القوس العاطفي الروائي والأسرة العربية

رواية "أمينة" لإيمان ذهني بها حراك واختيارات إنسانية تعمل على تصعيد الحدث الروائي.


"أمينة" حققت مفهوم الحدث: الشخصية وهي تعمل


الرواية ذات ذرى متعددة بحبكة القوس القصصي أو نصف الدائرة المعروفة

لا شك أن المتعة الفنية هي سر الأعمال الأدبية الناجحة، وقد اتفق قطاع كبير من محبي الأدب ودارسيه حول أنها تعد من أساسيات النص الأدبي، وقد يتباين الموقف حول الثيمة الموضوعية، لكن توافر تلك المتعة يجذب القراء ويوحدهم علي تقدير الفن. وتوافرها يتحقق عبر وسائل منها الغموض الشفيف، وصياغة المسافة الجمالية بين أفق توقع القارئ والاكتشاف الروائي. 
ورواية "أمينة" للروائية إيمان ذهني بها حراك واختيارات إنسانية تعمل علي تصعيد الحدث الروائي، حيث مسار الأحداث في الرواية حتى فصلها السادس يحمل كسر أفق توقع القارئ عبر اختيارات الشخصية الرئيسة والمواجهة مع المجتمع. كما تحقق الرواية فكرة الجمع بين تقدير كل من (الحدث / الشخصية)، بمعنى منحهما معًا العناية السردية الواجبة، فالعنوان يشير إلى أنها رواية شخصية، بينما هناك مناقشات لمواضعات اجتماعية مهمة، بالتالي حققت الرواية مفهوم الحدث: الشخصية وهي تعمل.
إهداء الرواية يشير إلى العنصر السير ذاتي من خلال مفردة "استوحيت معظم الرواية"، ومفردة الإستلهام من أحداث حقيقية لا يعني أنها سيرة ذاتية، حيث الروائي يعمد لتخصيب روايته بالعنصر السير ذاتي كما يفعل من خلال عناصر أخرى، أما السيرة الذاتية الصرفة فتقوم علي الأساس المرجعي الخالص وبوثائق مؤكدة. وتتباين كثافة العنصر بين عمل وآخر، فالسيرذاتي هنا موقف فني "لمحة أسلوبية" وليس نوعًا أدبيًا.

جاء توتر القوس نتيجة إيثار ترويج الخاتمة السعيدة، والإحتفاء بعقار الحب الأسطوري رغم العاصفة الاجتماعية

