"المواطن كين".. حينما يتحول الفن إلى موقف

الفيلم يبدأ من خلال صمت العدسة التي تتسلل عبر أسوار قصر موحش، تلفّهُ ظلمة حالكة.


"المواطن كين" لا يرتكز على حبكة واحدة، وإنّما مجموعة من العقد التي تمتزج مع بعضها البعض، لتظهر لنا بناءً دراميا


الفيلم صوّر المجتمع الأميركي في بداية القرن العشرين، حيث الرأسمالية في ذروة نشاطها، في سيطرتها على المجتمع من خلال الإعلام

كان الفنان إرسون ويلز أحد المدعوين في حفلة باذخة، أقامها إمبراطور الصحافة الأميركية آنذاك وليم راندولف هيرست، لمجموعة من كبار رجال المال والفن والسياسة، وفي تلك اللحظة نشأت فكرة الفيلم في ذهن ارسون ويلز، والتي كانت نوعا من التحدي الكبير لشاب طموح، لم يكترث للأخطار التي يقدم عليها، وذلك لأنه سيكتب شريطا سينمائيا عن حياة رجل يمتلك الصحافة والمال والجاه. وفعلا فقد تم تصوير الفيلم بشكل سري، في ظروف غاية في الصعوبة، وحينما علم وليم هيرست بالفيلم استشاط غضبا وعرض على الشركة مبلغا كبيرا من أجل إتلاف الفيلم وحرقه. ولكنّ موقف ارسون ويلز كان مبدئيا، فقاوم كل الضغوط من أجل حرية الرأي والتعبير،  مما حدا بهيرست أن يحارب الفيلم في جميع الصحف الأميركية وتعبئه الرأي العام ضده، لذلك أصبح كالممنوع  ورفضت صالات الأفلام الشهيرة عرضه، مما اضطره إلى اختيار صالة عرض مغمورة. ولكن الفيلم عاد إلى الواجهة بعد سنوات قليلة من إخراجه، ليحصد جوائز عالمية كبرى ومنها الأوسكار. 
يبدأ الفيلم من خلال صمت العدسة التي تتسلل عبر أسوار قصر موحش، تلفّهُ ظلمة حالكة، وتتجول في أرجاء القصر لتدخل إلى غرفة نوم "تشارلس فوستر كين" والذي كان يمتلك سبعا وثلاثين صحيفة، وأكبر مؤسستين للنشر، وشبكة إذاعية وامبراطورية من المولات والأبنية والعمارات، إضافة إلى أسطول بحري. كان ينازع النفس الأخير، قابضا على كرة كريستال لمجسم ثلجي، تمثل منظرا لمنطقة ثلجية، والتي التقطها من التحف المتكوّمة في الصالة الرئيسية، وقبيل أن يغمض عينيه إلى الأبد نطق بكلمة "روزباد" ثم ترتخي قبضته عن الكرة فتتهشم على أرض غرفته.
ومن هنا تبدأ أحداث الفيلم الذي يقوم بإخراجه وبطولته الفنان الكبير ارسون ويلز  عام ١٩٤١، والذي يبلغ من العمر خمسة وعشرين عاما آنذاك، وارسون الذي مثل دور كين في كل فترات حياته، منذ شبابه حتى شيخوخته. وهو فنان من صنف نادر، فقد أكمل قراءة كل مؤلفات شكسبير وهو في السابعة من عمره، ولديه ثقافة أكاديمية في العمل المسرحي، لذا فتجسيده لهذا الدور المعقد ينمّ عن موهبة قلّ نظيرها، كما يدل على مغامرة غير محسوبة النتائج، فلأول مرة تستخدم السينما حياة شخص حي مادة للسينما، وهذا الأمر كان غير مألوف في أميركا آنذاك.  

