اللعب على أوتار اللغة في 'أشجار بلون الهديل'

الشاعر العراقي المغترب سعد ياسين يوسف يضيف بمجموعته الشعرية جديدا إلى سعيه للالتصاق بالشجرة، وجعلها تعويذةً ورمزا وعُشا وامرأة، وكأنه يعانق من خلالها الوطن والحياة.

بصدور مجموعته الشعرية الجديدة "أشجار بلون الهديل"، عن مؤسسة أبجد للترجمة والنشر والتوزيع لعام 2024 ، يكون الشاعر العراقي المغترب سعد ياسين يوسف، قد أضاف جديدا إلى سعيه للالتصاق بالشجرة، وجعلها تعويذةً ورمزا وعُشا وامرأة، وكأنه يعانق من خلالها الوطن والحياة، ولعل ذلك يطرح سؤالا عريضا حول سرّ هذا الشغف بالأشجار دون غيرها، بحيث أنه كرّس لها جُل مسيرته الشعرية التي امتدت لثلاثة عقود، والذي يزيد من حجم السؤال، هو أن الشاعر ينتمي جغرافيا إلى منظومة بيئية لا تمت بصلة إلى الشجر إلا بقدر ضئيل نسبيا، لأنّ بيئة جنوب العراق تتميز على الأغلب بقلة الشجر ووفرة النخل، في مساحات سهلية تسودها الأنهار وما يحيط بها من عشب، وكذلك الأهوار بما تطفح به من غابات القصب والبردي، وما يحفّ بها من غابات النخيل.

 ولكن لكل شاعر حريةَ الشغف بما يهوى. وهو كالفنان الذي يرتبط بلون معيّن يطغى على لوحاته، أو تيمة معينة ينهمك في الاشتغال عليها دون غيرها. ولعل نظرة سريعة إلى أغلفة مجاميعه الشعرية ومنها هذه المجموعة، سنجد الانصهار المطلق ما بين جسد المرأة في تفاصيله كهيكل للخصب والتكاثر  والشهوة والحياة، وما بين الشجرة في عطائها وجمالها وقدرتها على منح الخصب، مما يخلق حالة من التكوين الذي هو أقرب إلى "الحُلُول" بالمعنى الفلسفي، فالمرأة والشجرة تحلان في بعضهما، من أجل التجلي في أبهى صورة متخيلة يُبدعها الشاعر، ومن هنا يأتي عنوان المجموعة الشعرية متماشيا مع ذوبان بريق اللون بإيحاء الصوت "لون الهديل"، ليقدم لنا توليفة لغوية، تنصهر فيها الحروف بالمعاني، لتترك جملة من مشاعر نشوةٍ وانبهار، تثير شهية القارئ للولوج في هذه العوالم الشعرية التي تجلت في هذه المجموعة.

في قصيدته "شجرة الماس" يستحضر مدينة بغداد التي نعتها بالشجرة الماسية، حيث تمتد جذورها إلى عمق الوعي والاحساس بالانتماء منذ المهندس "ابن ارطأة" الذي أنتج  تلك المَعْلَمة برشِّهِ لرماد التأسيس، ضمن مقاسات كونية مدوّرة، لتصبح محورا وقبلة للدنيا في عصور ذهبية، ولكن "شجرة الشاعر" لم تنج من الغزاة الذي لوثوا ماءها، وغزارة علمها، وتَحَضّرَ إنسانها، بدلالة الألوان (الأزرق والأحمر والأسود) والتي عبّرت عن فجيعة الغزو المغولي الذي مزج بين زرقة مداد الكتب وحمرة دماء الضحايا، ولكنه همجية الغزو تتكرر في العصر الحديث من خلال العيون الهمجية التي انهالت على روح مدينة اتخذت هيئة طفلة تلوذ بالفرار من نيران الأعداء المتربصين. ثم يعود لدعوتها أن تنهض من جديد.

