المصريون والحرب.. قراءة في وعي شعب
"الحرب، هي القوة المهيمنة والخلاقة، وهي الحالة السليمة للأمور"
هيراقليطس
تمثل الحرب في حياة الشعوب ميراثًا مُرًّا تجتاز به عثراتها وطموحاتها في البناء على حد السواء.. تلك المراحل المتعاقبة التي يتأسس فيها الوعي القيمي الذي يميِّز شعبًا عن شعبٍ، ويحفر في التاريخ مسارات، لما تترتب عليه تلك الحروب، إلى جانب هذا التأثير البالغ لصراع الحضارات نحو البقاء المقترن بالقوة، والحفاظ على المكون الشعبي التاريخي من الاندثار والانمحاء؛ ما يعطي مدلولًا قويًا ومؤشرًا حادًا عن العلاقة بين الحاضر والتاريخ وما بينهما من مؤثرات قد تعلو من جهة وقد تهبط من أخرى لتؤدي إلى جملة النتائج المستخلصة من حالات الانكسار والانتصار معًا، وميزانا للقوى بين شعوب الأرض، وكحائط صد ضد الاعتداءات، ومن ثم النهوض من الكبوات عملًا على انطلاقة جديدة وثابة أو عودة للوراء من خلال هذا الوعي المترسب والمترسخ في الأذهان والوجدان تتوارثه الأجيال، ويصبح جينا قابلا للتطور والتحور!!
وعبر التاريخ المصري تطفو تلك الملامح الآسرة التي تجعل من قيمة الدفاع عن الوطن قيمة مثلى تراق في سبيلها الدماء، ويفنى في سبيلها كل نفيس، فهي العقيدة التي تحمل لواء الكرامة والعزة في مقاومة ومواجهة الطغيان على مقدرات وطن تتصارع فيه الحضارات وتبقى حضارته الأساسية شاهدة على وجوده متمثلة في صموده وشموخه وعدم تبدله أو تغيره ليبقى قوام عناصره المكونة له ثابتًا عبر التاريخ، لما له من رصيد من الوعي القادر على امتصاص الصدمات ومواجهتها والتعامل معها من خلال حكمة التاريخ وتداعيات الواقع والحالة الراهنة، التي تستدعي دائما ذاك الرصيد الهائل من الصراعات التي تواترت وتوالت على جسد الوطن، لتذكر دائمًا بهذا الميراث الطويل، وتدعم هذا الوعي المرتبط بالهوية..
وكما يقول المؤرخ صلاح عيسى من خلال ما تضمنته مقدمة كتاب "المصريون والحرب.. من صدمة يونيو إلى يقظة أكتوبر"[1]:
"لقد تعرض الإنسان المصري دومًا لحملات التشويه، كان هناك إلهامٌ خبيثٌ لدى أعدائه يجعلهم يدركون الخطر الذي يمكن أن يحيق بهم ما لم يعملوا ما في استطاعتهم لتشويهه، إلهامٌ ينطلق من ذكاءٍ بارعٍ بما في حضارة شعبنا من قيم إنسانية فطرية خيرة تجعل جزءًا من جبهة العداء الممتد عبر التاريخ لكل أشكال الاستغلال والاستنزاف جزءًا يتميز إلى هذا بخاصية المقاتل العنيد الذي يملك قدرة العطاء اللا محدود حرصًا على استمرارها وعلى تخليصها من أدران الظلم والطغيان"[2]
***
المصريون والتاريخ، والحرب
