الفن والتنبؤ بالمستقبل

إن الفن مرآة للحضارة وانعكاس للآمال والتطلعات وكافة نوازع النفس البشرية التواقة للكمال والقوة.

الفن مرآة للحياة وانعكاس للواقع ونبض للمجتمع، ولا يتصور أمة تسعى للنهضة من دون فنون، لعل أجملها وأكثرها تطورا وقدرة على إيصال الرسالة والتأثير على الثقافات والاهتمامات العامة هي الفنون البصرية كالمسرح والتلفزيون والسينما بأجناسها المختلفة، وترتبط الأعمال الفنية بالأدب ارتباطا وثيقا، لأنها في الغالبية العظمى من الأحيان تكون نتيجة لقصص قصيرة أو روايات أو حتى قصائد شعرية، كما كان من أمر الشاعر المغربي ياسين عدنان حيث تحولت عدد من قصائد ديوانه "رصيف القيامة" إلى مسرحيات كمسرحيتي "أوتوا الصراط" و"كفر ناعوم"، والعمل الأدبي في جوهره عبارة عن فكرة أو رأي أو طموح أو رغبة أو حاجة أو مشاعر مكبوتة متصلة بنزعات إنسانية مختلفة كالثورة على الواقع أو الرغبة الدفينة في ممارسة التغيير، ولا يمكن لكاتب العمل الأدبي أن يخرج من بيئته وثقافته بكل ما تحمله منه من تفاعلات وإرهاصات وما تحويه من عناصر تطور أو عناصر تخلف معيقة للنهضة وتحديات وصراعات دائمة ومستمرة، تنعكس على العمل الفني بشكل مباشر وغير مباشر.

وطالما كان جوهر العمل الفني عمل أدبي في الغالب فإن العمل الفني في جوهره فكرة تحولت إلى نص أدبي، والفكرة منتج من منتجات النفس البشرية ونتاج لخلجاتها وأمالاها وآلامها وطموحاتها التي تتصف بتحدي الواقع والسعي نحو تجاوزه والعمل على تغييره من خلال طرح ما هو متاح أو غير موجود، بمعنى آخر فإن العمل الأدبي وبالتالي الفني يساهمان مباشرة في النهضة من خلال معالجة احتياجاتها ومتطلباتها، في نفس الوقت فإن العلم يشارك العمل الفني في الآمال والطموحات والحاجات والرغبات لأن كلاهما يتحركان في بيئة واحدة، مهما تعددت شرقا وغربا، فكافة سكان المعمورة ينتمون إلى ثقافة واحدة وإن تعددت، وإلى حضارة واحدة مهما تنوعت.

والأفكار التي تنتجها أدمغة البشر الآلاف منها تحولت إلى حقائق مادية راسخة في مختلف اتجاهات العمران البشري، وعليها قامت الحضارات المختلفة وصولا إلى حضارتنا الراهنة بكل ما أنتجته على مختلف الأصعدة والحقول والاتجاهات، ولا زالت ترفد الحضارة البشرية بالمنتجات ذات الإمكانيات الكبيرة والاستخدامات التي تثري حياة الأمم والشعوب.

هذه الأفكار هي ثمار نشاط عقلي مذهل، هذا النشاط في ماهيته عبارة عن طاقة، وتحديدا موجات كهرومغناطيسية ذات طول وتردد، والطاقة كما هو معروف لا تفنى وإنما تتحول إلى أشكال مختلفة، وعندما يطلق أي دماغ بشري فكرة ما فإنه يطلقها كموجات تنطلق سابحة في الفراغ[1]، وبما أن دماغ بشري قد أطلقها فإنه من المنطقي القول إن دماغ بشري آخر قد يستقبلها، وبما أنها موجودة في الفراغ على شكل موجات كهرومغناطيسية مشفرة صادرة من دماغ بشري فإنه لا بد من أن فك شفراتها لا يكون إلا عبر دماغ بشري آخر، وعندما يستقبلها يفك شفراتها لتطرى على المستقبل فكرة جديدة لم تكن في الحسبان، ولعل هذه الفرضية قد تكون تفسير لظواهر ذهنية مرت على الكثير من الناس كالخاطر مثلا، وأبسط مثال له تفكير شخص ما مثلا بشيء معين فيفاجأ بأن الشخص الذي معه يطرح نفس ما فكر به، ومما هو مجمع عليه تقريبا في عصرنا أن الأفكار التي تصدر من العقول في ماهيتها عبارة عن موجات كهرومغناطيسية، أي  طاقة، والطاقة تقوم على قاعدة أنها لا تفنى ولا تستحدث، وإنما تتحول من شكل إلى آخر، ولعل هذا أيضا ما يفسر تشابه الكثير من المؤلفات العلمية والأدبية لعلماء وأدباء عاشوا في عصور وبيئات مختلفة[2].

