الغنوشي في الميزان بين حركته ومجلس النواب

الغنوشي لم يعد حريصا على مستقبل حركة النهضة داخل الحياة السياسية التونسية بقدر حرصه على تنفيذ أجندته الشخصية.


النهضويون على استعداد للتخلي عن الغنوشي باستثناء أتباعه


أهم سؤال: هل النهضة أحد فروع الإخوان أم حزب تونسي وطني


الغنوشي واجهة إخوانية ولن ينفع الحديث عن انقطاع صلته بالجماعة في تبرئة النهضة

لم يُهزم زعيم حركة النهضة الإسلامية في جلسة المساءلة غير أنه خرج منها أضعف مما كان عليه قبل انعقادها.
لم ينتصر خصومه عليه. ذلك مؤكد. بدليل استمراره في إداء مهام منصبه رئيسا لمجلس النواب التونسي غير أنهم باتوا أقوى بعد الخطاب الناري الذي ألقته عبير موسي زعيمة الحزب الدستوري الحر.

بدا واضحا أن ما بعد المساءلة أهم من المساءلة نفسها.
كانت المساءلة خطوة أولى في طريق ربما ستكون طويلة، غير أنها لن تكون مليئة بالعقبات والعثرات كما يتوقع البعض ممُن يحذرون مكر الحركة وبالأخص المكر الذي تنطوي عليه أقول رئيسها وأفعاله.

سيكون السؤال المعلن "هل حركة النهضة أحد فروع التنظيم العالمي للإخوان المسلمين أم هي حزب تونسي له برنامج سياسي وطني؟" فاتحة مواجهة بين الأحزاب والتيارات السياسية الوطنية وحركة النهضة.

مع اللائحة التي ينوي الحزب الدستوري الحر تقديمها إلى مجلس النواب والتي تتعلق بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين باعتبارها تنظيما إرهابيا ستواجه الحركة ذلك السؤال الذي ظل مؤجلا وكان الغنوشي بشخصه يلعب بين فراغاته من غير أن يقدم جوابا واضحا ومحددا.

بالعودة إلى تاريخ الحركة الفكري فإن منطلقاتها النظرية لا تخرج عن نطاق دائرة أفكار جماعة الإخوان كما أن علاقات الغنوشي الشخصية برموز الجماعة ومن ثم التنظيم العالمي تؤكد الصلة الوثيقة التي تربط الحركة بالجماعة.

ستحرج اللائحة إن قُدمت الغنوشي وأتباعه في حركة النهضة. ذلك مؤكد. غير أن ذلك الاحراج لن يكون بذلك الحجم الذي سيدفع بمجلس النواب إلى الموافقة عليها. فالحركة وإن كانت تمر بمخاض تحول عسير فإنها ستظل حريصة على عدم الاعتراف بهزيمتها من خلال إعلان براءتها من الجماعة الأم.

ذلك يتطلب زمنا، تكون عبره حركة النهضة مستعدة للتخلي عن منطلقاتها النظرية لتنضم إلى الحياة السياسية باعتبارها حزبا سياسيا تونسيا خالصا، لكن بشرط أن يعتزل زعيمها العمل السياسي. فالرجل هو واجهة إخوانية ولن ينفع الحديث عن انقطاع صلته بالجماعة في تبرئة الحركة.

هناك مفارقة غريبة اكتشفها أعضاء في حركة النهضة ستدفع بهم في وقت قريب إلى اعلان انشقاقهم عن الحركة. تلك المفارقة يمكن تلخصيها في أن الغنوشي لم يعد حريصا على مستقبل حركة النهضة داخل الحياة السياسية التونسية بقدر حرصه على تنفيذ أجندته الشخصية وهي أجندة إخوانية بالكامل.

ستنفع اللائحة في دعم التمرد داخل حركة النهضة.

في الوقت نفسه فإن تلك اللائحة ستدفع بتيارات سياسية ذات تفكير ديني إلى أن تتخلى عن تبعيتها لحركة النهضة داخل مجلس النواب.

تلك أخبار جيدة. ولكن الخبر الأهم انما يتعلق بامتناع نواب من حركة النهضة عن الدفاع عن الغنوشي في لحظة المواجهة. ذلك حدث غير مسبوق يؤكد أن الحقائق التي تم الكشف عنها كانت صادمة.

النهضويون على استعداد للتخلي عن الغنوشي. باستثناء أتباعه فإن أحدا لن يحيط به. فهو بالنسبة للأجيال الجديدة انما يمثل جيلا، صار التفكير في طريقة انتسابه الفكري أمرا صعبا.

الغنوشي لا يمكن القبض عليه في لحظة انتماء إلا إذا كانت تلك اللحظة إخوانية.

اعتقد أن خصومه في مجلس النواب لا يفكرون في إحراجه. إنهم يعرفون أن شيئا لا يحرجه.    

صار الغنوشي يتصرف كما لو أن الجميع على خطأ. لذلك فهو ينظر بسخرية إلى مَن يتهمه بالخيانة الوطنية بسبب اتصالاته الخارجية.

تلك مشكلة حركة النهضة أكثر من كونها مشكلة مجلس النواب. فالرجل الذي صار يمثلها في أرفع منصب في الدولة انما هو منقطع عن الواقع السياسي وهو لا يدرك خطر أن يخترق رئيس السلطة التشريعية قوانين الدولة.