النشاط الحاضر الغائب لدى أطفالنا

على الرغم من أن صغارنا قد يكون لهم خصائص نفسية ومعرفية وثقافية تميزهم عن سواهم من صغار العالم بحكم نشأتهم وتكوينهم واتصالهم بالعادات والتقاليد العربية والإسلامية، فإن ترجمة بعض الكتب في هذا المجال قد يفيد في فهم أسس عامة ينبغي لنا معرفتها إذا أردنا أن نخطِّط لبحث ما أو لكشف ما في عالم الطفل العربي.


نادية يوسف تقترح تخصيص وزارة لشئون الأطفال تعنى بكل شئونهم


ذكاء الأطفال يرتفع سنويا بنسبة 6.6 %


الطفل يمثل دور الأب

من الملاحظ في السنوات الأخيرة أن الحديث عن أدب الأطفال وضرورة الاهتمام به وتوجيهه الوجهة العلمية السليمة، قد زاد زيادة مطردة. وقد عقد مؤتمر عربي بالقاهرة لبحث أسس النهوض بهذا النوع من الأدب، شارك فيه عدد كبير من المهتمين بشئون الأطفال وأدبهم في وطننا العربي، وقد أوصى المؤتمر بضرورة إنشاء مجلة عربية للأطفال، ولم أدر إلى أي وجهة سارت هذه التوصية، خاصة في ظل وجود مجلة عربية للطفل العربي هي مجلة "العربي الصغير" التي تصدر في الكويت، وغيرها القليل من المجلات. ولكن من المؤكد أن هناك إجماعا ثقافيا عربيا بتولية الاهتمام لهذا الأمر وتوجيهه الوجهة السليمة. غير لأنه من الأمور المهمة التي يجب أن نلفت إليها غياب معرض كتب الأطفال الذي كان يقام قبل معرض القاهرة الدولي للكتاب بعدة أسابيع.

وقد صدر كتابان مهمان في مجال عالم الأطفال وثقافتهم وتربيتهم هما: "أطفالي الأعزاء شكرا" للباحثة المصرية نادية يوسف، وصدر عن دار المطبوعات الجديدة بالإسكندرية، و"النشاط التمثيلي للطفل" للباحث الأردني محمد بسام ملص وصدر عن سلسلة "الموسوعة الصغيرة" التي تصدرها دار الشئون الثقافية العامة بوزارة الثقافة والإعلام في بغداد.

والكتابان عن الطفل، وليس للطفل، أي أنهما موجهان للكبار، وليس للصغار، من أجل فهم أفضل لنفسية الطفل العربي، ومن أجل إيجاد أفضل الحلول لمشاكل الطفولة الأمر الذي حدا بالباحثة نادية يوسف إلى أن تقترح تخصيص وزارة لشئون الأطفال تعنى بكل شئونهم وتحقق لهم، ولنا، أحلامهم وأمنياتنا وتنقذ البراءة المتبقية في جذورهم، وذلك في مقدمتها لكتابها "أطفالي الأعزاء شكرا".

ونحن من خلال قراءتنا لهذا الكتاب نستطيع أن نخرج ببعض الملاحظات من أهمها: أن علامات تكوين الطفل في المدينة يمكن أن تنطبق تماما على طفل القرية من حيث المؤثرات التي تحيط بكل منهما وتدفعهما نحو السعي وراء المعرفة والثقافة. وأن هناك علاقة وثيقة بين وظيفة الأب وبين ذكاء أبنائه، كما أن الطفل هو ابن البيئة والوراثة معًا. وأن ذكاء الأطفال يرتفع سنويا بنسبة 6.6 % وهذا يرجع إلى تأثير دور الحضانة أو إلى تدريب الطفل على إتقان الإجابة عن الأسئلة والاختبارات، كما أن عمل الأم يؤثر على معدلات الذكاء حيث كانت تقديرات أطفال الأمهات العاملات أعلى من ربات البيوت، وربما السبب في ذلك يرجع إلى احتكاك أكبر بين الأم العاملة وطفلها في أوقات فراغها. وأن مشاهدة التلفزيون تصلح لأن تكون ترمومترًا نستطيع من خلاله أن نقف على مدى الرضا في حياة الطفل بشرط أن يقترن بحث مقدارها بعمر الطفل وطاقاته العقلية وبيئته.

الطفل هو ابن البيئة والوراثة معًا

ثم تتعرض الكاتبة لأثر المدرسة على الطفل والنمو الذهني عنده، وتقترح في نهاية كتابها الاهتمام بترجمة كل مؤلفات جان بياجيه أستاذ علم النفس بجامعة السوربون، كما فعلت إنكلترا وأميركا، وعدد كبير من دول العالم الثالث، وهذه الكتب هي: "مفهوم السياسة الطبيعية عند الطفل"، "مفهوم الحركة والسرعة عند الطفل"، "مفهوم العالم عند الطفل"، "بناء الطفل للحقيقة والحكم والاستدلال"، "اللغة والفكر عند الطفل"، "الحكم الأخلاقي عند الطفل"، "علم النفس الذهني ونمو التفكير المنطقي من الطفولة إلى المراهقة"، "أصل الذكاء عند الطفل".