وبما أن الفن انعكاس للحضارة والثقافة والنشاط البشري في كثير من الاتجاهات والأبعاد فقد ظهرت في الفن ظاهرة تستحق التوقف عندها وهي التنبؤ بالمستقبل أو استشراف المستقبل، ولكنه تنبئ من خلال الرغبة، أو الحاجة، أو التطور الطبيعي للأشياء (المبني أيضا على الحاجات المتجددة للمجتمعات الإنسانية)، فالتنبؤ الفني يختلف عن المفهوم التقليدي للتنبؤ الذي يعتمد على تقنيات علمية متفق عليها كتحليل الأحداث التاريخية، والبيانات، والاعتماد على الإحصاءات، وغيرها من عناصر علم التنبؤ الذي يدرس اليوم في عدد من الجامعات والمعاهد العلمية، أو حتى علم التنبؤ الماورائي الذي يعتمد على عناصر ما ورائية وغير حسية وهو علم مختلف عليه، حيث لا يعترف به العلم الحديث ولكنه منتشر انتشارا واسع النطاق في مختلف المجتمعات كتنبؤات المنجم الفرنسي ميشيل نوستراداموس صاحب المؤلف الشهير "القرون" الذي يعد من أشهر أسفار التنبؤات منذ القرن السادس عشر وحتى اليوم، ولا نتطرق للتنبؤ الفني بأحداث سياسية فقد يكون شائعا وسهلا نسبيا، فالتاريخ أحداثه ومواقفه تتكرر وتكون نتائجها واحدة في أغلب الأحيان.

والحاجات البشرية لا تقف عند نقطة محددة أبدا، بل أنها غالبا تتطور وتتغير باستمرار، نلاحظ مثلا تطبيقات الهواتف الذكية، لا يكاد أسبوع إلا وتتطلب تحديثا، هذا التحديث لا ينشأ من فراغ بل من أهمية سد ثغرة أمنية مثلا، وضرورة لمواصلة العمل على الأجهزة الحديثة مثلا، ومطلب أجمع عليه معظم المستخدمين مثلا.

وقد يأتي التنبؤ في الأعمال الفنية بعفوية أيضا، وهو ما يدعو للبحث والتقصي عن هذه الظاهرة الفريدة في النشاط الإبداعي البشري، من ناحية أخرى يقوم العمل الفني على بيئته وبكل ما تحمله من عناصر نشطة، إضافة إلى ثقافة الكاتب وما في دواخله من طموحات وآمال يشترك بها مع الآخرين قطعا، فلنأخذ أمثلة للإيضاح:

  • في المسلسل الكويتي "إلى أبي وأمي مع التحية" (1980-1981) يظهر مشهد في إحدى الحلقات الفنانة هدى حسين وهي تتحدث بالهاتف مع صديقتها فيفاجئها والداها الفنان الراحل خالد النفيسي ويعاتبها على استخدامها للهاتف لفترة طويلة بينما كان ينتظر مكالمة مهمة.

الكاتب هنا وهو المرحوم السيناريست الفلسطيني طارق عثمان تطلب منه المشهد إيجاد حل لهذه المشكلة التي كانت إحدى المشاكل التي يتعرض لها الآباء من أبنائهم، فطلبت البنت من أبيها إيجاد خط آخر لحل المشكلة، إلا أن الأب رفض بدعوى أن العائلة ليست بحاجة إليه وإنها مخطئة لاستخدامها الهاتف لفترة طويلة دون حاجة، وعلى سبيل التهكم والسخرية من الأب قال لها حسنا سوف اشتري خط خاص لك ولأمك خط ولكل واحد من إخوتك خط لكي تنتهي المشكلة وتتمكنين من التحدث مع صديقاتك دون أن يزعجك أحد!!.

بطبيعة الحال كان الحل الذي طرحه المؤلف على لسان الأب هو الحل الفعلي والواقعي ولكنه لم يكن متاحا في تلك الفترة بل كان في عداد الحلول المكلفة وغير العملية، وقد نطق به العمل الفني على لسان الأب على سبيل السخرية في مقابل الحل المطروح في تلك الحقبة وهو استخدام الهاتف باقتصاد وحكمة، ولكن لم تكن محدودية استخدام الهاتف مشكلة خاصة بفرد أو أسرة بل مشكلة كبيرة، لاسيما في ظل التطور الدائم في مختلف اتجاهات الحياة المدنية، فكانت الحكومات والشركات التقنية تعمل على إيجاد حل عملي لتوسيع وسائل الاتصالات وبتكاليف تناسب عامة الناس لتطهر الهواتف الجوالة والذكية، ما جرى على لسان الأب من سخرية على مطالب واحتياجات ابنته حدث فعلا، ولا شك عندي أنه لا المؤلف ولا المخرج ولا النفيسي ولا هدى ولا طاقم العمل الفني كانوا يتصورون أن ما ورد في هذا المشهد سيحول إلى حقيقة بعد ثلاثين عاما.