 "انبعثي

وتهادَي فو َق النَّهر،

وتحت الجسر وفوق القضبان المتكسرة في الساحة"

الشجرة في قصائد الشاعر ليست جمادا، بل كتلة من حَيَوات، تستشعر العالم من خلال مجساتها، فأغصانها ولحاؤها وجذورها تؤكد حضورها الذي يطغى على المشهد، فهي شاهدة على الحرب وضحيةٌ لها.  تلك الحرب التي "لا تطحن القمح للفقراء" بل تقتلع الحياة من جذور سكينتها، وتجعلها جحيما من الصواريخ التي تزرع الأرض بالموت، وقد بزغ بين فجوات الكلمات رعب التجربة حينما يصف حالة القصف بالقنابل والتي شهدها بعينيه، حينما كانت تتساقط على البيوت، وتنشر الذعر بين الأطفال والعصافير والأشجار والبشر. تلك الحرب التي عبر عنها بسخرية مُرّة، على أنها مجرد لعبة بين جنرالين يمارسان هواياتهما، وفي هذا التفسير يكمن الكثير من الرفض للعقليات التي انتجت حروبا مدمرة، دون أن تفكر بالآثار الكارثية التي تدفعها الشعوب. فهي جحيم هائل يلوّث الحياة ويغتال الأحلام، حيث:

  "تهرع الأمهات إلى تمزيق قمصان اللهفة

ليضمدن ما تركته الشظايا في جسد النهار"

القصيدة عند الشاعر، محاولة للتصدي لعوامل خارجية، قد تكون على شفا حفرة الشر البشري، الذي يتجلى في القسوة والعنف أو نتيجة لغضب الطبيعة التي تتجلى بالريح التي تسرق مظلته، والبرد الذي يعرّي الأغصان، والغيوم المدلهمة التي تحجب الضوء عن الشجر، أو حالة السراب التي تستحيل إلى جمر يحرق البراعم، أو حالة الضجر واليأس التي تنتابه وهو يجابه الزمن المنهك، والضجر من التكرار والانتظار وتشظي الصور التي تؤلف المشهد الحياتي برمته، حيث نهاية المطاف إلى ما يسمى بالنشأة الأولى.

لقد  نفخ الشاعرُ الروحَ في جسد الشجرة، فجعلها تقاوم نيران الحرب، وتنبذ الكراهية لمعانقة الأعشاش والطيور. فهي قادرة على التعلق بغصن الحياة من أجل حالة من الفرح دونما عنف أو كراهية.

إنها الوطن الذي نتسلق أغصانه للوصول إلى مصادر الحلم، وهي التعويذة التي تقينا من تصحر الأمنيات، وهي الشاهد على الأحداث الجسيمة التي رُسمت على لحائها، لتكتب حكايات الحصار والحروب والقمع والخوف الذي انتجته مراحلُ قاحلةٌ، لذلك أستطيع القول بأنها قرينُ الشاعر في حلمه للوصول إلى جمهوريته الفاضلة التي يبحث عنها، وهي صوته الذي ينبض بالحزن تارة وبالفرح تارة أخرى في سمفونية شعرية توزعت بين قصائده، يسودها البحث عن الجمال والعطش إلى المحبة.

لقد كانت جلّ قصائده تتنفس من خلال الشجر، وكل عواطفه تتحول إلى براعم وأغصان.  والمرأة التي تشاطره في همومه ومتاعبه وأحلامه تتحول إلى شجرة يستظلّ بها من اللحظات الحجرية الشرسة التي تعصف بهدوء الإنسان. ففي قصيدته "شجرة الجاكرندا" يتجلى لنا هذا التماهي بين تلك الشجرة وبين القيم الأصيلة التي نختزنها في ذاكرتنا التاريخية، والمتمثلة بتلك الطيبة البهية والكرم والغَيْرة وجميع العادات الحميدة التي ورثناها وتمسكنا بها، لذلك يطالب تلك الشجرة التي تتميز بالجمال وتنضح بالألوان وكأنها تكتنز ذلك الجمال الأنثوي بأن تبقى صامدةً، فيخاطبها بقوله:

