
'خرابة ميشو'.. صرخة من أجل عراق جميل يتسع لكل أبنائه
للروائي العراقي أسعد الهلالي لمسته الخاصة في السرد، فمنذ السطور الأولى في عمله هذا، تجد نفسك (كقارئ) مشتبكا بالكثير من الحوادث والمحن التي مرّت على الوطن، وأرّقتك في لحظة ما، ولكنك نسيتها في خضم هذا السيل المتدفق من أحداث أخرى، طغت على فجائع سابقة، ولكنّ الروائي احتفظ بها في ذاكرته ونسج منها لوحات سردية تزخر بالوجع والإحباط، لأبطال وجدوا أنفسهم يلعقون علقم الفاقة في مستنقعات الظلم والإرهاب والعنف المنظم، والفساد الذي ارتدى ألبسة العفة والورع لينهش من الفقراء الجائعين رغيفا معفّرا بالخيبة والذل.
إنها الخرابة التي كانت بيتا عراقيا عامرا بالمحبة والسعادة، لعائلة مسيحية، نسفتها يد الإرهاب، فمات الجميع في لهيب الانفجار، إلا ميشو الذي كان طفلا صغيرا مدللا، ولكنه في لحظة حجرية، وصدفة أنقذته من موت محقق، لتقذفه في موت بطيء، فوجد نفسه وحيدا غريبا، جعل من أطلال بيتهم المهدم زاوية ليختبئ بها من شرور مدينة بغداد التي تحولت شوارعها إلى مجازر للموت.
تلك الأحداث والتحولات والمنعطفات الحادة التي اكتوى بها العراقيون، قد صِيغت بسرد متسلسل في رواية "خرابة ميشو" والتي صدرت عن دار الاتحاد العام للأدباء ببغداد عام 2012 للأستاذ أسعد الهلالي، وهو خريج أكاديمية الفنون الجميلة، إضافة إلى كونه مخرجا سينمائيا وكاتب سيناريو. ولديه أعمال عديدة في مجال القصة القصيرة والرواية. وما روايته هذه سوى جزء من انشغالاته الأدبية والفنية، بوصفها غوصا في تأمل الفجيعة التي حلت بالوطن وربط الأسباب بالنتائج، ابتداءً من النظام الدكتاتوري السابق، حيث الحروب والقمع وخنق الحريات، إلى مخاض ما بعد سقوط ذلك النظام بغزو أجنبي، وما تبعها من عصف سياسي واجتماعي وأمني، أفرغ الدولة العراقية من سلطتها وسلاحها وهيبتها، وجعلها عارية، كقارب منزوع الأشرعة، تتقاذف بها أمواج الإرهاب الدولي المنظم، والاحتراب الطائفي الذي مهدوا له طريقا واسعا معتمدين على الجهل المتفشي، والفساد الذي وجد ضالته.
تبدأ الرواية برؤية افتراضية لورقة نقدية جديدة من فئة الـ(5000) دينارا عراقيا، تخرج توّا من الخزينة المركزية بعد طباعتها، ونظرا لطبيعتها التداولية، فقد نفخ فيها الكاتبُ القدرة على تأمل ما يحيط بها من واقع وقراءته بعيون مركبة قادرة على تسجيل الوقائع والتنبؤ بها، واستشعار كل مسامات الفعل الإنساني لهؤلاء الذين تربطهم الصدفة بها، من خلال التداول الذي يجعلها تنتقل من شخص إلى آخر، ومن مكان إلى نقيضه، حيث تستطيع أن تسجل لنا أدق التفاصيل، وربما أدقّها ابتداءً من محاولة التحايل والابتزاز التي قام بها "فالح الثقافي" من أجل سحب كمية كبيرة من المال لتهريبها إلى دولة جورجيا، حيث يحلم بالثروة والنساء من خلال تهريب الأموال وتبييضها.
و"فالح الثقافي" ينتمي إلى القاع الاجتماعي، فهو يعيش على ترويج الجنس الرخيص من خلال تجارة الأشرطة الإباحية أثناء مرحلة الحصار، لكنّ تجارته بارت بفعل الحملة الإيمانية التي (تقنّع) بها النظام بغيةَ كسب المتدينين. ولكن هذا الكائن الهلامي الذي اكتسب لقب فالح الثقافي على سبيل السخرية، تحوّل بمجرد سقوط النظام من التجارة القذرة إلى انتهاج طريق (الجهاد والورع)، كي يأكل الكتف من فُتات النظام الجديد، وقد انتهز فرصة إعلان نفسه كمجاهد ينتمي إلى ما يسمى بالمقاومة الإسلامية، ويُمنح رتبة عميد! ومن السطور الأولى يستشف القارئ مغزى الرواية في استقراء التحوّلات ومحاولة كشفها عبر (مسبار) الأدب الملتزم، الذي يقوم بسرد الوقائع بأسلوب يجمع ما بين التخيّل الذي يسمح به الفن، وبين الوقائع التي تستعصي على المنطق.