  • مثال آخر: تداولت مواقع التواصل الاجتماعي مشهد للفنانة الكويتية الراحلة مريم الغضبان في مسلسل لها صدر عام 1992 وهي تقول كلاما حير الجميع لأنه ببساطة تحقق بشكل مطلق إذ قالت: أيامنا غير أيام أبنائنا، وأبنائهم غير أيامهم، نحن أبناؤنا رباهم الخدم ولكن أبناؤهم سيربيهم الكمبيوتر، وكل شي يريدون عمله سيستخدمون الكمبيوتر.

قد يكون ما تفوهت به الفنانة الراحلة عبر هذا المشهد مجرد كلام عابر أتى في سياق العمل الفني وما تتحدث به ربات البيوت من مشاكل الأبناء، وربما جاء في سياق رسالة المسلسل الذي يبدوا أنه يتناول قضايا تربوية، ولكن لا يمكن إنكار أنه حمل رؤية استشرافية متقدمة للمستقبل، ونظرة أصابت الواقع إصابة دقيقة، فالأجهزة الإلكترونية التي تحولت إلى أجهزة ذكية لم تعد أداة للترفيه بل أداة لإنجاز الأعمال المختلفة، في مقدمتها التعليم والخدمات الحكومية والمالية، وليس هذا فقط بل أداة مهمة لتداول الأخبار والمعلومات والتواصل الاجتماعي، بما لا يمكن إخفاء تأثيراته التربوية والأخلاقية والقيمية على مختلف المستويات، لاسيما مع ظهور تقنيات الذكاء الاصطناعي وإنسان المحادثة الذي يتعامل مع الأفراد العاديين بطريقة بشرية مدعمة بآلاف المستشعرات وملايين المعلومات والبيانات التي تحدث بشكل مستمر، ولا شك أن له تأثيرات تربوية كبيرة على الناشئة قد تتجاوز تأثيرات الأسرة.

كيف تمكن هذا العمل الفني من استشراف المستقبل؟ هل كان صدفة ما جاء على لسان الفنانة الراحلة ولم يكن سوى مجرد نص عابر في سياق العمل الفني وضمن أحداثه؟ في النهاية إصابته للمستقبل مذهلا حقا، لعل الكاتب وقف على التطور السريع للأجهزة التكنولوجية كالحاسب الآلي وتيقن من أنها ستتطور بسرعة يشمل الكثير من جوانب الحياة، إلا أنه في النهاية قدم محتوى فريدا من نوعه خرج من بين مئات الأعمال ليدهش الجيل الذي جاء بعده بثلاثين عاما.

  • في عام 1961 عرض في فيلم "لا تطفئ الشمس" (1961) للفنان المصري الراحل أحمد رمزي مشهد يطرح فيه فكرة مشروع استثماري مشابه لنشاط شركات المواصلات "اوبر" التي ظهرت عام 2009 في الولايات المتحدة وانتشرت بعد ذلك شركات مشابها لها في كثير دول العالم، كانت فكرة النجم المصري في الفيلم تتمثل في عمل الموظفين في المشاوير الخاصة بعد انتهاء فترة عملهم ظهرا، بدلا من أن تضطر الأسر إلى استئجار سائق خاص براتب شهري، الفرق بين ما طرحه النجم المصري وشركات المواصلات في عصرنا هو أن ما طرحه هو الخدمة من خلال السيارة الخاصة للعميل، بينما شركات المواصلات تخدمك من خلال سيارات السائقين، في أحداث الفيلم الفكرة لم يكتب لها النجاح بسبب معوقات  قانونية وقيم اجتماعية ولكن صديق أحمد رمزي أشاد بها قائلا: "إنما هي فكرة حلوة ما خطرتش على بال حد أبدًا برافو عليك".

وقد صدق فعلا رغم أنها كانت فكرة في فيلم إلا أن رمزي وطاقم العمل لا أظن أنه خطر على بالهم أن الفكرة التي قدموها في الفيلم ستتحول إلى حقيقة بعد 48 عاما.

