الوصابي يدرس فن المقامة اليمنية دلاليا

الباحث اليمني يلفت إلى أن فن المقامة وجد في اليمن قديما، وكان أول نصوصه تلك المفاخرة بين القنديل والشمعدان لابن عبدالمجيد اليماني.


فن المقامة يعد من الفنون الجميلة التي انتشرت وذاع صيتها في الأدب اليمني


كثيرا ما يلجأ كاتب المقامة اليمنية إلى التناص الديني والأدبي

فن المقامة هو أحد الفنون النثرية التي اشتهر بها الأدب العربي قديمًا وحديثا، فكان منها مقامات بديع الزمان الهمذاني، ومقامات الحريري، ثم بدأ الكُتّاب ينسجون على منوالهما حتى ذاع هذا الفن واشتهر. وفن المقامة حديث أدبي بليغ ليس فيه من القصة إلا ظاهرها فقط، كما يرى بعض الدارسين، كما أن هناك من يرى أن المقامة الفنية قصة قصيرة بطلها نموذجٌ إنساني مكد ومتسول، لها راوٍ وبطل، وتقوم على حديث ظريف مغزاه مفارقة أدبية، أو مسألة دينية، أو مغامرة مضحكة. 
وقد جاء هذا الكتاب الموسوم بـ"إنتاج الدلالة في المقامة اليمنية" للباحث اليمني علي عزي قائد الوصابي، محاولة جادة ورصينة لدراسة دلالية بغية الكشف عن الأنماط التعبيرية في المقامة اليمنية، ومدى قدرتها في التنوع الدلالي، فتناولت دور الإيقاع بتقنياته المختلفة، والتركيب بنوعيه الخبري والإنشائي، وبنية المكان والزمان والشخصيات والأحداث، كما تناولت الأسلوب بطرقه المختلفة.
لفت الوصابي إلى أن هذا الفن وجد في اليمن قديما، وكان أول نصوصه تلك المفاخرة بين القنديل والشمعدان لابن عبدالمجيد اليماني، وقد أشار الحبشي في حديثه إلى مقامات المتأخرين في القرن الثالث عشر وما بعده، متحدثًا عن المفاخرات التي اطّردت في كتاباتهم، قبل أن يدلف إلى كتاب مجموع مقاماته اليمنية المذكور، وقد قام الحبشي بجمع المقامات اليمنية في كتاب؛ أسماه "مجموع المقامات اليمنية"، ويُعد واحدًا من أهم مصادر الباحثين والدارسين في فن المقامة اليمنية، وعليه اعتمد كثير من أهل البحث العلمي في بحوثهم ودراساتهم، وإلى جانبه كتاب "النهضة الأدبية في اليمن" لعبدالله العمري، وهذان الكتابان يمثلان أهم مصادر دراستي لفن المقامة اليمنية في كتابي هذا الذي سعيت فيه إلى معالجة هذا الفن من وجهة نظر دلالية؛ نظرا لأهميته الموضوعية والدلالية".

المؤلف عمد في استخدام تقنية الأسلوب، إلى توظيف مجموعة من العناصر المولدة لهذا الأسلوب، كالحوار والقص والتناص والمفارقة؛ فكان لتوظيف هذه العناصر الدور البارز في إنتاج دلالات المقامة اليمنية