American cinema
 تصوير الفيلم بشكل سري

لا يرتكز الفيلم على حبكة واحدة، وإنّما مجموعة من العقد التي تمتزج مع بعضها البعض، لتظهر لنا بناءً دراميا. فالقصة الرئيسية تتحدث عن الطفل كين الذي كان يلهو بزحافته الثلجية في منطقة باردة. حينما جاء المصرفي تاتشر ليوقع عقدا مع أم كين على أن تتنازل عن الأرض لوجود منجم للفضة فيها، لقاء ثروة باسم الطفل، على أن يستفيد منها عند سن البلوغ. وهكذا يُصبح تشارلز كين الطفل في رعاية تاتشر رغم احتجاجاته وعدم رغبته في مغادرة مدينته. 
وهكذا تبدأ حياة كين على هيئة لقطات تتباين من حيث الزمن، ولا تلتزم بتسلسل الأحداث، وإنما تسلط الأضواء من خلال الحاضر إلى استرجاع الماضي، أو ما يسمى "الفلاش باك". ورغم أن هذا الأسلوب أصبح مُشاعا في أيامنا هذه، ولكنه لم يكن معروفا آنذاك. ولكنّ هذا الفيلم هو الرائد في استخدام الكثير من الأساليب السينمائية التي شكلت ثورة فنية وتقنية في الفن السينمائي.    
يبدأ الصحفي جيري تومسون  في رحلة البحث عن أسرار حياة تشارلس فوستر كين ودلالة آخر كلمة نطق بها "روزباد"، وماذا كان يعني كين الراحل حينما نطق بها؟ ولكنه من خلال البحث عن دلالات الكلمة يلقي الأضواء على حياة عريضة لشخص عاش حياة عريضة حافلة بالمتع والإثارة والنجاحات والإخفاقات، ليقدم لنا تركيبا معقدا لعدة قصص وشخصيات تتباين في مواقفها ولكن يجمعها الحياة الأميركية، وقد حاول الصحافي مقابلة سوزان إسكندر، زوجة وحبيبة كين والتي بسببها انهارت شخصيته ومستقبله السياسي وثروته.
كانت سوزان مجرد حطام بشري، امرأة لا تعي ما يحيط بها، بسبب إدمانها ويأسها ورغبتها بالانتحار. لقد رفضت مقابلته وطردته من الحانة الوحيدة التي تمتلكها، وبعد ذلك استمر في سعيه الحثيث لجمع الخيوط حول المهمة التي اضطلع بها، فقابل صديق كين ومستشاره المالي وهو "جيديداه ليلاند"، ومع أنه أفصح عن جوانب من حياة كين، وتعرفنا من خلاله على الحياة الصاخبة ومغامراته وطريقة تعاطيه لمفهوم الصحافة التي تقوم بإلغاء العقل، واستبداله بعقل بديل توّفره الصحافة في تلفيقاتها وشحنها للخبر حتى يتحول إلى مسلمات يؤمن بها الناس.  
ولم يكتف الصحفي جيري تومسن بذلك فقد كان يلاحق لغز الكلمة الأخيرة للرجل الراحل، وهي كلمة البرعم أو "روزباد". وحينما توصل إلى رئيس الخدم. حصل على إجابة وهي إن الزحافة الثلجية التي حملها كين من بلدته، والتي تم العثور عليها في غرفته، كان مكتوبا عليها "روزباد". 
ولكنّ الصحفي تومسون لم يكن مقتنعا بهذا التحليل، وذلك من خلال قوله: "لا توجد كلمة واحدة يمكن أن تلخّص حياة إنسان". 
ومن خلال شهادات حاشية كين، يقدم لنا الفيلم بعض الجوانب لشخصية هذا الرجل  الذي امتلك كل شيء من الصحافة إلى العقارات مرورا بالتحف الفنية، ولم يكتف بذلك فقد أصبح يتحكم بمصائر الناس، وبخلق آرائهم وأمزجتهم ووجهات نظرهم وحتى مواهبهم، وذلك من خلال ضخه لماكنة الصحافة الصفراء التي لا تؤمن بفحوى الخبر أو مصداقيته، وإنما بحجم تأثيره على الرأي العام، وقد استمر كين في نجاحاته وطموحاته التي لا حدود لها، حتى استطاع أن يعقد قرانه ببنت أخ رئيس الولايات المتحدة، كما أنه قد أصبح في الواجهة وقريبا من صناع القرار، حتى أتهم بأنه وراء الحرب بين الولايات المتحدة وإسبانيا. ولكن ترشيح نفسه لمنصب حاكم ولاية نيويورك، هو بداية النهاية، حيث هدّده خصمه السياسي بكشف أسراره إن لم يتراجع عن المنافسة، ولكنّ تشارلز كين لم يتراجع لأنه لا يخشى أي تهديد. ولم يكن يعتقد بأنه سيهزم.  

