الفكاهة وقت الخراب والدمار

القدر يطل على البشرية بوجه ضاحك، وكأنه يخرج لسانه لكل من يؤكد أن الحرب لا يمكن أن تنطوي على فكاهة.


الأرشيدوق النمساوي فرانتس فيرديناند كان شخصية رومانسية


الفِكْر الصبياني قد أجج الشعور بالتناحر

بمجرد ذِكْر مصطلح "الحرب" يقفز إلى الذهن صور ومشاهد للمعارك والدمار وإطلاق الرصاص وقتل الأبرياء، وجميع المشاهد المحزنة التي يتحول فيها كل جميل إلى بشع. وفي خضم تلك المآسي الشنعاء، يطل القدر على البشرية بوجه ضاحك، وكأنه يخرج لسانه لكل من يؤكد أن الحرب لا يمكن أن تنطوي على فكاهة؛ فالحرب والفكاهة مصطلحان لا يمكن أن يمتزجا Don’t Mix، كالزيت والماء. ولكن القدر اللعوب الّذي يبهرنا بمفاجآته يطلق ضحكاته وهو يؤكد أن الفكاهة تخلق لنفسها مكانا حتى في أحلك لحظات الحرب؛ لتبرهن أن الحرب والفكاهة من الممكن مزجهما Do Mix. 
ضرب لنا العالم في الحربين العالميتن الأولى والثانية، مثالًا لمسرحية من فصلين يتخللهما مشاهد هزلية. وعند تناول الحرب العالمية الأولى بالبحث نجد أنها وحدت شعوب الأرض على هدف واحد، وهو "إشعال فتيل صراع مهلك؛ بسبب التناحر على المستعمرات والخيرات المجلوبة منها"، والغريب أنهم من اتفقوا على فكرة الاستعمار، ولكن بعد اكتشاف التباين في كم الغنائم التي يجنيها كل منهم، صاروا كأطفال يخطط كل منهم لسلب مكتسبات الآخر والاستحواذ عليها. وأدي هذا السلوك الصبياني إلى تصدير حرب مريرة عاني منها العالم على مدار أربع سنوات وثلاثة أشهر (يوليو/تموز 1914 – نوفمبر/تشرين الثاني 1918)، واشترك فيها نحو مليون جندي من جميع أنحاء قارات العالم، وقدرت الخسائر في الأرواح إلى ما يربو على أربعين مليون جندي ما بين قتلى وجرحى ومفقودين.
ولئن كان الفِكْر الصبياني قد أجج الشعور بالتناحر، فلقد نزع فتيل الحرب موقفا كوميديا من الصعب تكراره تاريخيًا، لكنه كان السبب في قيام "الحرب العظمى" The Great War التي قسمت أوروبا في شكلها الحالي. والسبب المباشر لقيام الحرب شاب بوسني من أصول صربية يدعى جافريل برينسيب Gavril Princip يحزنه تداول بلده من إمرة السيطرة العثمانية لتنقل تحت سلطة الإمبراطورية النمساوية المجرية، دون اعتبار أن البوسنة سلافية الأصل. وبسبب نزعة جافريل برينسيب القومية كان مؤمنًا بفكرة أن البوسنة والصرب وكرواتيا وباقي شعوب منطقة البلقان تنتمي للعرق السلافي، ومن الواجب توحيدها كشعب واحد تحت السيطرة اليوغوسلافية، وليس النمساوية التي يعتبرها برينسيب عدوًا. 
في عام 1914 ذهب جافريل برينسيب إلى بلجراد عاصمة الصرب، وانضم لتنظيم "اليد السوداء" The Black Hand الذي يكن الكره للنمسا التي تُجحف حقوق الصرب. وكانت عقيدة التنظيم الإيمان بأن الاغتيالات السياسية هي السبيل لإثارة الفوضى في النمسا وإسقاطها. وحدد التنظيم هدف الاغتيال ليكون الأرشيدوق النمساوي فرانتس فيرديناند Franz Ferdinand، ولي عهد إمبراطور النمسا والمجر والوريث الشرعي لعائلة هابسبرج Habsburg الحاكمة للإمبراطورية التي تضم تحت جناحها إمبراطورية شاسعة تضم أعراقا وجنسيات مختلفة، وتهيمن على معظم أجزاء أوروبا. 
والمفارقة أن الأرشيدوق النمساوي فرانتس فيرديناند كان شخصية رومانسية، لا توافق على بطش عائلتها بالأعراق الأخرى وخاصة السلافية، وكان يؤمن بالمساواة لدرجة أنه تزوج فتاة من عامة الشعب، وكذلك كان يعتقد أنه يتحتم معاملة السلافيين بشكل أفضل لاحتواء غضبهم حتى لا تتزايد رغبتهم الانفصالية. وبالرغم من محاولاته الحثيثة للإصلاح، لكنه كان مستهدفًا، وكان الحظ يعانده. 