وقال إن "السياق يلعب دورا كبيرا في إبراز الدلالة، إضافة إلى التراكيب والأساليب التي تسهم في استنطاق النصوص وإظهار دلالتها، ويعد التنوع الخطابي الذي يُقصد به إضفاء دلالات جديدة على الألفاظ والتراكيب في حال وضعها في سياقات غير مألوفة، من أهم ما تعرضتُ له في دراستي للمقامة اليمنية أثناء عرضي للعديد من النماذج الراقية لإنتاج الدلالة، فهي أحد أخصب المصادر في هذا الحقل، فقد أنتج مؤلفو المقامة اليمنية في مقاماتهم دلالات تنم عن عبقريتهم الفذة، كما أنها أحد الفنون الأدبية المهمة في تاريخ الأدب اليمني خصوصا والعربي عمومًا، ولها طابع محلي وإن تشابهت مع المقامة العربية في الشكل، لكنها تختلف معها من حيث المحتوى، وقد انتشرت بكثرة في أوساط المجتمع القبلي اليمني الذي أتيح لبعض أفراده الحصول على قدرٍ لا بأس به من التعليم النَّوعي، فكانت أدنى إلى المجتمع العام من النُّخَب السياسية والثقافية؛ لكونها عالجت هموم المواطن العادي، وصراعاته مع السُّلطة".
وأضاف الوصابي "لما كانت المقامة اليمنية بهذه الأهمية؛ انعقد العزم على أن تكون موضوعًا لدراسة دلالية، تكشف عن دور الإيقاع والتراكيب والأساليب في إبراز المعنى وإظهاره، وقد عُنون هذا الكتاب بـ "إنتاج الدلالة في المقامة اليمنية" فاخترت "إنتاج الدلالة" دون غيره من المصطلحات؛ لأنه يشير إلى أمور كثيرة، ولأنه أعم من استعمال البحث الدلالي، وتوليد الدلالة، كما اخترت "المقامة اليمنية" موضوعا لهذا الكتاب؛ لأنها لم تنل حظها من العناية البحثية في الدرس اللغوي الحديث، على الرغم من ثرائها التعبيري، وقدرتها الخطابية".
تأتي أهمية الدراسة من أنها تمثل نوعية جديدة في بابها من حيث تناولها لنص جديد، له أثر كبير في واقع الحياة وواقع الأدب اليمني، فضلا عن سعيها إلى معرفة تقلبات المعنى وفقا لنظرية الحقول الدلالية في المقامة اليمنية، فالمقامة تعتمد بشكل أساسي على الإيحاء، والدلالة على الجوانب الإنسانية والقضايا المجتمعية. ومن ثم سعى الباحث إلى دراسة الدلالة التي أنتجتها المقامة اليمنية، ابتداء من مفهوم المقامة اليمنية، وخصائصها، والمقصود بإنتاج الدلالة، ودور الإيقاع الصوتي والكلمة والتراكيب اللغوية والأسلوب والانزياح التراكبي في إنتاج الدلالة، وبيان وظائفها الدلالية، فضلا عن معرفة الأدوات الفنية واللغوية المساهمة في إنتاج الدلالة.
ولتحقيق ذلك، اتبع الباحث المنهج الوصفي التحليلي الذي يدرس الظاهرة في وقت ومكان محددين تحديدًا دقيقًا، وكل ذلك محدد في المقامات اليمنية، ولمّا كانت الدراسات اللسانية الحديثة من أهم الدراسات التي تحتل مكانة بارزة في دراسة النصوص الأدبية؛ لكونها تقوم على فهم النص من داخله، تحلله وتشرحه وتفسره؛ بهدف كشف أسراره اللغوية والفنية، وما ينادي به من قيم وأفكار، ومن هنا ذهب الباحث إلى استنطاق نص المقامة اليمنية، للكشف عن دلالاته من هذه الناحية؛ وذلك بالاعتماد على المنهج الوصفي التحليلي، لتحليل الظواهر اللغوية والفنية والموضوعية تحليلًا وصفيًا عرضتُ بوساطته الآليات التي تؤدي إلى إنتاج الدلالة في المقامة اليمنية، وهذه الآليات تتمثل في البناء الصوتي والإيقاعي، وبنية الكلمة، والتراكيب اللغوية، والأسلوب، كما تمت الاستفادة من بعض المناهج الأخرى للكشف عن دلالات نصوص المقامة اليمنية.
وتتمثل عينة البحث من المقامات التي اعتمدها الباحث في دراسته، في نموذجين من المقامات؛ هما ما توافر بين يديه:
ـ النموذج الأول: ما جاء في كتاب "مجموع المقامات اليمنية" لمجموعة من مؤلفي المقامة، جمع وتحقيق عبدالله محمد الحبشي.
ـ النموذج الثاني: ما جاء في كتاب "المقامات النظرية" تأليف أبوبكر بن محسن باعبود الحضرمي، تحقيق: عبدالله محمد الحبشي.
واعتمد الباحث بدرجة أساسية على الدراسات التي أُلفت في البحث الدلالي تنظيرًا وتطبيقًا ونقدًا، وما له صلة بموضوع دراسته حسبما توفر له من مصادر ومراجع، كما أنه أفاد مما كتب وأُلف في اللسانيات النصية، وكتب النحو، وكتب السرد، وكتب البلاغة والخطاب. وقد جعل دراسته – في محاولة لتحقيق ما تقدم – في مهاد وأربعة فصول، تحدث في المهاد النظري عن مفهوم المقامة اليمنية، ونشأتها وتطورها، والتعريف بأبرز أعلامها، وخصائص المقامة اليمنية وسماتها الفنية والموضوعية، ثم حاول توضيح المقصود بإنتاج الدلالة في المقامة اليمنية. 
في الفصل الأول من الدراسة تناول الباحث دور الإيقاع الصوتي في إنتاج الدلالة، فتحدثت عن التكرار، والجناس، والسجع، والتقابل، والدلالات التي تسهم هذه التقنيات في توليدها. وانصرف في الفصل الثاني إلى دور الكلمة في إنتاج الدلالة، واشتمل هذا الفصل على مباحث أربعة: دلالة الزمن، والمكان، والشخصيات، والأحداث. وفي الفصل الثالث تحدث عن دور التراكيب في إنتاج الدلالة، واشتمل هذا الفصل أيضا على مباحث أربعة: دلالات التراكيب الخبرية، والتراكيب الإنشائية، ودلالة الروابط التركيبية، وانزياح الحذف. أما الفصل الرابع فقد تناول فيه بعض الانزياحات التركيبية، ودور الأسلوب في إنتاج الدلالة، واشتمل هذا الفصل مباحث أربعة: دلالات الأسلوب الحواري، والأسلوب القصصي، وأسلوب التناص، وأسلوب المفارقة.