وفي اليوم الثاني ظهرت الفضيحة على هيئة مانشيتات، والتي تعلن للرأي العام بأن تشارلز فوستر كين، متزوج بالسر من مغنية ويخون زوجته الأولى بنت أخ الرئيس. وهكذا فقد تم طلاقه من زوجته الأولى، وتهاوت إمبراطوريته، وبقي يعيش مع المغنية سوزان إسكندر التي ملكت عواطفه وأُغرم بها حتى اعتقد بأنه سيصنع منها من نجمة غنائية. وقد بني لها دار أوبرا، ووظف من أجلها كبار المدربين في الفن الصوتي، ولكنها لم تنجح لأن صوتها غير ملائم. وقد نصحه المدرب بأن طبقات صوتها عادية. ولكنّه لا يعرف المستحيل، فكان يحثها لبذل المزيد من الجهد، حتى انهارت وشعرت بالإهانة، لأنه يجبرها على تقمص دور وهمي، مما جعلها تثور من أجل كرامتها التي اعتقدت بأنه سلبها منها من خلال تحويلها إلى حيوان للتجارب. فدخلت في مواجهة حادة معه، وقررت مغادرته إلى الأبد. 
لقد تركته وهو مثخن بالفشل والغضب واليأس، وكان غيابها بمثابة طعنة له في الصميم. فقد تركته في شيخوخته، وحيدا معزولا في هذا القصر الكبير. لذلك فقد أصيب فجأة بموجة من الغضب وظل يحطم التحف الثمينة التي جمعها في حياته والتي تستطيع أن تملأ متاحف أميركا، إلى أن خارت قواه، وسقط على سريره بعد أن لفظ آخر كلمة في حياته "روز باد"
يعتبر أغلب النقاد بأن فيلم المواطن كين يشكل معجزة في الإخراج والتمثيل والتصوير والديكور والماكياج والسيناريو، وقد استطاع المصوّر أن يستفيد من تأثيرات الضوء والظلمة حتى تحولت الكاميرا إلى عين مركبة، تتجول في الأمكنة والمنعطفات والأبعاد، وكأنها تجسد كل زاوية من الزوايا المبثوثة في المجال المفتوح، وكأنها أقرب إلى التصوير الذي يُظهر الأبعاد، ناهيك عن الماكياج الذي استطاع أن يتدرج ببطل الفيلم من شبابه حتى شيخوخته، حتى يروى أن البطل أرسون ويلز يبقى في الماكياج أكثر من أربع ساعات يوميا، حتى يجري التحولات في هيكله وملامحه من شاب إلى رجل مُسن.  
وفوق كل ذلك فقد تناول الفيلم سيطرة الإعلام على مجمل الحياة الأميركية، وفي جميع المجالات السياسية والاجتماعية والتجارية. فالصحافة تتدخل في كل شيء وتسيطر على مواقف الناس وآرائهم وحتى أذواقهم.

لقد صوّر الفيلم المجتمع الأميركي في بداية القرن العشرين، حيث الرأسمالية في ذروة نشاطها، في سيطرتها على المجتمع من خلال الإعلام، وحيث الثراء الفاحش الذي يتوفر لمجموعة قليلة من الأفراد، يفرضون إيقاعهم على مجمل جوانب الحياة. كما يعرض الفيلم الإشكالات المالية الحادة التي تنشأ كتأثيرات جانبية للتخمة المالية ومنها سقوط الأسهم في بورصة عام ١٩٢٩ كجزء من أمراض النظام الرأسمالي. كما أظهر الفيلم، بأن الذي يملك وسائل الإعلام، فهو الذي يصنع مفهوم "الحقيقة". 
وأخيرا يمكن القول: إن فيلم المواطن كين واحد من أعظم الأفلام في تاريخ السينما.