انطلاقا من تلك الروح الوثابة التي تشربت المقاومة الشرسة العنيدة التي عبرت بها الشخصية المصرية من عمق التاريخ الفرعوني الحافل بالحروب التي هدفها الرئيس هو الانتصار لكرامة الوطن وعزته واستقلاليته والحفاظ على حدوده، وتحليل النظرة العدائية المصوبة دائما نحو هذا الكيان الذي يعد كيانًا مفصليًا يتوسط العالم، وتعد بوابته الشرقية مفتاحًا بالغ الأهمية والخطورة تطمع الجيوش الغازية في اقتحامها من أجل توسعاتها وأطماعها غير المشروعة، لتواجه بهذا الوعي القومي/ الوطني المتمثل في إرادة الإنسان المصري بمقوماته الفطرية، وجيناته الوارثة للحرية والانتفاضة نحو كل مغتصب، وولائه الشديد للأرض/ الكيان، وهذا المد العقيدي المنغرس في الوجدان بتوحده، حيث يرجع الكتاب/ المرجع بداية الكفاح العسكري للجندي المصري الفرعوني منذ الدولة القديمة، فيقول:
"ترجع أول وأهم المعارك الحربية التي خاضها الجيش الفرعوني، والتي وصلتنا معلومات مهمة عنها إلى عام 2450 ق. م في الدولة القديمة، عندما تعرضت مصر لإحدى موجات الغزو الخارجي من قبائل الرعاة الساميين الرحل الذين كانوا يتجولون دائما بحثا عن المراعي.. لكنهم عندما قصدوا مهاجمة مصر تجمعوا في أعداد هائلة بقصد الاستقرار في الوادي الخصيب، وهكذا تبدو هذه المحاولة إحدى الهجمات الواسعة التي تعرضت لها مصر، والتي كانت تدفع المصريين لحمل السلاح والاحتفاظ دائما بجيش قوي يدفع عن الوادي الخطر الخارجي"
إذن فالمواجهة وحمل السلاح دائمًا، لم يكن عدائيا بقدر ما هو للدفاع عن المقدرات والقيم الثابتة الحافظة لحدود الوطن ووحدته، تلك التي لا تتوقف حلقات نضالها الشرس عبر العصور التي أتت، وعبر الحقب العصيبة التي جعلت من البلاد مثارًا للصراعات والحروب والأطماع المتوالية، ذلك الذي يدفع دائما إلى ظهور أبطال مخلصين يحملون هذا اللواء، جنبًا إلى جنب مع بناء الحضارة المتقدمة على ضفاف النيل: دلتاه وواديه، بتلك الروح الأبية التي تتغلغل في وجدان المصريين، تسامحًا وتعانقًا لا يجعل نبرة العداء تتواجد بين كل الأطياف المكونة لنسيج الشعب وطبقاته، فكان المحارب المصري دائما محافظًا على أخلاقيات الفرسان والمغاوير كإنسان مسالم مع بني جلدته على الأخص، وليس أدل على ذلك مما كتبه قائد الجيش أوني على جدران مقبرته:
"إن رجل جزيرة الفانتين لم يستطع أن يتفاهم هو ومواطنه الذي يسكن شمالي الدلتا، ولكن لم يتشاجر أحد من الجنود مع زميله، ولم ينهب منهم عجينة الخبز من جوال، أو يسرق نعاله، ولم يأخذ أحد منهم خبز أية مدينة، كما لم يتسول أحد منهم على عنزة واحدة من أي شخص"
ويمتد الجهاد في عمق التاريخ ويتوالى الخروج للرد على المستعمرين والطامعين ضد الهكسوس والحيثيين، وصولا إلى عهد المماليك وحربهم ضد المغول في عين جالوت، ثم في مواجهة الخطر العثماني 1517، وصولا تاليا إلى حقبة الحملة الفرنسية، وحملة فريزر في 1807، والقضاء على هيمنتهما، وعيًا بقيمة الدفاع عن الوطن، وترسيخًا لتلك القيم التي تؤكد عليها الأجيال بجيش مصري قوي عمل محمد علي باشا على إنشائه وتقويته من المصريين الذين صاروا رموزا للحرب والقتال..