  • في مسلسلات الكرتون، خاصة القديمة منها، استشرافا للمستقبل، لأنها تقوم على الخيال لا الخرافة، أي أن ما تطرحه من خيال يقوم في أساس من العلم، وبالتالي يمكن أن يتحقق في يوم ما، عكس الخرافة البعيدة مطلقا عن العلم والواقع والتاريخ، مثلا مسلسل الكرتون الشهير "مغامرات الفضاء" الذي أنتج في منتصف السبعينات الميلادية، احتوى على الكثير من العناصر العلمية والتقنية والتكنولوجية التي لم تكن معروفة في السبعينات أو على الأقل كانت استخداماتها محدودة، غالبا ما تكون في الجوانب العسكرية والأمنية، منها مثلا الساعة الهاتفية التي استخدمها أبطال مختبر علوم الفضاء (د. امون والدوق فليد وكوجي وغيرهم) للاتصال ببعضهم.

هذه الساعة أضحت حقيقة بعد أن كانت خيالا من خلال ساعة آبل التي طرحت في الأسواق عام 2015، في المسلسل كان من ضرورات العمل الفني إيجاد وسيلة اتصال بين أبطال المسلسل، في تلك الحقبة لا توجد أية طرق اتصال لاسلكية فعالة، وخطر هجوم وحوش الفضاء قد يحدث في أي وقت والبطل دايسكي أغلب وقته في المزرعة وهي بعيدة نسبيا عن المختبر، فكان من الواجب على طاقم العمل الفني ابتكار وسيلة اتصال بين أبطال العمل لتظهر الساعة الصغيرة الحجم والتي توضع في معصم اليد بسهولة، ولكن من ناحية أخرى لم تكن هذه إشكالية خاصة بالمسلسل فقط، بل إشكالية يعاني منها الناس على الحق والحقيقة، فكان الاتجاه العملي هو ابتكار وسائل اتصال عملية وسريعة وآمنة وصغيرة الحجم فكان منها الساعة الذكية التي ظهرت بعد أكثر من أربعين عاما على صدور المسلسل.

في نفس هذا المسلسل (وفي مسلسلات أخرى مثيلة) عرض جهاز تكنولوجي مهم وهي الشاشات الكبيرة التي تشاهد عبرها المعارك بين جرندايزر وصحون الفضاء بشكل مباشر بواسطة المقراب المتطور، ويمكن لهذه الشاشات تسجيلها بغرض تحليلها سواء من طرف مخبر علوم الفضاء أو قوات فيغا المتحالفة، لم تكن تلك الشاشات قد صنعت بعد، أو كانت بدائية ونطاق استخدامها محدود، ولم تصل التلسكوبات الفضائية والأقمار الصناعية لهذه المرحلة المتقدمة التي نشهدها في عصرنا.

وقد ظهرت الشاشات الرقمية وأصبحت متاحة لعامة الناس منذ التسعينات الميلادية، فضلا عن إنتاج شاشات فائقة التطور للأغراض العسكرية والأمنية والعلمية، ليس هذا فقط فقد غذت كاميرات المراقبة في كل مكان وبتقنيات هائلة، وغدت الحروب يشاهد الناس أولى وقائعها وأحداثها وضحاياها على الهواء مباشرة وهم يشربون القهوة!، فثورات عام 2011 العربية كانت تنقل أحداثها على الهواء مباشرة، في المسلسل كيف سيعرف مختبر علوم الفضاء ما إذا كانت الطائرات التي رصدها الرذاذ صحون طائرة تابعة لقوات فيغا أن لم يكن يمتلك شاشة تمكنه من مشاهدتها؟ وكيف سيتمكن من رصد وتحليل نقاط قوة الغرندايزر والأعداء من دون إمكانية تسجيل المعارك بينهما؟ ولكنها لم تكن إشكالية في العمل الفني بقدر ما كانت حاجة ملحة عسكريا وأمنيا لا بد من إيجادها في يوم ما.

وفي المسلسل الشهير عدنان ولينا وهو أيضا مسلسل ياباني صدر كذلك في السبعينات، في إحدى حلقاته الأخيرة يظهر الدكتور رامي وهو في مكان ما في البرج الرئيسي بالقلعة مع حفيدته لينا وصديقيها عدنان وعبسي، حينها يضغط على أزرار بجهاز يحمله فيتحول المكان الفارغ إلى مكان جميل جدا، جبال خضراء وبقعة جميلة تسرح في أرجائها الناس والحيوانات.