المقامة اليمنية
علي عزي قائد الوصابي

وقد خلص الباحث في دراسته إلى جملة من النتائج منها:
ـ يعد فن المقامة من الفنون الجميلة التي انتشرت وذاع صيتها في الأدب اليمني، وما أوردناه من شواهد في هذا البحث يؤكد ذلك. 
ـ جسّدت المقامة اليمنية المجتمع اليمني بطابعه الكلي، فقد احتوت جملها وتراكيبها الإشارة إلى الثقافة اليمنية، وعادات المجتمع القبلي، والنُّخَب السياسية والاجتماعية، وأحكام العرف والعادات فيه.
ـ كثيرا ما اعتمدت المقامة اليمنية على الغموض والإيحاء، وابتعدت عن المكاشفة والتصريح؛ ويعود ذلك إلى خوف الكاتب من السلطات القمعية؛ حيث إن أكثر المقامات عالجت أوضاع المواطن المسكين، وتحدثت عن الفقر والمجاعة في أوساط الشعب اليمني. 
ـ تميزت المقامة اليمنية عن غيرها من المقامات العربية، بالصبغة المحلية، ولكنها تشابهت معها من حيث الشكل. 
ـ تأثرت لغة المقامات اليمنية بلغة مقامات بديع الزمان في بعض أشكالها.
ـ تصاغ لغة المقامة اليمنية في قالب سردي محكم؛ من أجل التعبير عن تراتبية الأحداث والوقائع ومنطقيتها.
ـ أسهم الإيقاع الصوتي بتقنياته المختلفة، في إيجاد التوازنات الدلالية، والكشف عن الأوجه المتنوعة فيها بغية تحقيق المتعة لدى القارئ.
ـ برز التكرار كظاهرة لغوية في المقامة اليمنية، وأسهم في خلق رابطة لغوية بين الجمل، والكشف عن المعاني الكامنة التي يرغب السارد في توصيلها إلى المتلقي. 
ـ برز عنصرا الزمان والمكان بشكل واضح في المقامة اليمنية؛ لكونهما المحورين اللذين تدور فيهما مسرحية الأحداث، كما أسهما في توليد الدلالات المتنوعة، وعلاقتها بالبيئة المكانية والزمانية.
ـ تنوعت الشخصيات الواردة في المقامة ما بين دينية وعلمية وتاريخية وأدبية؛ فكشفت عن مضمون النصوص ومقصديتها في السياقات الواردة فيها.
ـ تستعمل المقامة اليمنية الأفعال الماضية غالبًا؛ لأن أسلوبها في الأساس يقوم على حكي أحداث ماضية، ولأن الأفعال الاسترجاعية توضح مجريات الأحداث، ومآلاتها.
ـ تتصدر المتعلقات الدالة على الزمان والمكان كثيرًا من التراكيب المستعملة في المقامة اليمنية؛ وذلك لما يمثله عنصرا الزمان والمكان من أهمية كبرى تتحكم في وقائع الحدث السردي من مبتدئه إلى منتهاه.
ـ يلجأ السارد في المقامة اليمنية إلى استعمال شخصيات حقيقية تروي الأحداث، كما أنه قد يستعمل الشخصية القناعية؛ ليختفي وراءها في سرد الأحداث؛ هربًا من القمع التسلطي. 
ـ كثيرًا ما ترد التراكيب في لغة المقامة اليمنية بالصيغة الاسمية الدالة على الثبوت؛ لتوحي بثبوت الأحداث، كما أنّ هذه التعابير تتسم بأنها ذات موثوقية وإقناع عند المتلقي.
ـ تُغلّب لغة المقامة اليمنية استعمال التراكيب الخبرية، على التراكيب الإنشائية؛ لأن الموضوع الأساسي لها سردُ أخبارٍ يجهلها المخاطب في الغالب، كما أنها تهدف أساسا إلى توعية المتلقي بأخبار وأحداث جديدة. 
ـ كثيرا ما يلجأ كاتب المقامة اليمنية إلى التناص الديني والأدبي؛ وهذا الأمر يشير إلى الخلفية الواسعة لكُتَّاب المقامات، فقد جمعوا بين الفقه والأدب وعلومٍ شتّى، وكانت ثقافتهم واسعة.
ـ تستعمل لغة المقامة اليمنية طائفة من الأساليب السردية، كالأسلوب الحواري والقصصي، وأسلوب المفارقة؛ لتضفي على سير الأحداث مزيدًا من الإقناع والإيضاح.
ـ عمد المؤلف في استخدام تقنية الأسلوب، إلى توظيف مجموعة من العناصر المولدة لهذا الأسلوب، كالحوار والقص والتناص والمفارقة؛ فكان لتوظيف هذه العناصر الدور البارز في إنتاج دلالات المقامة اليمنية.