النشاط التمثيلي للطفل

أما كتاب "النشاط التمثيلي للطفل" لمؤلفه محمد بسام ملص، فهو يختلف تماما في موضوعه عن كتاب نادية يوسف، وإن كان الهدف في النهاية واحدا، وهو "الطفل العربي السليم ومستقبله".

والنشاط التمثيلي عند الطفل، كما يقول المؤلف في تمهيده، جزء أساسي من لعبة يبتكر فيه الطفل أشخاصًا ومواقف، ويرتجل حوارًا بصورة تلقائية عفوية، وهذا النشاط حاضر غائب لدينا، حضوره يتمثل فيما يمارسه الطفل في حياته اليومية وخاصة في مرحلة ما قبل المدرسة، ومرحلة رياض الأطفال، أما غيابه فهو لعدم معرفة الكبار لهذا النشاط، وبالتالي انعدام إشرافهم عليه كمربين، ومن هنا يكون الكتاب موجهًا للكبار بهدف إثارة اهتمامهم وتوجيههم للكشف، وللإشراف على هذا النشاط لدى الطفل وخاصة أثناء لعبه، فمن خلال لعب الطفل وخاصة في سنواته المبكرة يمكننا ملاحظة هذا النشاط التمثيلي، كأن يمثل الطفل دور الأب أو عامل المطافي أو شرطي المرور أو أن تعنِّف طفلة عروستها لأنها لم تتناول طعامها، وهكذا.

إن هذه اللحظات التي يندمج فيها الطفل أو الطفلة في لعبها على هذا النحو هو ما يعرف بالنشاط التمثيلي عند الطفل، وهو ما ينبغي توجيهه بطريقة هادئة وهادفة جدا نحو الأفضل، ذلك أن هذا النشاط يساهم في نمو النشاط العقلي المعرفى لدى الطفل، كما أنه يساعد على تكوين الوظائف العقلية العليا عنده كالإدراك والتفكير والذاكرة والكلام.

ولكل سن نشاطها التمثيلي الملائم لها، لذا فقد قام المؤلف بتقسيم النشاط التمثيلي حسب هذه السن إلى ما بعد الخامسة وحتى الثامنة، ومن الثامنة إلى العاشرة، ومن الحادية عشرة إلى الخامسة عشرة، كما أنه تعرض لأنواع النشاط التمثيلي التي يمكن للطفل ممارستها، أو أنه يمارسها فعلا، لأن ما يقدمه المؤلف أو ما قام بترجمته يعتمد أساسًا على المشاهدات، فهناك النشاط التمثيلي الذي يعتمد على اللغة، والنشاط الذي يعتمد على التمثيل الصامت، ثم يتساءل في نهاية الكتاب: ماذا يحقق النشاط التمثيلي للأطفال؟

ويجيب عارضًا للقيم التي يحققها هذا النشاط كما ذكرها اليانوريورك، وهي: الإبداع، الحساسية، تدفق الأفكار، المرونة، الأصالة، الاستقرار العاطفي، التعاون الاجتماعي، المواقف الأخلاقية، التوازن الجسدي، المهارة في الاتصال، تنمية التقدير الرفيع للفن والأدب.

إن المكتبة العربية مازالت فقيرة في هذه النوعية من الكتب، والدليل على ذلك هو كثرة المراجع والمصادر الأجنبية التي رجع إليها مؤلفا الكتابين، والتي بلغت بالنسبة لكتاب "النشاط التمثيلي للطفل" 28 مرجعًا ومصدرًا على الرغم من صغر عدد صفحات الكتاب (102 صفحة) وصغر حجمه.

أيضا اقتراح نادية يوسف بترجمة كل مؤلفات جان بياجيه، دليل آخر على أن مكتبتنا العربية فقيرة في هذا النوع من الكتب التي تتصل بعالم الأطفال، وما يدور بداخل هذا العالم، وعلى الرغم من أن أطفالنا العرب قد يكون لهم خصائصهم النفسية والمعرفية والثقافية التي تميزهم عن سواهم من أطفال العالم، بحكم نشأتهم وتكوينهم واتصالهم بالعادات والتقاليد العربية والإسلامية، فإن ترجمة بعض الكتب، في هذا المجال، قد يفيد في فهم الأسس العامة التي ينبغي لنا معرفتها إذا أردنا أن نخطِّط لبحث ما أو لكشف ما في عالم الطفل العربي.