واليوم ظهرت تقنية الهولغرام التي مكنت من إنشاء صور ومناظر تبدو حقيقة ووصل الأمر إلى ابتكار تقنية تحولها إلى صور متجسدة يمكن لمسها، ولا شك أن ما عرض في المسلسل ما هي إلا تقنية الهولغرام التي لم تكن معروفة في تلك الحقبة إلا بشكل بدائي.

قد يكون ما ظهر في المسلسل خيال بحت ولكنه قد يكون ألهم العلم على إيجاده والمعروف أن هذه التقنية تستخدم على نطاق واسع في الطب والتعليم والفلك، ولا شك أن الحاجة إلى ابتكار وسائل أكثر فاعلية للاستخدامات الطبية والتعليمية والاتصالات كان دافعا كبيرا للتوصل إلى هذه التقنية التي تتطور يوم بعد يوم، ما يدل على العلاقة الوثيقة بين الخيال والعلم، والفن هو الرابط بينهما دون شك، فكل من الخيال والعلم يقدمان في قالب فني، ليلهم كلا منهما الآخر، حيث يدفع العمل الفني العلم للمزيد من التقدم بما يقدمه من مادة مبدعة قد تكون قابلة للإيجاد على أرض الواقع، والعلم من خلال الفن يدفع الخيال لطرح المزيد من التصورات الإبداعية في حياة الإنسان لتخرج في النهاية هذه التقنيات الرائعة والتكنولوجيا المدهشة التي تخدم البشرية.

  • والشيء بالشيء يذكر فقد تداولت منصات التواصل الاجتماعي السعودية رسم كاريكاتوري للفنان السعودي علي الخرجي (1933- 2011) في أحد أعداد صحيفة الرياض عام 1972 يصور فيه سيارة واقفة بانتظار الإشارة الخضراء وصديق السائق يقول له إنه مثبت فيها كاميرا تصور الذين يقطعون الإشارة وهي حمراء وترسل لهم الصور.

في السبعينات الميلادية من القرن الماضي لم تكن تقنية كاميرات المراقبة في المدن منتشرة إلا في نطاق محدود، ولم تكن على هذا المستوى من التطور كما هي الآن، كانت معظم استخداماتها لأغراض أمنية عسكرية وعلمية محدودة، لعل الخرجي توقع أن تمتد استخداماتها للأمن المروري وأن تظهر في بلاده يوم ما، وبحكم اطلاعه وثقافته المتجددة توقع بتوظيفها في يوم ما حتى لو كان بعيدا، إذ لا يمكن وضع شرطة مرور لمراقبة السيارات طوال الوقت وفي كل مكان، وكان لا بد من إيجاد حلا ما، خاصة مع الزيادة المطردة في أعداد السكان والمركبات وزيادة مساحة المدن، فكانت في أصلها مشكلة عامة تواجه الحكومات.

ولا شك أن الاتجاه نحو تطوير كاميرات المراقبة والتوسع في استخدامها كان أحد الحلول المطروحة ولكن أن يطرح فنان تشكيلي رسم كاريكاتوري يتنبأ من خلاله بحدوث هذا التطور الكبير مذهلا حقا، والخرجي لم يكن فقط رسام كاريكاتير بل شخصية مثقفة وله حضور واسع، ولا شك أن لهذه الميزات أثار إيجابية على أعماله الفنية، ساعدته على نقد الواقع ومعالجة قضاياه واستشراف المستقبل بوعي وبصيرة.

  • في سلسلة "ستار تيك" الأميركية الشهيرة (بدأت عام 1966) ظهرت العديد من الأجهزة التي كانت في تلك الحقبة مجرد خيال أو ذات استخدام محدود جدا، منها استخدام جهاز للترجمة بهدف التواصل مع الكائنات الفضائية وتحديدا في الحلقة التاسعة من الجزء الثاني.

وقد ظهرت أجهزة الترجمة بالفعل ودمجت تطبيقاتها في الأجهزة الذكية بعد حوالي أكثر من أربعين عاما على ظهورها في المسلسل، من وجهة نظري أنه لو كانت الكائنات الفضائية قادرة على فهم لغة البشر لكان أفضل من إيجاد جهاز للترجمة، إذ لا يمكن صنع جهاز يترجم لغة غير مدمجة فيه، وأظنها سقطة لم تلاحظ في المسلسل، إلا أن ظهور الجهاز لا شك أمر مبهر، ولكن أعود وأقول إن إيجاد جهاز مثل هذا لم يكن فقط ضرورة فنية  بل كان حاجة ملحة في ظل انتشار آلاف اللغات التي يتكلم بها البشر، وقد تمكن العلم من إيجاد حل قوي للعوائق اللغوية بعد ظهور الأجهزة الذكية وقدرتها على حفظ ملايين الكلمات وترجمتها لمختلف اللغات.

