الناقد وسيط بين الجمهور والفيلم في ورشة حول السينما بعمّان

ورشة منظمة من طرف مؤسسة عبدالحميد شومان تقدم مفاتيح قراءة الفيلم، وتحتوي على نقاط رئيسة يعتمد عليها النقاد في تحليلهم للعمل السينمائي من الناحيتين الإبداعية والفكرية.


حكم الناقد على الفيلم ينصب على مدى نجاح المخرج في إيصال فكرته للمتلقي


الناقد يقدم مادة معرفية بعيدا عن الرأي السياسي أو الأيديولوجي

رغم الإجراءات المشددة للوقاية من انتشار فيروس كورونا في الأردن شهدت العاصمة عمّان، خلال الأسبوع الماضي العديد من المهرجانات والندوات والأمسيات الثقافية، كانت أحدثها ورشة متخصصة في قراءة الأفلام السينمائية بعنوان "كيف تقرأ الفيلم؟".
ونظمت مؤسسة عبدالحميد شومان الورشة وقدمها وأدارها الناقد السينمائي اللبناني محمد رضا، على مدى ثلاثة أيام بمشاركة عدد من المتخصصين والنقاد.
وحضر جمهور غفير من المهتمين بالسينما الورشة وهي تهدف إلى تقديم مفاتيح لقراءة الفيلم وتقييمه، إلى جانب طريقة تركيب مشاهده ومزجها في بناء فني واحد، كما تحتوي على العديد من النقاط الرئيسة التي يعتمد عليها النقاد في قراءتهم وتحليلهم للفيلم السينمائي من الناحيتين الإبداعية والفكرية. 

