العوامي: في أعمالي رسالة للمرأة وتفاعلاتها مع المجتمع

امتثال العوامي تقوم بمزج بين التقنيات والعمل اليدوي، وتستفيد من الحداثة وقيمة وتميز العمل اليدوي، لتجمع بينهما في عمل واحد.


العوامي تعيش التجربة بكامل تفاصيلها قبل أن تدخل إلى المسطح الأبيض أو غيره من وسائل التعبير الفني


القراءة والاطلاع لعبا دورا مهما في تكويني الفني

الشغف بالفن التشكيلي وعالمه الممتلئ بتوهج اللون وحرية الخط وانفتاح الآفق التعبيري عن الذات والعالم سواء كان هذا العالم هو المحيط متمثلا في مسقط الرأس والوطن أو العالم ككون حافل بالحضارات والثقافات وما تحمله من خصوصيات، من هذا الشغف انطلقت الفنانة التشكيلية السعودية امتثال العوامي التي رأت مبكرا تجليات محيطها الحضاري والثقافي الإنساني والمجتمعي والمكاني، وتدرجت أعمالها الفنية وتنوعت بين الواقعية، التعبيرية، التجريدية، إلى المفاهيمية، حتى إذا تمكنت من تحقيق رؤيتها تجلت في خطوط وألوان وأفكار لوحتها والفيديو آرت ووسائل العرض الحديثة الأصالة والحداثة، هذا العالم الفني انعكست عليه كثيرا روح المرأة والمكان وما يلف محيطهما موروثات اجتماعية شعبية وثقافية وإنسانية.
حصلت العوامي على بكالوريوس التربية في الفنون من جامعة الملك سعود، وحصلت على الكثير من الدورات الفنية وشاركت في عدة معارض جماعية داخل المملكة وخارجها، من معارضها الشخصية: "بين الرماد"، و"لطفاً"، وشاركت في معارض إصدار نادر 5، ومعرض تراثنا حبنا 2، ولاود ارت 2014 و2015، ومعرض مفاهيم عام 2018.
العوامي نهمة في تطوير الذات حيث طورت فنها وثابرت حتى أصبحت مشاركة فاعلة في الحركة والساحة الفنية السعودية، وهي تقوم بتوظف موهبتها ودراستها والتطوير المستمر لإيصال رسالة وصفية عن المرأة وتفاعلاتها مع المجتمع وتطور ذلك التفاعل المستمر، مستمدة ذلك من خلال تجارب تعايشها اليومي، كما أنها راصدة ومتابعة شغوفة للوسط الفني السعودي والخليجي والعربي.

تقول العوامي نشأت في مدينة القطيف وهي مدينة تقدر الفن ويلقى لدى الأهالي اهتماما وتشجيعا، فخلال نشأتي كنت أعرف تماما ما أود عمله وما هو شغفي في الحياة، فمنذ صغري حرصت على رصد وتتبع الفن والبحث عنه في كل مكان، تعتريني الدهشة كطفل حصل على لعبة جديدة كلما شاهدت الأعمال الفنية، ودائماً أسأل نفسي كيف حدث كل هذا، كنت أغلق باب غرفتي لساعات لأقوم برسم صورة أو نحت طبشور سبورة المدرسة، كنت أفتح على صور الأعمال الفنية أو أنظر إلى الصور الموجودة على أغلفة الكتب والروايات أو داخلها محاولة تقليدها، وقد استمر هذا الشغف وكثرت التجارب ومع الوقت ومع ما يدور من حولي واطلاعي تبلورت واتخذت رؤيتي الفنية منحى واتجاها مختلفا.
وتضيف أن القراءة والاطلاع لعبا دورا مهما في تكويني الفني، بالإضافة طبعا إلى ما كان يدور من حولي في الحراك الفني الذي أعده المؤثر الأول، فدائماً ننصح بالتغذية البصرية والمتابعة للأعمال الفنية التي تعرض وعدم الانغلاق بل الانفتاح على العالم وتقبل الآخر واستيعاب ما يتم عرضه وتقديمه مع الحفاظ على الانتماء والهوية الخاصة بالفنان، فالفن دائماً كان مرآة للشعوب وما يدور فيها، فكل حراك فني كان مصاحبا لرغبة في التعبير عن رأي ومنطق، فالصورة أبلغ من الحديث أحياناً.
وكذلك البحث والتجربة، فالفن كغيره يحتاج إلى بحث ودراسة، فلكي تعرض فكرتك لا بد وأن تكون على دراية وعلم بما تقوم به، بالنسبة لي كنت دائمة البحث والرغبة في التعلم دائماً ولا أتوقف أبداً عن البحث والتعلم.
وترى العوامي أن الفن يحمل في طياته ما لا تستطيع قوله، وتقول: الفنان يوظف عدة أدوات لإيصال فكرة ربما تكون ريشة وربما تكون شيئا آخر، كانت بدايتي كالجميع أرسم ما حولي، وكبرت وكبر معي الشغف والبحث، ومع كل سنة تمر أجد نفسي أعبر عما يثير فضولي وتفكيري من خلال الفن فهو حوار عن الإنسان والعلاقات الإنسانية المختلفة، كنت "ملونة" تعتمد الألوان لغتها الأولى وانعكاس لما يحدث حولها، ويظهر هذا في معرضي "بين الرماد" حيث يعتمد على التعبيرية التجريدية، وبعد هذا تنوعت التجارب، وبدأت الأفكار والرؤى الفنية تطاردني بالتساؤلات: كيف يمكن أن أقدمها وأوصلها لوحات مشبعة بالفن والجمال إلى المجتمع، ظللت أبحث بين الخطوط والألوان والتشكيلات، الأمر الذي كان يفتح لي آفاق التجربة والتجريب، وهكذا هو الأمر شغف يملأني ورؤى ومشاهد تسيطر على تفكيري، ليذهب ذلك كله إلى اللوحة أو العمل الفني أيا كانت وسيلته حيث تتشكل الخطوط والألوان والأفكار والرؤى التي أود إيصالها لمجتمع المتلقين، فالمهم أن يصل ما أود قوله من خلال العمل الفني بغض النظر عن الوسيلة أو طريقة العرض.