وفي فيلم A Space Odyssey2001"" إصدار عام 1968 برز الجهاز اللوحي أو ما يعرف بالآيباد حيث أطل بطلين وهما يتابعان الأخبار من خلال شاشة مسطحة، حتى أن قضايا رفعت على شركة آبل بزعم أنها لم تكن أول من ابتكر الآيباد، لأنه ظهر في هذا الفيلم قبل أربعين عاما، ولكن المحاكم لم تقتنع بهذا الادعاء، إلا أنه من المؤكد ظهوره فعلا في عمل فني ألهم العلم لأن يجعله حقيقة، خاصة وأنه جهاز يمكن صنعه وقابل للاستخدام والاستفادة منه، وقبل إصدار الآيباد بحثت شركة آبل عن اسم مميز لجهازها اللوحي فتذكر أحد المتعاونين معها جهاز الــ"pod" الذي ظهر في الفيلم فكان الآيباد الذي يعرفه الجميع اليوم.

  • وظهرت في فيلم العودة إلى المستقبل (إنتاج 1985- 1989-1990) عدة أجهزة لم تكن معروفة من قبل أو كانت بدائية ومستخدمة في نطاق محدود، منها الألواح الطائرة التي طرحت في الأسواق عام 2015.

ويقال إنها بوحي مباشر من الفيلم، إذ عكفت بعض الشركات على صنع ما ظهر في الفيلم من أجهزة لم تبصر النور بعد، ومما برز في الفيلم وأصبح اليوم حقيقة معروفة للجميع الأبواب والأجهزة التي تعمل بلمسة الإصبع، والأحذية الذكية التي تقوم بربط الحذاء فور ارتداءه. والشاشات الذكية التي تستخدم للمشاهدة ولإجراء المحادثات والاجتماعات.

ومن أبرز ما جاء في الفيلم الإعلانات ثلاثية الأبعاد التي لم تكن معروفة إطلاقا في حقبة الثمانيات. وتقنية الألعاب التي تعمل بحركة اليد والجسم ظهرت في الفيلم قبل أن تظهر بشكلها المتطور وتنتشر عالميا في منتصف التسعينات من القرن الماضي. كما ظهرت في الفيلم مطاعم الخدمة الذاتية والتي ذاع صيتها بعد التوسع في استخدام الإنترنت والأجهزة الذكية بعد أكثر من ثلاثين عاما من صدوره.

وقد ظهر في الفيلم السيارات الطائرة وقد حاولت عدة شركات إنتاجها وهي موجودة بالفعل ولكن على نطاق محدود حتى الآن، فقد ابتكرت شركة أوروبية سيارة يمكن أن تتحول إلى طائرة في ظرف ثلاث دقائق فقط، وقد باعت تقنياتها لشركة صينية على أمل أن تتمكن من تطويرها لتنتشر في كافة أنحاء العالم.

  • في فيلم "AIRPLANE II: THE SEQUEL" (إنتاج 1982) ظهرت الماسحات الضوئية لكامل الجسم في المطارات والتي شاع استخدامها في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.
  •  ومن المعروف أن أول رحلة بشرية للقمر كانت عام 1969 إلا إن فيلم "Woman in the Moon" الصادر عام 1928 كانت أحداثه تدور حول رحلة إلى القمر، مما حول الفيلم إلى عمل فني استشرافي باهر لهذا الحدث الفريد الذي داعب مخيلة البشر منذ مئات السنوات وتحقق بعد أربعون عاما من صدوره.

إن الاسترسال في هذا المجال واسع جدا ويدل على أن العقل البشري قادر على النظر للمستقبل وإصابته، ورغم أن علوم التنبؤ والمستقبليات صارت اليوم تخصصات أكاديمية في أرقى الجامعات بالعالم إلا أن التنبؤ يدل على امتلاك الإنسان قدرات غير حسية ومهارات غامضة لا تزال مثار جدل لا ينتهي، بيد أن العلم والفن عنصران أساسيان في الحضارة البشرية، فالمعرفة تأتي عن طريق الحس والعقل، أما الفن فحالة إبداعية قائمة على الإلهام والخيال تؤدي إلى الوصول إلى الاقتراب من المعرفة إن لم يكن الوصول إليها، وإن الفن مرآة للحضارة وانعكاس للآمال والتطلعات وكافة نوازع النفس البشرية التواقة للكمال والقوة.