"خرابة ميشو" التي فُجرت بأهلها لاجتثاثهم وطردهم من البلد، تَظَلّ -على صعيد الرمز- الوطن الذي نُسف وسقطت جدرانه، ولكنّه بقي زاوية دافئة لاحتضان الأبناء الحقيقيين الذين لفظتهم الحياة، واستغنى المجتمع عنهم. فأسسُ الخرابة مازالت قادرة على منح الظل، رغم ما أصابها من تدمير. فقد استقبلت "عمو جلاوي" وهو كهل تجاوز الستين، كان جنديا على الجبهة العراقية الإيرانية، وشهد أهوال الحرب، ولكن قذيفة انفجرت بقربه، فأطفأت بصره، وأصبح أسيرا عند الإيرانيين لمدة 18 سنة، حتى سقوط النظام، وحينما عاد إلى الوطن حُطاما بشريا، فاقدا للبصر مما جعله فائضا عن حاجة المجتمع، وحينما لم يجد بيته وزوجته في مدينته الصغيرة، اتّجَه إلى بغداد، فتعثّر في دروبها، ولم يجد سقفا يأويه سوى هذه الخرابة، مستعينا بالصبي ميشو. وبعد فترة زمنية، يُصبح جلاوي الأعمى محور هذه الخرابة التي استقطبت بمرور الوقت مشردين ضاقت بهم الدروب. ومنهم حسن من كربلاء، وعدي من الحويجة ودنخا من كركوك، هؤلاء الذين يحملون الوطن على أجنحة قصائد شعرهم، والذين وجدوا في الخمرة بديلا لقسوة الواقع، فأدمنوا على الخمرة والغربة والحنين، وشعروا بأن جلاوي يمثّل جرحهم النازف، فيخاطبونه بقولهم:
"أنت مثلنا،غريب تعيش في منفى".
لكنّهم ذبلوا وضاعوا، وتمّ قتلهم واحدا إثر آخر من قِبَل جحيم الهوَس بتطبيق الشريعة، في لحظة جهنمية تلاشى فيها الاحتكام للعقل.
هندازة، ضحية داعش والإرهاب، فقد أجبرها أخوها "المؤمن" على الزواج من "أبو حذيفة التونسي" وهي ماتزال طفلة، وحينما قُتل الأخير، تركها حاملا، ولكن مجيء طفلها إلى الحياة شكّل لها مشكلة، فهذا الطفل بريء، ولكنه منبوذ في نظر الآخرين، ورغم أنها وجدته عبئا عليها، لكن فطرة الأمومة جعلتها تستجدي عطف الناس في الشوارع، ووجدت في خرابة ميشو مأوى لها.
أما أوس فلا يختلف عن هندازة في ضياعه، فقد أُصيب بعقدة الموبايل، فهو يجهد نفسه لسرقة هواتف الناس في الشوارع، وحالما يصل إلى الخرابة، حتى يقوم بتحطيم تلك الأجهزة التي سرقها، وذلك لأنه شَهِدَ أباه يقوم بذبح إمه وأختيه، ثم يقوم بتصوير إحراقه لأجسادهن. لذلك فانعكس ذلك على عقلية الطفل الذي صب جام غضبه على الموبايل، بوصفه شريكا في الجريمة!
زكي كبسلة الشاب الصغير الذي استدرجه أسطة بليبل إلى مرأب السيارات، مستغلا حالة العوز والتشرد والبحث عن عمل، فاستباح ذلك الأسطة المتوحش رجولته، مما دفع الشاب أن يُصبح قاتلا مأجورا، فباع نفسه إلى الشيطان وظل يتقاضى مالا لقاء قيامه بالجريمة، لينتقم من المجتمع الذي أذلّه، لذلك أصبح خطرا على نفسه وعلى المجتمع، ولا يختلف عن سرمد الذي أُخرِجَ من دار الأيتام لبلوغه سن الرشد، ولأنه لم يحصل على عمل، فلجأ إلى السرقة، ولكنّ الشرطة ساومته بأن يبيع كليته أو سيحكم بتهمة الإرهاب، فاختار بيع الكلية التي نجم عنها فشل العملية التي أدت إلى نزفه دماءً كثيرة حتى موته بين فجوات الخرابة.

