث احتوت لحظات مضيئة إنسانية من البوح والإفضاء في لقاء عابر بين راكب التاكسي وسائقه، ورغم ذهول الوقت ونحره لكنها كانت دقائق قيمة من الحياة يقول: "عبرتنا نسمة باردة شقية" في جو معبأ بالصهد، والمأساة أنه لقاء عابر ولحظات منقضية، وأن صديقه الذي توحد معه "وشعرت أن دمنا واحد" تركه سريعًا: "في النهاية، أشار لي والإمتنان عيناه: إنت راجل طيب"، أجبته: "إنت راجل أطيب"، ثم حاسبته، خارجًا من التاكسي متجهًا في طريق، بينما يتجه هو في الآخر".
وقدمت القصة أن التواصل الإنساني يحتاج إلى التعاطف والحجاج لا إلى الغضب والجدال، لذلك حقق منجزات هائلة في أسرع وقت، فقد ألتقي الراوي بصديقه "ودمي يغلي" ثم التحول: "وفي لحظة، ارتخي ظهري، وخيم الإطمئنان على نفسي"، وأيضًا حرص الصديق على صديقه وتبادل النصائح القيمة بينهما: "ألا أصحب هموم البيت للعمل" نصيحة السائق للراكب التي قبل بها، ونصيحة الراكب للسائق "أني لا أعتقد صدق ما سمعته" في ضرورة التوثيق قبل إصدار الأحكام، ثم الحجاج "أكد اقتناعه بما لا يحتمل جدالا". 

تسريبات الخيال المجنح للواقع لا تخفي عن العين القارئة، ونجد أكثر القصص متشربة بالأسلوب الفني المختار

وتقدم القصة الشأنين الخاص والعام بهموم حياتية يومية وتنمر عاطفي واجتماعي عاصف ومرير، وهناك صورة آملة رغم جهامة نفي الفعل في القصص: "إن الغد يحمل نهايات تدريجية لكل ما نقاسيه، ونظن استحالته، واتفقنا أن الشعب – مع ذلك - سيتغير وإن كان هذا في عمر آخر متقدم لن نعيشه"، ومغزي القصة ومركزها في تأويلي: أننا نحتاج إلى التفاهم والإنصات والتعاطف والتقدير والنصيحة والتواصل الإنساني الدافئ والمثمر.
والتصحر العاطفي فكرة مركزية في القصص في عصر التشيؤ والآلية والمادية، وقدم لها تنويعات خاصة في الأسرة، في قصة "سهرة"، حيث "بعد اندفاع حار، ذقنا فيه ربيعًا طازجًا منعشًا، عادت لها بدانتها، وعاد لي تجهمي، لننام تحت صورة زفافنا المعلقة فوق الفراش منذ أعوام"، وفي قصة "الجهاز" حيث المعمل الذي يقصف عمر "الأب" يمثل رمزية للدنيا الشاغلة عن الرعاية العاطفية للأسرة، واستدعت عندي القصة مقولة من الطرافة الداكنة "إن الإنسان يقضي عمره كي يقوم بتدبير أموال لشراء أجهزة توفير للوقت!". وحضور الآخر قويًا في القصص (صديق / زوجة / جار / مدير / عابر / ...)، وتمثلات حالات عدة في الصلة مع هذا الآخر بين الإدبار والإقبال، والعزلة والإجتماع، لكن يسود معظمها انقطاع البث الإنساني.
والتصحر الإنساني ثمرة مرة من ثمار نفي الفعل في القصص، حيث فكرة الإختباء من المجتمع "السلبية"، والإنطواء عن أهوال الواقع وعواصفه الداهمة، وديليفري التغذية النفسية الممرضة، والشيخوخة النفسية، وتمثلات نفي الفعل صاخبة بقصص المجموعة تنحدر لهدم الروح تمامًا، والشواهد النصية ُكثر: "رأيت في لحظة تجل مليون فجر صافي في الطريق، ينكسرون ـجميعًا - لغروب كله غيوم، غيرت ملابسي واتجهت في سعادة عظيمة للنوم"، "ثم لم أكتب شيئًا"، "لقد قاربت نسيان فعل التكلم". ودائمًا نجد الهروب إلى القوقعة أو الانكماش في البيت والوحدة: "عدت إلى منزلي"، "عدت خائبًا إلى منزلي"، "عدت إلى صمت البيت الثقيل، وفراغه الشاسع". والقصص تجمل الإدانة لشخصيات تعاني العزلة والعجز: "يظل يغني بصوته الأقبح من العجز. متي سأنهره (أخرس؟)"، "الحب الذي لا يملكه الابن المراهق، والمشروع الاقتصادي المريح الذي عاش يحلم به الزوج ولا يحققه". 
ونفي الفعل في القصص، وتضخم غدة "الكسل والعجز"، كان مغزى قصص كاملة وتمثل كلي لهذه الفكرة، ففي قصة اسمها "اسمها" تحكي نفي الفعل لكن هنا في حالة متفردة هي حالة الإبداع، حيث استغرق المبدع في البحث عن اسم الشخصية في عمله الأدبي، وسقط في الانشغال بالماضي والاستسلام للقيود في اختياراته للاسم، ثم نسي فكرة القصة نفسها في الخاتمة، وقضي على إبداعه. 
وفي قصة "العاشق الخارق" نجد ثنائية الرقة والقوة، حيث العاشق لا يقاوم ويبكي على الطلل، ويستعذب "البكاء الحلو والنبضات الطازجة"، رغم أن سر قوته قبلة الحبيبة لكنه يتركها للقاسي الخارق الأعمي الذي يسحق الأبرياء، ونجد بالقصة استلاب الإرادة تحت شعار زائف من رضا الحبيبة، وحيث الورد بلا شوك يحميه.
وينعكس نفي الفعل أيضًا بالقصص لفكرة التسليع أو الآلية أو القولبة للإنسان، وتنميط روحه، وتحوله ذاته لنفاية مستهلكة، ولها دوال كثيرة بالقصص منها (البدانة المعجزة / الإنتفاخ / الشلل / سلب الروح "كيف العيش وروحك مسروقة منك؟" / النوم / التقوقع والعودة للبيت / الجمود والتثليج / التشوين "واضطر المليونير إلى العودة لحياته، مع تشويني في مخزن ما، لم أقدر أن أهرب منه لرصيفي القديم، لأن أطرافي تجمدت بالفعل" .. إلى آخره). 