"وفي أوائل القرن التاسع عشر في عهد محمد علي أصبحت مصر دولة عظمى، خرج الجيش المصري الذي كان قوامه كله من الفلاحين المصريين ليحارب في شبه الجزيرة العربية والشام وفي البحر"
لا شك أن المقاتل المصري – من خلال هذه الدفعة الجبارة - استطاع أن يستحوذ على اهتمام العالم آنذاك بقوامه المصري الخالص، وليس المرتزقة، ومن خلال الارتباط الشديد بالأرض والبيئة والمجتمع، كملمح أساسي – كما يشير الكتاب – من ملامح الإنسان المصري، باعتبارها مصدر الحياة الكريمة اللائقة بإنسان الحضارات الأول منذ فجر التاريخ.. ولعل التجول في فصول الكتاب وصفحاته ليؤكد على تلك السمات الأساسية التي انطلق منها هذا الوعي الفطري وهذه السلوكيات القويمة التي قام عليها بناء الإنسان المصري وأخلاقياته، ومن ثم المقاتل المصري الذي تشرب سماته، ونقلها عبر مراحل التاريخ والأجيال، وكحالة اجتماعية يعرض لها الكتاب فيورد كلمات لعباس محمود العقاد:
"أما المصري فغيرته على عرضه من نوع آخر، ولعلة أخرى، إذ يغار على الزوجة اعتزازا بصداقة متينة وأرحام أمينة، وضنا بملاذ ألفة وسكينة، ومأوى سعادة وطمأنينة، وإنه ليغضب للزوجة، وكأنه يغضب لقرابة تقطع أو محراب يهان"
بهذا يكتسب الأمر مرجعية اجتماعية إلى جانب مرجعيته العقيدية المتغلغلة بصورها المتعددة المرتبطة بالوطن.. تلك التي يقرن فيها بين الأرض والعرض والزوجة والعقيدة، ومعنى الوطن المبثوث في كل تلك الزوايا المشعة التي يعيش الإنسان المصري من خلالها، مهددًا بأمن وطنه، وباحثا عن استقرار ينشد فيه غايته، ومتحفزًا لنزع غلالات الكمون في أي لحظة من اللحظات، وإكساب كل ما حوله بسمة الارتباط القوي والذي يجعل منه وحشًا كاسرًا في وجه كل الاحتمالات التي تعبث بأمنه واستقراره.
بين النكسة والعبور
من خلال هذا الاستقراء التحليلي الذي ينتهجه الكتاب، تتجلى لاحقا الصور الإنسانية المرتبطة بالإنسان المصري عموما من خلال تلك الحكايات الإنسانية التي ينتقل إليها، يعرض لها كسلافة تجارب واقعية زخمة مع الحرب وظلالها، وتداعياتها وما حولها فيما يشبه الملحمة الدالة على وجود قوي ومستمر ومتحد لكل الظروف، واستمرار لروح المقاتل متمثلة في الإنسان المصري عمومًا، بما بدأه الكتاب بفكرة البعث من بعد النكسة، بالفصل المعنون بذلك:
"بداية عام 1969... كلما قطعت السيارة جزءًا من الطريق الطويل، المؤدي إلى هذه المدينة الرقيقة بورسعيد ترى رائحة الحرب، في كافة تفصيلات الحياة التي بدأت تتخذ شكلًا مختلفًا ومغايرًا، فوق الرؤوس خوذات الحرب الحديدية، يسرع راكبو الموتوسيكلات، عدد كبير من وسائل النقل العسكرية التي يضفي عليها جو الحرب غموضا خاصا..."