وفي يوم 28 يونيو/حزيران 1914 كان لقاء الأرشيدوق النمساوي فرانتس فيرديناند بالشاب ذي النزعة القومية جافريل برينسيب حينما قرر الأول عمل زيارة ودية للبوسنة، فاستهدفه تنظيم "اليد السوداء" وأرسل ست أشخاص لاغتياله، فدججوا أنفسهم بالسلاح والقنابل وتصافوا على طوال مسيرة الأرشيدوق من بلجراد للبوسنة. ولعب الحظ دورًا لصالح التنظيم حينما قرر الأرشيدوق أن تكون السيارة التي تقله في مسيرته مكشوفة لتسهيل التلاحم مع الشعب، وعمل دعاية راقية للنمسا كي تظهر أنها ليست غاشمة، كما يتصورها الشعب البوسني. وبمجرد مرور السيارة على أحد أفراد تنظيم "اليد السوداء"، بسهولة ويسر قام بقذف قنبلة على السيارة دون أن يكشف أمره أحد. لكن ما حدث كان أمرا فكاهيا يشابه ما يحدث في أفلام الكارتون؛ فبدلاً من أن تنفجر القنبلة في سيارة الأرشيدوق وتودي بحياته، إرتدت القنبلة خارج السيارة بعد دخولها، وكما لو كانت كرة مطاطية، ثم انفجرت بعيدًا عن السيارة وقتلت وأصابت بعضا من الحراس. 
وبعد نجاة الأرشيدوق من محاولة اغتياله ذهب لدار البلدية وعبر عن استيائه مما حدث. ومن منطلق شخص الأرشيدوق فرانتس فرديناند اللطيف، في طريقه للعودة قام بزيارة جرحى ومصابين حادث القنبلة في المستشفى. وفي صدفة فريدة تثير الضحك والسخرية في آن واحد، كان يتواجد قرابة المستشفى جافريل برينسيب المحبط من جراء فشل محاولة الاغتيال. وفي مفارقة مضحكة قد لا تتكرر مرة أخرى في التاريخ مرت سيارة الأرشيدوق ليس فقط من أمام المطعم الذي كان يتناول فيه برينسيب طعامه، بل أيضاً من أمامه. وبكل سهولة ويسر ودون تردد، ترك برينسيب الطعام وأخرج مسدسه، ثم اغتال الأرشيدوق وزوجته. 
وكحركة انتقامية وإمعاناً في السخرية، أعلنت النمسا أن ذلك بمثابة الدعوة للحرب من قبل الجانب الصربي المثير للاضطرابات التي كانت تتحين النمسا الفرص لإعطائه درسا قاسيا ليكون عبرة لكل دولة تحاول الانفصال. ورغبة في الانتقام، أرسلت النمسا للصرب إعلانا بمطالبها التي لو قبلتها الصرب لسوف تصير فعليًا تحت السيطرة النمساوية، وإن لم تقبلها لسوف يكون ذلك بمثابة موافقة على شن النمسا حربًا عليها كما تَنْشُد. وحتى تجعل النمسا عدوانها على الصرب مشروعا قامت باستشارة حليفتها ألمانيا تليفونيًا التي وافقت على الفور على إعلان النمسا الحرب على صربيا، وسميت تلك الموافقة تاريخيًا بـ "شيك على بياض" Blank Check. فألمانيا حليفة النمسا وأسرة هابسبرج لم تكن تتوقع أن تتسع دائرة الحرب لتشمل أوروبا والعالم، لدرجة أن إمبراطور ألمانيا ترك النمسا تدير الحرب، بينما ذهب هو في رحلة بحرية. 
وكما هو متوقع، رفضت الصرب مطالب النمسا، لكن قبل إعلان الرفض تأكدت أن تجعل من روسيا حليفًا لها، والتي كانت بدورها على يقين تام أن ألمانيا تدعم النمسا في حربها، مما تسبب في ما يعرف تاريخيا بأزمة يوليو 1914، والتي أدت بدورها لاندلاع الحرب في أوروبا والعالم قائمة على ظنون وألاعيب أغلبها مغلوطة.
ووطأة الكوميديا كانت تشتد كلما طالت سنوات الحرب، فظهر خونة ووطنيون، وجنود متحالفون من معسكريين متناحرين، وغيرها من القصص التي حتى امتدت لبطولات ومآسي حرب الرايخ الثالث. 
كوميديا الحرب هي أكبر مصدر للضحك، لكنه ضحك أسود؛ لأنه ممزوج ببكاء وألم وقتل ناجم عن عدم القدرة على استبصار عواقب أفعال أنانية تسببت في دمار عالمي شامل.