وقد كنت في التسعينات أتمنى أن أشاهد فيلما جديدا لعبدالحليم حافظ أو فريد الأطرش، بالطبع كنت أدرك أنهم أموات وأن هذا مستحيل ولكني كنت آمل إيجاد تقنية من خلالها يمكن إنتاج أفلام سينمائية لفنانين راحلين بكامل هيئاتهم وصفاتهم الشخصية، واليوم حدث هذا بالفعل من خلال تقنيات الذكاء الاصطناعي التي يمكنها إنتاج مواد فنية تحاكي الأحياء والأموات بدقة عالية، وقد شاهد الجمهور العربي عبدالحليم حافظ وأم كلثوم وهما يغنيان أمامهم على المسرح من خلال تقنية الهولوغرام، وربما في المستقبل القريب سنتمكن من إنتاج أفلام ومسلسلات يظهر فيها فنانين مضت عقود على وفاتهم وهم يؤدون أدوار البطولة فيها.

وراودتني فكرة منذ الألفية الأولى أن امتلك سيارة تتحرك ذاتيا وتنقلني من بيتي لعملي أو تسافر بي من دون تدخل مني، وتتلقى أوامر صوتية، ويمكنني أن أتحدث معها وأن آمرها بأن تتوقف للاستراحة في السفر أو تخبرني بأنها ستتوقف لتعبئة الوقود، وقد تحقق هذا فعلا، فسيارات القيادة الذاتية موجودة فعلا وزودت بعض السيارات بتقنية التحكم الصوتي، ولا شك بأنها سوف تكون متاحة للجميع في المستقبل المنظور، قد أكون قد تأثرت بمسلسل "سيارة عام 2000" الذي شاهدت بعض حلقاته في الثمانينات، ولكن لا شك أن هذه الأمنية تعبير عن الاحتياجات المتجددة والمستمرة لتطوير وسائل النقل في كافة دول العالم.

وفي هذا العقد أحلم بأربعة اختراعات أظن أنها ستظهر أو على الأقل اثنين منها في المستقبل القريب، الأول ظهور منتجات البقوليات كالفول والعدس والحمص والطعمية خالية من المواد المسببة للحساسية والتعرض لنوبة مرض نقص خميرة GSPD التي يعاني منه الملايين حول العالم، وأظن أن التقدم السريع في إنتاج الأطعمة المعدلة وراثيا سيعجل في إيجادها وستسعى شركات الأغذية لتوفيرها لتحقق أرباح كبيرة من خلال إدخال أكثر من نصف مليار إنسان لدائرة المستهلكين لمنتجاتها، مثلما تمكنت هذه الشركات من إنتاج المشروبات الكحولية من دون كحول، والغازية من دون سكر، وربحت منها أرباحا طائلة بإقبال مستهلكين جدد عليها، وللعلم كنت منذ زمن بعيد أحلم بتوفر غير البيبسي والسفن أب من دون سكر وقد تحقق هذا فعلا في السنوات الماضية، فظهرت الميرندا حمضيات والفيمتو من دون سكر ولم يبق سوى الميرندا برتقال والشاني! ليتحقق حلمي الذي راودني منذ سنوات طويلة!

وأتوقع أن تطرح في الأسواق أجهزة حفظ مياه ذات استخدام مزدوج، بحيث يمكن استخدمها شتاء لتسخين المياه، وصيفا لتبريدها، فالأجهزة الحالية خاصة في البلدان الحارة تستخدم في أشهر الشتاء القصيرة وبقية العام تبقى معطلة، فلو ظهرت مثل هذه الأجهزة ستكون إضافة نوعية مهمة سيستفيد منها الملايين حول العالم.

وأحلم أيضا بصنع قواعد جوية ثابتة في السماء، من خلالها يمكن أن تتزود الطائرات بالوقود وأن تجرى لها الإصلاحات في حالات الطوارئ، ويمكن تحويلها إلى منشئات سياحية، علاوة على استخدامها لأغراض علمية ومدنية مختلفة، ولا شك عندي أنها ستساهم في التقليل من حوادث الطائرات المميتة.

كما أحلم بجزيرة اصطناعية تحمل خصائص الجزيرة الطبيعية ولكن ميزتها أنها يمكن التنقل بها كأي سفينة، لا شك بأنها ستكون مشروع سياحي مذهل! ألا تتفقون معي؟؟!!

من يدري لعل أفكاري هذه تخرج الآن من دماغي لتنتقل في الفراغ كطاقة ويستقبلها شخص آخر ليعيد إرسالها لتبقى في حالة إرسال واستقبال وتتحول إلى مطلب وحاجة وربما طموح، ليشحذ العلماء والخبراء والفنيين همتهم ويخرجوها إلى الوجود ويسعدوا بها البشر، فالإنسان لا حدود لطموحاته وسيظل يبحث عن المجهول إلى أبد الأبد.