"لا تسقطي وردك على الرصيف

فالعابرون يغتالون عُريك"

وقد تكون الشجرةُ وطنا، يأتي إليه الحطابون من كل حدب وصوب فيوغلوا فيه فؤوس غدرهم، ولكن تلك الشجرة/ الوطن تستعصي عليهم، فرغم الألم والدموع وآثار التدمير، فثمة ولادة جديدة لجيل قادر على معالجة الجراح:

"ويولد من جذعها غصنٌ يعلو بالخضرة"

يرسم لنا لوحة صوفية عن فحوى الولادة والاغتراب ضمن قصيدته "شجرة النعاس" فالغصن الأول، يتخلص من عَتَمةِ المخاض لولادة حافلة بالاحتمالات، ثم يزحف نحو مصدر النور كي يؤكد كينونته، ولكنه يصطدم بشراسة الواقع، فينكفئ على نفسه بعد أن يجهش بشهقات الندم، تحيطه الأسئلة التي لا جواب لها سوى اللامبالاة والسخرية. أما الغصن الثاني فكان في حالة يقظة ووعي لما بحيط به، بيد أن عصفا هائلا يقتلعه من جذوره ويُلقي به في مساحات الإهمال. أما الغصن الثالث فقد وقف أمام كل عوامل الإحباط، واستطاع أن يخلق أملا جديدا وعودة جديدة للروح والوعي.

لقد كانت القصيدة التي أهداها الشاعر للراحل مظفر النواب محاولة منه للاندماج في روح الشاعر التي تألقت وكأنها ترفرف في تأبينه، وقد ابتعد عن الشجرة ورموزها، فباستثناء قوله:

"الحزن الذي تدلى على شجر الغياب"

 فإن شاعرنا انغمر في روح مظفر النواب، وظلّ يتقفى بعض مساراته، حيث كانت القصيدة تروي لنا سِفْر حياة النواب وموته. يحاوره أحيانا، ويتعاطف معه أحيانا أخرى، مضمنا بعض جواهر أشعاره، والتي كتبها أثناء النضال ضد الأنظمة المتسلطة، وهو يعيش بين الناس الذين أحبهم، وظل وفيا للمتعبين والمنسيين من فلاحي الجنوب وصيادي السمك، فتحولت روحه "مثل خيط السمچ".

لقد ساح بنا الشاعر سعد ياسين يوسف في عوالم النواب، وروحه الثورية المتوثبة، واشتعاله في سبيل تراب الوطن مضمنا بعض مفرداته الشعرية حتى تشبعت القصيدة بأجواء الهور ورائحة أسماكه وعزف البردي والقصب حينما تلامسهما ريح الجنوب.

في مجموعته الشعرية هذه، دثّر شاعرنا جُلّ نصوصه الشعرية بأغطية من الرمز، مبتعدا عن المباشرة، حتى أن كل قصيدة تتسع لجملة من التفسيرات المختلفة، مما يمنحها القدرة على التحليق في فضاءات من الأخيلة، متجانسة مع المضامين المختلفة والمواضيع المتنوعة، ولكنه كعازف متمرس حرص على إيقاع الأشكال والمعاني كي تكون من السهل المُستساغ للذائقة الشعرية، وفي نفس الوقت غير مستعصٍ على السامع أو القارئ.

كما أن الشاعر سعد ياسين يوسف يلعب على أوتار اللغة، مستنبطا من خلال مجازاتها واستعاراتها فيضا من التدفق اللغوي والذي يتجلى بأناقة الجمل الشعرية وعمق معانيها، متوخيا البحث عن الجمال من خلال الجمل الشعرية، سواء في كثافة معانيها، أو في قدرتها على التأثير.