هذه الأفلام النخبوية لا مساحة تجارية لها لأنها نوعية، وتخاطب العقل

واستعرض الناقد محمد رضا في بداية الورشة التعريفات المختلفة للفيلم، موضحا أن بعضهم يعتبره مجرد عمل درامي ترفيهي، أو اجتماع حرفي لمجموعة من المتخصصين لإنتاج مادة فنية مصورة، وأشار إلى أن المثقفين يعدونه أداة لتطوير ذائقة المجتمع وتثقيفه، وأكد أن نظرتنا للحياة وعلاقتنا مع أنفسنا ومع الآخرين وما نمتلكه من أدوات معرفية كلها عناصر تمنحنا القدرة على تقييم الفيلم.
 وتابع قائلا "إن الأذواق مختلفة بين النقاد أنفسهم وبين المشاهدين العاديين، لكن النقد أساسا علم ومعرفة، ثم رأي شخصي وهذا هو المنهج النقدي الأقوى". كما نوه إلى ضرورة "أن يكون الناقد وسيطا بين الجمهور والفيلم، ومقنعا في كلامه، فهو يبني للغير ولا يعنيه إن تجاوزه الآخرون". 
وتطرق الناقد رضا إلى الكثير من المقومات التي تنتج نقدا ناضجا وناقدا ناجحا، ابرزها معرفة تاريخ السينما، والاطلاع على كل أنواع الأفلام، واقتناع الناقد بأنه وسيط بين الجمهور والفيلم يسعى إلى تقديم مادة نقدية معرفية بعيدا عن الرأي السياسي أو الأيديولوجي. كما أكد على أن حكم الناقد على الفيلم ينصب على مدى نجاح المخرج في إيصال فكرته للمتلقي، والتعبير عنها بحرفية وفنية، مشددا على أن الفيلم الرائج جماهيريا بصورة كبيرة لا يعني بالضرورة أنه فيلم يستوفي الشروط الابداعية أو أن له قيمه فنية لافتة. 
وعددّ رضا أنواع الأفلام تبعا لمضامينها وحكاياتها، مثل الأفلام الكوميدية التي تتأرجح بين الجد والهزل، وتتفرع منها أفلام "الكوميديا السوداء"، وأفلام الرعب، والموسيقى، والخيال العلمي، والجاسوسية، والحركة المثيرة (الآكشن)، والأفلام البوليسية، والأفلام التأملية الذاتية التي تعبر عن الإنسان ودواخله، وتتوجه إلى العقل بعيدا عن الغرائز، أي تلك الأفلام التي تفضلها النخبة المثقفة في المجتمع، وتابع حول هذه الأفلام قائلا "هذه الأفلام النخبوية لا مساحة تجارية لها لأنها نوعية، وتخاطب العقل، وتحتاج إلى جهد من أجل فهمها بعمق، لذا فهي بعيدة عن صالات العرض التجاري، ومتواجدة فقط في المهرجانات السينمائية". 
وأوضح رضا أن ما لا يقل عن 5 آلاف فيلم مختلف يُنتج في العالم سنويا، وهناك بلايين الدولارات تجنيها بعض تلك الأفلام وجوائز عديدة تحصدها أفلام أخرى، فيما يذهب الباقي إلى شؤون مختلفة، لكن أغلبها يظل طي النسيان، وينضم إلى عتمة التاريخ. 
وعرّف الناقد رضا مفهوم "اللغة السينمائية" مبينا أنها لغة بصرية تختصر الوصف بالكلمات، وهي بديل بصري وفني عن النص المكتوب، وتعتمد قواعد اللغة الفيلمية على أدوات التصوير وكيفية توجيهها وإدارتها، وعلى المونتاج وحرفية المخرج ورؤيته كذلك، وهي لغة مرنة يغيرها المخرج كما يشاء، ويبتدع مفرداتها بعكس اللغة المكتوبة. وأشار إلى أن أهمية الصورة في الفيلم السينمائي الجيد تتحدد بما تكشف عنه لا بما تظهره فقط. 
وفي حديثه عن تصنيف الأشكال التعبيرية للسينما، سلط رضا الضوء على مجموعة من الأشكال، مستفيضا في الحديث عن كل منها، وطارحا عددا من النماذج لأفلام عالمية أهمها "الفيلم التسجيلي"، "الرسوم المتحركة"، "السينما السوريالية"، "السينما التجريبية"، "السينما التعبيرية"، و"السينما الواقعية". وأوضح أن قراءة الفيلم بالنسبة للناقد تمر في ثلاثة مراحل، تتمثل الأولى بمشاهدته في البداية للتعرف على قصته وإطاره العام، والثانية للحكم على كيفية تناول القصة وإخراجها وتنفيذها، والثالثة تأتي لالتقاط الزوايا الرئيسة التي سينطلق منها الحديث عن الفيلم نقديا. وذهب إلى أن كل مشاهد يقرأ الفيلم بحسب مستوى ثقافته ومعرفته، وما يمتلك من قيم وأفكار، مؤكدا أن المشاهد العادي، وكذلك الناقد، يجب أن يخرج من ذاته، ومن ثقافته الضيقة وينفتح على كل أنواع الأفلام وما تحمله من أفكار. 
واختتم رضا الورشة بالحديث عن "حركات الفيلم" التي يتابعها الناقد بدقة، وتوقف على كل حركة بتفصيل كبير، عارضا نماذج من كلاسيكيات السينما العالمية، مستهلا بحركة المضمون المرتبطة بموضوع الفيلم وزمنه وتطور شخصياته وأحداثه، وكيفية صياغة هذه الحركة ابتداءً من كتابة السيناريو والقصة، ثم صياغة حركة كل الأجسام الظاهرة في الفيلم من بشر وحيوانات وآلات، ثم حركة الكاميرا التي يجب أن يسيطر عليها المخرج بحرفية عالية، وأخيرا حركة الزمن داخل الفيلم من ساعة لأخرى، أو من حقبة إلى حقبة تالية، والدمج بين هذه التداخلات بتوليفة ترتب الأزمنة التي قد تُختصر بمشهد واحد. 
يُذكر أن للناقد محمد رضا العديد من الكتب السينمائية النقدية والتوثيقية أهمها "السينما: الدليل السنوي المصوّر للسينما العربية والعالمية". وسبق له أن عمل محررا سينمائيا لمجلة "كل الأسرة" التي تصدر عن دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر في الشارقة، وترأس تحرير 3 مجلات في الشؤون السينمائية هي "فيلم" في بيروت، "الفيديو العربي" في لندن، الطبعة العربية من المجلة الأميركية Variety، ويكتب مواد سينمائية في العديد من المجلات والصحف العربية، وشارك في لجان تحكيم لمجموعة من المهرجانات العربية والعالمية، وترأس البرنامج العربي ضمن مهرجان دبي السينمائي.