[1] حتى الصوت عبارة عن موجات صوتية تنطلق من اللسان والحبال الصوتية، تلتقطها إذن المستمع ثم تمضي في الأثير اللامتناهي، وهذا يعني نظريا على الأقل أن هناك مليارات الأصوات الموجودة في الفراغ ويمكن بامتلاك التقنية المناسبة سماعها وتسجيلها، وهذا ما يقوم به جهاز الردايو، إذ انه يلتقط الموجات الصوتية ويفك تشفيرها ويعيد بثها مرة أخرى، ولكنه مصمم فقط لالتقاط الموجات الصادرة من محطات البث، فلو تمكننا من صنع جهاز راديو أو ما شابه قادر على التقاط الموجات الصوتية في الأثير فسوف نتمكن من سماع آلاف الأصوات التي ظلت موجاتها محافظة على تماسكها وقوتها، وكان هذا الطموح احد عناصر مشروع حرب النجوم الأمريكي في عهد الرئيس الأسبق رونالد ريغان في ثمانينات القرن المنصرم.

[2] في مقالة للناقد والكاتب المسرحي المصري رءوف مسعد بعنوان "الأسواني ويوسا.. تداخل روايتين أم تأثيرات مباشرة؟" يتناول التماس الأدبي بين رواية "حفلة التيس" للكاتب البيروقي (جمهورية بيرو الأمريكية في أميركا اللاتينية) الصادرة عام 2000، حائز على جائزة نوبل للأدب عام 2010، وبين رواية "نادي السيارات"  للكاتب المصري علاء الأسواني الصادرة عام 2013.

تتناول رواية "حفلة التيس" سيرة الديكتاتور الدومنيكي رافائيل تروخيو الذي اغتيل عام 1961 بعد 31 عاما من الحكم التسلطي، بينما تتناول رواية " نادي السيارات" عدة محاور تصب في خانة قيم الحرية والحقوق المدنية والفساد واستبداد السلطة.

ويقارن مسعد بين العملين ويكشف عن تماسات أدبية واسعة النطاق منها:

في "حفلة التيس" تستنجد شخصية عضو سابق في مجلس الشيوخ الدومنيكي بشخص يدعى مانويل المعروف بأنه قواد الزعيم، ليتوسط له عنده ليعود للحظوة لديه، فيشاهد ابنته ذات الأربعة عشر ربيع، فيعجب بها ويساومه عليها إن كان يريد واسطته، فيوافق على تقديمها قربانا للزعيم.

التامس الأدبي: في الفصل السادس عشر من "نادي السيارات" نشاهد علاقة بين البريطاني "رايت" الأب والقواد "بوتشيللي" وهو احد العاملين في قصر الملك، كان في زيارة له في نادي السيارات في محاولة لإقناعه بقبول أن يأخذ ابنته لفراشه سيده.

في "حفلة التيس" اغتيل الديكتاتور الدومنيكي عندما كان في سيارته بوابل من الرصاص.

التماس الأدبي: في "نادي السيارات" يقدم الأسواني شخصية "قاسم محمد قاسم" المعروف بلقب "الكوو" كبير شماشرجية الملك، وهو المكلف بالاعتناء بمظهره ولباقته، وهو  الراعي لملذاته وشهواته، وقد قتل في قصر عابدين كبديل عن قتل الملك لكون قتل الملوك والمسؤولين الكبار في الدولة لم يكن أمرا شائعا ومن الصعب حبكتها روائيا.

وتتماس الروايتين في أن كلا من الديكتاتور الدومنيكي والملك المصري يشتركان في ممارسة الجنس مع الفتيات الصغيرات.

وتضمنت كلا الراويتين حوارات بين الأب وابنته ، لتبرير إرضاء كل من الديكتاتور والملك والفوائد التي ستعود عليهما منه، وفي كلاهما فشل الطاغيتان في ممارسة الحب معهما، فالديكتاتور الدومنيكي لم يتمكن من مضاجعة الفتاة، بينما تمكنت من الإفلات من الملك المصري بعد أن أوهمته بأنها مصابة بمرض معدي في حنجرتها .

وفي كلا النصين،  هربت الابنة في "حفلة التيس" إلى الولايات المتحدة، البلد المعادي لحكم الديكتاتور،بينما فرت في "نادي السيارات" من القاهرة ولجأت إلى حبيبها المصري الذي كان ينتمي لحزب معادي للملك.

وكان يذاع في إذاعة قطر برنامج عن التماس الأدبي والعلمي والثقافي بين علماء وأدباء ومبدعين تفصل بينهم مئات السنوات.