عندما تفرض الحرب أجواءها تصير الصورة مضببة إلى حد بعيد.. هذا ما يعكسه هذا الترحال/ الغوص في أعماق المكان الشاهد على تلك الحالة أو ما صارت إليه التحولات الناشئة عن الحرب أو ظلالها التي تكشف المعدن الأصيل لقوة المقاتل المصري، من خلال سرد معبر بمشهدية دالة:
"إن روح الجرأة والرغبة في مقاتلة العدو وجهًا لوجه تلمسها لدى كل محارب على الجبهة، والقناص احد الرجال المقاتلين الذين خلقتهم ظروف المواجهة من خلال حرب الاستنزاف، كان القناص محمود نحيلًا، يجلس في مربضه المواجه لمواقع العدو مباشرة، يستند جسمه على ساق واحدة، أما الأخرى فيستند إليها كوعه الذي يحمل هذه البندقية الطويلة المركب عليها منظار دقيق، يظل القناص في هذا الموقع ربما عشر ساعات لا يتحرك، لكن عينيه حادتان لا تكلان ولا تملان"
هكذا ترتسم السمات الإنسانية متعانقة مع آليات الحرب، من خلال مشهد على الجبهة المشتعلة بالترقب، يتوافر له سمات المكان والزمان العبقري لحرب الاستنزاف التي مهدت للعبور والانتصار في أعوام الانتظار، التي تلتها أعوام الضباب التي كان المصري فيها متوثبًا توثبًا حادًا دالًا على الغليان والرغبة الشديدة في الانتقام وغسل العار، اعتمادًا واستنادًا على موروث من النخوة والعزة والكرامة التي يتعامل به مع شرف العائلة والأرض والعرض، ما يعمل على انتفاء الفواصل والمميزات والطبقات بين البشر المعجونين بروح القتال، والتي يقدمها الكتاب في تلك الصور المشعة المرتبطة بالمشاعر الإنسانية الدافئة على اختلاف الألوان والأطياف من كل بقاع الوطن شماله وجنوبه ووسطه وسواحله وصحرائه:
"في الجبهة لا تتلون المشاعر، فالإنسان يقف عند الحد الفاصل بين الحياة والموت في الجبهة صدق، وأسمى ما يقدمه الإنسان المصري وأغلاه حياته وذاته"
هكذا يفرز الوعي أنماطًا مغايرة للسائد والنمطي، كي يظهر المعادن الحقيقية للبشر الذين تجمعهم الأزمات، وأي أزمات تلك التي ترتبط بضمير عام يحرك المشاعر المقتربة على الانفجار، وهو ما يجعل الرهان دائما على ذلك الوعي المتنامي بالشعور بالخطر الذي يصاحب الشخصية المصرية عبر تاريخها الممتد، والذي يجمع كل الأطراف والأطياف دائمًا على مذبح الحقيقة الواقعة التي لا بد من مواجهتها واجتياز عقباتها أملًا دائما في غاية الانتصار الذي يمثل عقيدة تظل خامدة وتحت السطح حتى تأتي الدواعي الدافعة لانطلاقها وظهورها على السطح الذي صار ملتهبًا بعد سكون وكمون:
"حديث من نوع خاص لا يمكن أن يتبادله إلا هؤلاء المقاتلون الذين خرجوا معنا، دفعوا الموت عن بعضهم، واجهوا الموت معًا، عاشوا ليالي طويلة في التدريب، في الخنادق في شوارع المدن المهجورة بقناة السويس يتذكرون حياتهم الخاصة"
فالمدن تتلون بلون الحرب، وروحها، ولكنها لا تفقد ظلال الحياة الموازية لهؤلاء المقاتلين الأبطال الذين لا ينفصل وعيهم عن الارتباط بها من علاقات اجتماعية تشكل وعيهم الأساسي بالحياة وارتباطهم بها، الارتباط بالوطن الذي يحتويهم ويدافعون عنه بأرواحهم، ليسجلوا حكاياتهم على الفضاء والصحراء ووسط رائحة البارود وأصوات القصف في ليالي الصحراء الموحشة ونهاراتها الحارقة، وهالات الانفجارات المدوية التي تصبح هينة يمتصها وعيهم الحديدي فتزكي فيهم نار العناد والتعطش للثأر والإصرار عليه:
الطريق إلى النصر
"السماء فسيحة صافية، شفافة الزرقة بلا نهاية، وفوق الأرض تنتصب الصواريخ المصرية أرض جو كأنها أصابع تهدد العدو القادم خلال هذا الفراغ، في لحظة بعينها تنبثق ذيول النيران من هذه الأجسام المعدنية الرشيقة فتحيل الفضاء جحيمًا، وتسقط أهداف العدو الجوية التي تجيء لتصب الدمار فوق أرضنا"
يأتي التمهيد للحرب من خلال هذا النبض الهادر التي تشعله الصورة القادمة من الميدان المتأهب لترصد وعيًا إيجابيًا بماهية الحرب وأهميتها القصوى من خلال تحركات أصابع الجنود التي من شدة هول التجربة وجسارة القلب كأنها هي التي تشير وتتفجر غيظًا من هذا الوضع الشائك الملتهب، ما يعظم من قيمة التجربة التي يعيشها المصريون تحت وطأة الحرب على المستويين المادي والمعنوي، الشعبي المعبأ والمترقب في كل ربوع الوطن، والحربي على الميدان الذي على وشك الانفجار..