توقفت الرواية طويلا عند شخصية "زرين" تلك الطفلة المُتعَبة التي قذفتها الحياة في نفس الخرابة، لتشاطر بقية الشخوص من علقم تشردهم وموتهم البطيء، ولكننا من خلال السياق، ندرك بأن رزين تتكئ على حمولة من الوجع المشحون بسنوات عجاف، وكأن الكاتب قد فتح ثقبا في جدار تاريخي ليطل منه على حيوات بشرية، كانت تنتمي إلى هذا الكيان التاريخي، ولعبة التوازن بين هذه المكوّنات المتناحرة والتي تتعالى على الواقع، لتُعلن عن كونها الفرقة المصطفاة، والتي تجرّم وتكفّر غيرها من النِحَل والمِلل المختلفة. إنه مفهوم رفض الآخر والتعالي عليه، بحجة الاعتقاد بأنهم (الفرقة الناجية) والتي توزع الثواب والعقاب حسب أهوائها، وكأنها وصية على البشر، فيوزعون الموت على الفرق غير الناجية! وتفصيل الجنة والنار بمقاسات قناعاتهم وعقائدهم وفهمهم.
ولم تكتف الرواية بذلك، بل تسللت إلى أزمنة أكثر قدما من اللحظة المُعاشة، ربما على ما ينيف عن قرن حيث جدتها "قرة العين" التي كانت تؤمن بمذهب الشيخية، كما يتم الاستطراد بالأحداث حيث عمها الذي أعدمه البعثيون في عام 1969.
وجعلوا جسده يتأرجح على المشنقة في ساحة التحرير بحجة (التآمر على الثورة) في محاولة من سلطة النظام أن يبثّ الرعب بين فئات المجتمع، كما أن شهية السرد زحفت باتجاه الحركة اليسارية مُمثلة بالحزب الشيوعي، من خلال شخصية سلام ماجد الذي شارك في حرب الأنصار، وكان شيوعيا ملتزما وعلمانيا، ولا يؤمن بممارسات العامة من الناس. ولكنّه تراجع عن كل تلك الرؤى، وأصبح يؤدي طقوس عاشوراء، والتي كان لا يؤمن بها في بداية شبابه.
لم تكن رواية "خرابة ميشو" مجرد عمل سردي مُتخيل، بل هي غوص في مراحل تاريخية متعاقبة، أو رؤية بصرية سردية تحليلية لكاتب وضع جملة من الأحداث والتحولات على رصيف البحث، من أجل الخروج بنتائج فكرية وذهنية، ولهذا فقد قدّم لنا جملة هائلة من وقائع متشابكة، وشخوص مختلفين، قد تتقاطع أقدارهم أو تتعارض أفعالهم أو تنسجم عواطفهم، في عملية روائية يشوبها التعقيد، وذلك لهذا الكم الكبير من الشخوص والأحداث.
إنها الوقائع التي تركت ميسمها على هذا الكيان العراقي الذي وجدنا أنفسنا في رَحْمِهِ، مقمطين بأربطة تقاليده وأعرافه وقوّته الجمعية التي تُذل الفرد وتفترس إرادته. تلك الوقائع التي لا نستطيع تفسيرها إلا بقدر تمكّنها من قمعنا وإيذائنا. سواء بسيطرة الحزب الواحد الذي وجد نفسه وصيا على الناس، يُحصي عليهم أنفاسهم. ويهندس لهم طرق تفكيرهم وعيشهم أو حتى موتهم، وما نموذج فالح الثقافي الذي ورد في الفصل الأول من الرواية إلا مثالٰ على ذلك، فهو يمثل شريحة كبيرة من الفئات الانتهازية التي تلوّن نفسها بأزياء النظام السائد، كي تثرى على حساب الفئات الأخرى.
لكن العهد الجديد قد حمل معه بؤرة تشظيه، من خلال غياب السلطة التي تلجم العنف المنفلت، وكانت الضحية دائما، هم الأبرياء من بشر لا يمتلكون من القوة لمجابهة جبروت الإرهاب الذي يعتبرهم من الأهداف الناعمة.