الرواية ذات ذرى متعددة بحبكة القوس القصصي أو نصف الدائرة المعروفة، بداية من أزمة "أمينة" الأولي مع زوجها الأول "محسن"، حيث تم عقد الزواج سريعًا تحت ضغط عائلي، ثم مع تدفق الحياة الأسرية، ظهرت صفات كثيرة لم تكن تتوقعها: "التفكير مختلف، هي تفكيرها طموح من أجل رفع المستوي المعيشي لأسرتها، وهو تفكيره الاستكانة والسلبية وفقدان الطموح" (ص 10). وتبلغ الأزمة قمتها بالطلاق لتبدأ ملحمة المحرقة الاجتماعية للمرأة الوحيدة، وهو الطقس الثابت المؤسف في مجتمعنا العربي الكبير. لتجد "أمينة" نفسها بين خيارين أحلاهما مر، إما الفرار من المحرقة الطاعنة بالألم والقسوة واللهيب، وإما الاستمرار والمواجهة. لكن سرعان ما تستنيم للخيار الأول لتبدأ ذورة روائية جديدة.
الرواي في الرواية من النوع العليم "المستبد" كلي الإحاطة بالماضي والحاضر والمستقبل، ، ينقد ويمارس التعقيب، ويخاطب القارئ مباشرة: "وكما قلت لكم، أمينة زوجة صالحة ..". وتصل الهيمنة من الرواي قمتها بفقرة عجيبة في خاتمة الرواية حارت فيها العقول منتجة من رحاب التداعي: "أتمني أن أكون قد أسعدتكم أعزائي القراء وأبحرتم معي وغصتم ..." (ص 108).
ويتكافل مع الرواي العليم تقنية المناجاة عبر المؤشرات اللفظية المؤطرة لها، وهي كثيفة بالمبني الروائي، أمثلة: "بدأت تحدث نفسها" (ص17)، و (ص 22)، "حدثت نفسها وقالت" (ص 24)، "وقالت خواطرها" (ص79).
وجاء النفس الروائي عبر الإبحار داخل الذكريات الصاخبة بالأحداث، والتي تشكل المتن الروائي، من خلال تشغيل آلة الزمن السردية "تقنية الاسترجاع الروائي"، أو تسريب القصة الخلفية للشخصية الروائية الرئيسة "أمينة"، ولم يفطن القارئ لأي وقت تنتمي لحظة السرد الحاضرة. وجاء تجهيز البنية السردية من خلال الوصف الخارجي والنفسي، وتدشين الأزمة فورًا مع الزوج الأول "محسن". هذا الإيقاع الروائي السريع أتي بتصعيد الحدث الروائي، وفيه جملة من المنحنيات والاختيارات الإنسانية والتفاعلات الاجتماعية عبر مفترق طرق.
أما القماشة الروائية فرحبة سخية في مجال مشكلات الحياة الأسرية، فعن العمي الزوجي نقرأ: "وهو لا يرى ذلك ولا يعبر عنه كأنه أصابه العمي، لا يرى هذا الجمال الرباني، وهذه الروح الطاهرة أمام عينيه". وعن المرأة العاملة (ص 33)، وعن احتياجات الرجل: "إنت أم ممتازة وزوجة صالحة وجميلة ولكن .. أنا مش عايز كدة بس .. مش عايز الزوجة العظيمة اللي بتهتم بتربية أولادها وتنضيف بيتها أكثر من الاهتمام بزوجها .. أنا إنسان إناني عايز زوجة أكون أنا الأول والأخير في حياتها وبعد كدة أي شيء تاني يكون حتى ولو كانوا أولادي .. عايز زوجة أشوف فيها كل نساء العالم" (ص 72). 
ونقدات اجتماعية أخرى، أوضحها حرق المجتمع العربي للمرأة الوحيدة نفسيًا، والتنمر لاقتناصها ونهشها بلا رحمة، فهو "الطوفان" بتعبير الرواية، الذي يجرف المبدأ الأصيل. وهذه الحفاوة بأصول سليمة في التربية القومية على المبدأ ورعايته، جاء له داله الموضوعي من خلال شيوع مفردة الكرسي المتحفي "الأنتيك". ورغم أنها - طبقًا للتصنيف الأكاديمي - تعد "رواية قصيرة" لكن نجد الاستنساخ الروائي بالذروة الروائية الثانية، ووجود منقول شعري، وتدوين "خواطر" في المتن الروائي.
ومن فضائل الرواية حضور المثل الشعبي "حكمة الشعب" بقوة، سواء بصورة واضحة "ويا خبر بفلوس بعد ساعة هيكون ببلاش" (ص 28)، "وكأنك يا أبو زيد ما غزيت" (ص 52)، أو بصورة مضمرة، فالرواية بلسان الحال تقول المثل الشعبي: "ضل راجل ولا ضل حيطة" حيث الحماية للمرأة الوحيدة من العاصفة الاجتماعية الحالقة. 

متعة فنية
المسافة الجمالية بين أفق توقع القارئ والاكتشاف الروائي. 