"ويطلق البعض على أسلحتهم أسماء محببة، أحد جنود المدفعية يسمي مدفعه (مجدي) اسم ابنه، آخر يضع صورة ابنته داخل الدبابة، بعض الجنود يقبلون الدانات قبل أن يزجوا بها داخل المدفع، ويهمسون بألفاظ غامضة أثناء تقبيلها، ربما قراءة اسم الله، ربما رجاء أن تنزل الدانة في موضعها تمام"
هذا الارتباط الوجداني الذي يسم العلاقة بين المصري الإنسان/ المقاتل وبين قضيته المحورية التي تمثل قلب العالم بالنسبة له، أضف إليها التوحد مع كل العلاقات وأنماطها، وتبادل العقيدي مع الاجتماعي مع الذاتي مع النفسي ليشكل هذه الوشيجة التي تربط الكل بالكل، كما تربطهم بروح العلاقة مع الوطن الذي ينتمون إليه، ولعلها ملامح من روح الشخصية المصرية تلتمع كي تعطي وميضًا كاشفًا عن مدى التغلغل والارتباط، الذي يؤدي إلى الغاية وهي اقتحام غلالات الصبر والتحمل، ومن خلال النماذج والمواقف والبطولات التي لا حصر لها:
"على امتداد الجبهة شمخت القواعد كأهرامات صغيرة، ومنها انطلقت ألسنة اللهب تدفع الصواريخ لتحمي عبور قواتنا إلى الشرق، وتزود الخطر عن سمائنا الفسيحة المنبسطة الصافية.. طوابير الدبابات والعربات المصفحة والسيارات المحملة بالصواريخ تتقدم على كل الطرق المؤدية إلى قناة السويس، العملية تتم في دقة تامة، وجوه الرجال تعكس هدوءًا مثاليًا، ونشوة ورغبة تحققت وواقعًا جديدًا شيئًا فشيئًا خلال الطريق إلى القناة من خلال الروح المعنوية المرتفعة للرجال، ترى الجبهة وكأنها رئة ضخمة تتنفس النصر"
هنا يأتي الثبات الانفعالي الذي يميز المقاتل المصري المعد إعدادًا نفسيًا وبدنيًا، وعقيديًا، وفطريًا غاية في الدقة والتعقيد، تدفعه الرغبة العارمة في النصر المحقق بالعزيمة والإرادة، يسبغ سماته ومميزاته وينقل روحه لروح المكان والميدان الذي يتماهى معه كي ينتج هذه الحالة الفارقة بأدبية التعامل مع الصورة المتنامية التي تشكل بانوراما إنسانية تتخطى الرصد المادي للأحوال التي تعطي في مجملها هذه الصورة التي ينشدها الواقع والتي هي أغرب من الخيال، حيث الغوص في أعماق الشخصية المقاتلة الذي يجعل منها نموذجًا فريدًا في العطاء والإنسانية وروحانية العلاقة الرابطة بالحبل السري لجسد الوطن، الذي ربما عبرت عنه رسالة مقاتل/ شهادة، ربما كانت خير ختام لهذا التطواف الذي وضعنا بكل تأكيد في قلب مشهد الميدان:
"أصدقائي الأعزاء.. هناك حقيقة موضوعية تتجسد فوق أرض سيناء، في كل لحظة بين هدير الانفجارات وتناثر الشظايا، حقيقة لا بد أن تظل ماثلة في وعينا، كلما استمعنا إلى بيان عسكري يزف إلينا بشرى جديدة للنصر، هذه الحقيقة أن كل شبر جديد تتقدمه قواتنا المسلحة إلى الشرق، كل خطوة جديدة تحرر جزءًا من أرضنا المحتلة، كل دورة لجنزير، دبابة أو مدرعة تقربنا كل يوم من النصر النهائي".
[1] المصريون والحرب – من صدمة يونيو إلى يقظة أكتوبر – جمال الغيطاني - الهيئة المصرية العامة للكتاب - 2016
[2] صلاح عيسى – محاولة لفهم المقاتل المصري – من مقال نشر للكاتب بعد نكسة 1967