Literary criticism
اللغة أتت عبر راوٍ ذاتي 

ونجد فكرة معروفة عن أنسنة الأشياء والكائنات غير الإنسان للتعزي عن تشيؤ الإنسان نفسه، بل حدث انتقال ثالث وتطوير مفزع بالعودة لتشيؤ الكائنات المؤنسة ذاتها، فيكون الاغتراب مركبًا والمحنة ماحقة، ففي قصة "الجسر" التي تقدم التحول في المجتمع الزراعي المنتج، نجد الحيوانات المؤنسنة "البقرة الطيبة والدموع في عينيها"، و"الجاموسة تشيح بوجهها وترجو الخلاص"، تتحول إلى آلات فاقدة الحس: (البقرة إلى عربة نصف نقل / العنزة إلى توكتوك / الجاموسة إلى سيارة لوري)، فحتى العزاء عن آلية الإنسان وتسليع مشاعرة تم سحقه بالتحول للآلية مرة ثانية، وخاتمة القصة ممتازة للحظة تنويرها حيث اصطحبت شخوص القصة كل آلية "وخرجوا إلى الطريق الزراعي والهواء يثير غبارًا صحراويًا عنيدًا" ليكشف عن الإنسان والوطن جميعًا.
وتسريبات الخيال المجنح للواقع لا تخفي عن العين القارئة، ونجد أكثر القصص متشربة بالأسلوب الفني المختار. كما نجد قصة الرمز الكلي "الكناية" أي يرتقي ويتعملق الرمز في القصة لتكون القصة كلها كناية، مثال قصة "النمر"، حيث النمر في تأويلي بالقصة هو الكراهية أو الغضب كمادة كاوية تأكل في الأناء الذي يحتويها أكثر من الأناء الذي تصب فيه، وحيث التنمر الاجتماعي "ضيق التنفس الاجتماعي"، والنار التي تأكل بعضها، ولحظة تنوير القصة أتت بالخاتمة: "لكني اكتشفت أني لم أحضر أي طعام للنمر طوال اليوم فانقض علي وأكلني". 
أما قصة المحاكاة الساخرة التي تعني عملًا أدبيًا يحاكي مصدرًا وفي ذات الوقت يعارضة بطريقة ساخرة في المعالجة، فنجد نموذجًا لها قصة المسلسل الأجنبي "صابون إلى الأبد"، حيث التلميح إلى قوة تأثير المسلسل الأجنبي المئوي الحلقات في الذائقة والسلوك الاجتماعي، رغم أن مادته الثقافية لا تناسب هويتنا، وبالقصة فكاهة الإفتتان بالأحداث الممطوطة غير المعقولة وغير الهادفة لحبكة أو قيمة، وحيث التزحلق على صابون العبث والتخدير الفني. ونموذجًا آخر قصة "0001" حيث محاكاة ساخرة لخدمة الطلب الهاتفي لسلعة الصداقة، وتسليعها، حيث الاختيارت لمواصفات صداقة معيارية، وتربو السخرية "... وانشغل الخط بإعلانات عن الشركة، وعرض لزوجتين كسولتين بنصف الثمن، وقريب مزعج مع ساندويتسات هدية، وابن سارق فوقه خطوط موبايل مخفضة".
أما بشأن اللغة فقد أتت عبر راوٍ ذاتي غالبًا بالقصص حيث يسرد همومًا وآلامًا خاصة وعامة، يحتاج معها للبوح. والحوار ليس ممسرحًا، ولكن مشغولًا في نسيج السرد ذاته من خلال إنتقاء العبارات المهمة والمحورية والمؤثرة والتي تشكل الحدث، وبلغة عامية غير مبتذلة. كما أتت تعبيرات فيها بيان، ومن الأمثلة: "طبطب علي حزني"، "أمتص غضبي بابتسامة رءوم"، "لماذا يموت هذا الشارع مبكرًا؟"، "الشارع المتعفن الجثة"، "كنت أبكي بكاءً متقدًا متصلًا"، ".. بتردادت صوتية تمضغ وجودك بأنياب قاطعة"، "البهجة الناصعة"، "لتلين أوقاتي، وتسافر همومي". كما نجد عبارات شعبية لها تداولية جارفة: "وخرج من المولد بلا حمص" عن سوبرمان لدى حرمانه من الميراث بقصة "أحزان". 
ورغم نفي الفعل، ومرآوية الواقع ومرارته، نجد شعاعًا من أمل، ففي قصة ذات اسم دال "صباح الخير" حيث "هذا الرجل يملك تلالًا من الطيبة، وشلالات من المحبة، وعددًا لا يحصي من شموس بأنواع متباينة"، يميل إلى فعل يرتكن للشعر والإبداع ليظل الأمل حيًا: "في جلستنا بدكانه، كان يترك باب مخزنه الفسيح مفتوحًا، لتتوهج شموسه، وتنطلق أشعتها عبر الممر، وضاءة دافئة، إلى كل أرجاء الشارع".