اعتمدت الرواية على دعامتين رئيسيتين في بنائها السردي، وهما:
الورقة النقدية (5000)د، أولا، والتي اتخذ منها الكاتب مهمة المراقب للأحداث، والراوي لها، منذ طباعتها في الخزينة المركزية حيث كانت جديدة، أو كما عبّر عنها باللهجة الدارجة (قَدْ) والتي تحوّلت إلى كاميرا للمراقبة، فلا تكتفي بوصف الشخصية، بل التسلل إلى دواخلها. ومن خلالها تعرفنا على جميع أبطال الرواية. وحسب اعتقادي، فأن عمل الكاتب أسعد الهلالي كمخرج سينمائي، قد انعكس على اختياره للعملة النقدية كمصوّر للحدث، وناقل لزواياه وأبعاده، وحتى جلاوي الأعمى كان يُبصر قسوة الواقع من خلال مجسّات الورقة النقدية، فكل شيء قد أصابه داء العمى، بما فيها القوانين السائدة، وظلت تلك العملة تتجول من مكان إلى آخر، لتنقل لنا الأبعاد والزوايا حتى الخفية التي تستعصي على الرؤية.
أما العنصر الثاني، فهو الخرابة؛ مسرح الأحداث وبؤرتها، والتي اكتنزت برمزية لا تخفى على القارئ، فقد عبّرت عن الوطن الذي نسفوا جدرانه وسقوفه، ودمروا من فيه، ولكن هذه الخرابة/ الوطن ظلت قادرة على إيواء أبنائها المشردين. ومن خلال توالي الأحداث، فأن الكاتب قد أطلق لنفسه العنان لجمع شتات أحداث متسارعة لا تنتمي إلى مرحلة زمنية واحدة، بل عابرة للأزمنة، وجعلها كحبات الدومينو التي تتساقط وفق قوانين الطاقة الكامنة. بعض الحوادث تشد بعضها؛ مثل الشاب العراقي الذي اُتّهمَ بالبهائية، فتم شنقه أمام الملأ في ساحة التحرير بتهمة التجسس، وذلك لبث الرعب في المجتمع. الحرب الإيرانية العراقية والشهداء الذين سقطوا فيها، والذين جردوا من صفة الشهادة بعد تغيير النظام! غزو الكويت وما تبعه من هزيمة أدت إلى انتفاضة المقهورين. بعض الشعراء والأدباء الذين عاشوا حياة الصعلكة احتجاجا على شراسة الواقع، ولم تستطع بغداد أن تمنحهم بعض العطف والدفء والرعاية. الحركات المتطرفة والميليشيات التي برزت نتيجة لانهيار منظومة الدولة، وكيفية الاصطفاف الطائفي لبقايا أجهزة النظام السابق الذين انخرطوا في عصابات الموت. الفساد الذي بدأ بالتسلط على كل جوانب المجتمع، وتسلل حتى إلى الجيش والشرطة. طقوس الحزن في كربلاء، وكيفية استخدامها كتجارة لأثراء طبقات اجتماعية أثْرَت على حساب فقر البنية التحتية.
لقد كانت الرواية مشبعة بكل تلك الأفكار والأحداث والشخوص التي تدلّ على وعي الكاتب، وقدرته على الاستقراء التاريخي، ومعايشته للكثير من تلك الأحداث. ولكنّ استغراقه في تحليل الظواهر والطقوس والأحداث التي وقعت، يجرد النص السردي من سماته الفنية، ويوقعه في شبكة المباشرة، لأن من سمات الأدب أن يقوم بنحت الفعل الإنساني، دون أن يتدخل في تفسيره، باعتبار أن الأدب الروائي قادر على تفسير الحدث بوسائلها الفنية الخاصة بها، دون الحاجة إلى الوقوع في فخ المباشرة.
وعموما، فإن رواية "خرابة ميشو" استطاعت كشف أوجاع المهمشين والمنسيين والذين ماتوا بصمت، وكأنها تتهجى حروف صمتهم وبؤسهم، ومع أنهم قد اكتووا بنار الواقع الشرس، لكنهم بنوا (خرابتهم) الفاضلة التي قامت على فكرة من الترابط والانسجام.
كل ذلك ورد في فصول متزاحمة ومترابطة، تميزت بوحدة الموضوع، ضمن لغة راقية سواء في الوصف أو الحوار، كما أن اللهجة العراقية الدارجة التي وردت في أحايين مختلفة، قد جعلت الحوار أكثر صدقا وتوهجا، يضاف إلى ذلك فإن الكاتب اعتمد في الوصف على ايراد أسماء حقيقية أو متخيلة، وفي كل ذلك فقد كانت رواية "خرابة ميشو" وفيّة للضحايا المنسيين الذين سُحقوا تحت أقدام العنف، وهي صرخة من أجل عراق جميل، يتسع لكل أبنائه.