فن تشيكلي
حياة مزدوجة 

وتشير أنها خلال حياتها اليومية ترصد ما يدور من حولها من تغيرات في المجتمع في المكان والإنسان، كيف كنا وكيف أصبحنا؟ اهتماماتنا ماذا كانت وكيف تغيرت؟ وتقول: في أعمالي أحاول أن أنقل بعضا من المواقف والمشاعر الإنسانية التي أمر بها بدأتها برصد النساء من حولي كوني امرأة أعيش معهن وأختلط بهن مختلفات ومتشابهات، فالاختلاط بمجموعات مختلفة من البشر يحمل لك العديد من الأفكار والقيم حيث ترى كيف تختلف طرائق التعبير بين الصح والخطأ، ويتأكد لك أن التعبير أمر نسبي يتغير من بيئة لأخرى ومن مجتمع لآخر. ربما تصادف أو تواجه اصطداما قويا أو تعجبا واندهاشا من بعض التصرفات، وفي الوقت ذاته تكون لدى الآخرين أمر عادي وغاية في السهولة، كيف نتقبل هذا؟ وكيف نتعايش معه مهما اختلفنا؟ في كل هذا نحن بشر نشترك في الهموم البشرية، كلنا من آدم ونحمل قلوبا تحب وتكره، شخصياتنا بها قوة وبها ضعف. كنت أرصد وأتابع وأنغمس في تلك الحالات الاجتماعية من حولي، فهي تشعرني بالدهشة، لأخذها بعد ذلك إلى الفن ليأخذك الفن بدوره إلى منعطف آخر يفتح عينيك واسعاً لتلج إلى بوابة تجوله بعدها بين كم هائل من المشاعر والأحاسيس والأحوال الإنسانية.
وتوضح العوامي أنها تنتمي للفنون المرئية سواء كان صورة أو تشكيلا أو عملا تركيبيا أو فيديو أو غيره، فهي وسائل للتعبير وإن تعددت واختلفت في طريقة عرضها! كيف تطرح فكرة وسؤال مع المتلقي؟ ربما في بدايتي اعتمدت التشكيل واللون لأعمالي، لكني اليوم ومع التجارب تغيرت طريقة عرضي للأمر حيث أبحث عما يمكنه أن يوصل أفكاري.
وتلفت إلى أن المرأة منذ بدأت بها أعمالي، وكانت العنصر الأبرز فيها. فاعتمدت المرأة بشكلها التقليدي في مدينتي وبحكم عملي واختلاطي بوسط يغلبه النساء، وكذلك تعدد واختلاف الأنماط والثقافات وددت لو أنقل بعض أنماط المجتمع الذي يعتبر مجهولا لدى البعض، تناولت النساء اللواتي مررن في حياتي، كثيرات يحملن نظرات مختلفة للحياة، ولكنهن جميعاً يشتركن في حمل هم كونهن نساء. 
وتوضح: عندما أتناول المرأة أتحدث عني، عن أمي، عن جدتي، عن خالتي، عن أختي، عن ابنتي، عن صديقتي، عن رفيقتي، عن زميلتي، عن طالبتي، عن مديرتي، عن نصف مجتمع لا يعلم عنه الكثير، ما بين محافظ على قيم وتقاليد وما بين جيل معاصر: هن أنا، وأنا هن، بكل المفارقات وكل الهموم وكل الضغوط، عندما أتحدث عن النساء أتحدث عن الإنسان بهمومه الصغيرة الكبيرة بحياته اليومية كيف يعيش في هذا العالم، فكلنا سواء مهما اختلفنا فنحن متساوون بإنسانيتنا ربما نرسم في خيالنا بعض الأحيان صورة عن ذلك المجهول، تعبر عن رأي شخصي بحت بينما هناك خلف هذه الأسوار الكثير من الحكايات والبطولات والأفراح والأحزان التي تتشابه في كل المجتمعات باختلاف قناعاتها وانتماءاتها القصص تتشابه وتختلف في آن واحد. 
وحول تأثير الواقع المجتمعي السعودي وتأثيره على رؤيتها الفنية، تقول العوامي "تتداخل في حياتنا العادات والتقاليد وكذلك الموروثات الشعبية التي نتناقلها كمسلمات، فتصبح جزءا منا وتؤثر في معتقداتنا وطريقة حياتنا وتحدنا في نمط معين وتربطنا به، خلال يومي ألتقي الكثير من الحالات الإنسانية، خلال عملي احتك بالإنسان البسيط الذي يمثل الشريحة الأكبر من البلد، هذا الإنسان يحمل الكثير من الأفراح والهموم البسيطة التي يشترك فيها مع الآخر بغض النظر عن بيئته وثقافته وطبقته الاجتماعية، كل هذا ألقى بتأثيره على أعمالي الفنية، فالفنان يتأثر بمحيطه فهو المحرك الأول لأعماله والمغذي الرئيسي لأفكاره، بالإضافة إلى اطلاعه وبحثه عما يود عرضه لينقل بذلك جزءا من مجتمعه وبيئته ويلفت النظر إليه.
وتضيف: نشأت في القطيف تلك المدينة التي تقدر الفنون وتهتم بها، وكذلك الفن في المملكة زاد الاهتمام به على كل المستويات، وأصبح الوعي الفني أعلى لدى المجتمع، ومع زيادة هذا الوعي يصبح المتلقي على قدرة أكبر على التفاعل مع الفنون بشتى أنواعها. وهناك مواسم فنية وفعاليات على مستوى عال ومشاركات من مختلف أنحاء البلاد، ونجد هذه الفعاليات عليها إقبال من أفراد المجتمع وكذلك زيارات مدرسية، فهناك تقدير للفنون على جميع الأصعدة. 
ومن جانب آخر فإن المشهد الفني التشكيلي السعودي في تنامي كبير بفضل تشجيع القيادة من خلال رؤية 2030 والتي تقود البلد نحو مستقبل عامر بالأمل والتقدم على مختلف الأصعدة والفن يلقى تشجيعا ودعما وتقديرا من الدولة وتقديرا على المستوى الدولي، والفنان السعودي اليوم حاضر في المحافل الدولية المختلفة معبرا عن بيئته ومجتمعه بأفضل صورة.