وإضافة للمفردات الشائعة من حقل الجنوسة مثال "المجتمع الذكوري"، والتداولي مثال الأمثال الشعبية، نجد الثوب القيمي وإسدال السائر على الواقع من خلال حلم الحب اللذيذ الوردي، وترويج الخاتمة الروائية السعيدة "جدًا" وهو الأمر الذي يبتعد عن جدية وقسوة الطرح الروائي للمواضعات الاجتماعية الشائهة حتى ثلثي الرواية، لكن آثرت الروائية نفي تعكير الصفو، والرغبة في إسعاد القارئ، وتحقيق متعته التليدة بذائقة ألف ليلة وليلة العربية، وموافقة أفق توقعه في الثلث الأخير في الرواية، حيث بلغت القصة ضفاف الحل السعيد. ربما أتى هذا من رحاب سوق خلاصات وحكمة الحياة: "الحياة رغم قسوتها وآلامها والوجع الذي يصيبنا منها إلا أننا نعيشها لأننا ليس لدينا خيار آخر" (ص 19).
وأتت فكرة جودة الحياة وتثمير الأمان بصوبة المجتمع "الأسرة" وعمود خيمتها "المرأة"، بمشهد روائي حيوي بحركية الأمومة العذبة (ص 20) حيث إعداد الطعام وشئون البيت، وتعويض الأبناء عن الحنان المفتقد بالأب الغائب أو الأم العاملة، واللعب مع الأولاد رغم التعب، ومشورتهم في أمور تخصهم وأمور الأسرة والحياة: "وتعالوا يا حبايبي يا قرة عيني جمبي عشان نتكلم في موضوع يخصنا كلنا" (ص 45)، وفضيلة الاجتماع الأسري على الطعام، بحيث تعد الرواية "روشتة" وخارطة طريق لإصلاح الحياة الأسرية.
 كما ضمت توجيهات جيدة، منها الجلوس والعزلة مع النفس، وضرورة توافر فترة نقاهة بعد الأحداث العصيبة التي تمر بحياة الإنسان (ص 44). والمرونة في مواجهة الحياة والصبر عليها: "قد علمتني الحياة أن أصبر وقت الشدائد وأطاطيء للرياح حتى تمر بسلام لأن وراء كل ضيق فرجًا، ووراء كل طريق مظلم مصباح يضيئ" (ص 25). والتزين بالترتيب والإهتمام: "وتهتم بمظهرها كثيرًا حتى تشعر أنها على قدر من الجمال" (ص 28). والجانب الإيماني باللجوء إلى الله تعالى وسؤاله العون (ص 76).
والقماشة الروائية الممتازة كان يمكن إشباعها أكثر وحياكتها بصورة متمهلة، والصبر على إنضاجها أكثر برواية طويلة. وفي المقطع السردي السابع حدث الإنقلاب الروائي بالإبدال التام للراوي العليم وإزاحته تمامًا لحساب الرواي الذاتي، حيث قضي عليه بالضربة القاضية، بل يقوم بدوره فيما يناقض طبيعة الراوي الذاتي: "ومن هنا قرر أحمد بينه وبين نفسه أن يقف بجواري ويتحمل معي المسئولية" (ص105)، إذ كيف أحاطت "أمينة" بالخاطر وهو داخل نفسه، ولو عرفت من مرآة سلوكه فتعد هنا زائدة.
وتطرح الرواية فكرة "القوس العاطفي" والتي تتصل بالتمييز بين الشخصية الروائية المتغيرة والأخرى الثابتة، بمعني إبدال قيم ومواقف الشخصية الروائية، وكونها قابلة للتغيير نتيجة دراما الرواية. وبالرواية نجد إبدال موقف "أمينة" من حيث الاستجابة لقهر المجتمع والعودة لزوجها "محسن" في أزمة الرواية الأولي حماية لها من تنمر المجتمع. ثم تمردها وطلبها الطلاق بعد العودة الثانية. ثم قبولها بأن تكون الزوجة الثانية لأحمد زوجها الثاني، رغم أن زوجة "احمد" الأولي لم تقصر في حقه، في حين أن "امينة" نفسها رفضت الاستمرار مع زوجها الأول "محسن" حين أخبرها أنه يريد الاقتران بثانية، فكأن هناك أمينة أخرى، وجاء توتر القوس نتيجة إيثار ترويج الخاتمة السعيدة، والإحتفاء بعقار الحب الأسطوري رغم العاصفة الاجتماعية.
وجاءت لغة الحوار في الرواية بالعامية حتى في المناجاة، وهناك رأى أؤيده حول واقعية الحال لا واقعية المقال كلما أمكن ذلك، بمعنى موافقة السمات الثقافية للشخصية في حوارها، كما أرى ضرورة تدقيق المفردة والعناية بها، مثال مفردة "الإنترفيو" في الرواية، وأرى إبدالها بالمقابلة أو اختبار العمل. كما أتى الإرتقاء لشاعرية اللغة من بابا الخاطرة والنثر الشعري: "الحب كالنهر يحضنك بأمواجه ويسحبك إلى دوامة الحب حتى تهيم وتسرح فيه".