وتؤكد العوامي أن الحركة الفنية التشكيلية في السعودية تحتاج إلى جامعة متخصصة في الفنون الجميلة ومتحفا يحتوي على أهم الأعمال في تاريخ الفن السعودي من الرواد والمعاصرين، لجمع هذا الإرث الثقافي تحت سقف واحد. كما يحتاج إلى حركة نقدية فاعلة ومواكبة، حيث لا تكفي تلك المقالات أو المقابلات مع هذا الفنان أو ذاك، ونرجو مع التطور الحاصل حتما سنرى الكثير من التغيير على جميع الأصعدة الفنية.
وتشير إلى أنها تعيش التجربة بكامل تفاصيلها قبل أن تدخل إلى المسطح الأبيض أو غيره من وسائل التعبير الفني، ولا تفكر ماذا بعد هذا إلا عندما ترى آفاق العمل الفني وتتفاعل معها وتعيشها، فأجمل ما في العمل هو الدهشة التي ينتجها والتساؤل الذي يخلقه ويعمل على استثارة العقل والعواطف.
وحول أعمالها التركيبية تقول العوامي: أمزج ما بين التقنيات والعمل اليدوي، أستفيد من الحداثة وكذلك قيمة وتميز العمل اليدوي، لأجمع بينهما في عمل واحد لتكون قطعة فنية، ففي عملي المسمّى "أحجية" أتعرض لنساء وأناس يعيشون حياة مزدوجة مختلفة يطلون على العالم بعيون ترصد ما حولهم بدون أن يعي كل شخص، وبقدر ما هناك من اختلاف هناك الكثير من التشابه، وكل هذا تجل لنسيج مجتمعنا، فجمالنا بنقاط التقائنا ونقاط الاختلاف لدينا الذي يكون قطعة جمالية، فالتشابه والتكرار يولد الملل، فلا بد من اختلاف الإيقاع ليعطي جمالا، وهذا هو حالنا نحن البشر في مجتمعاتنا بقدر ما نسعى أن نكون متشابهين إلا أنه في اختلافنا الكثير من الجمال.