الوظيفة الإستكشافية في رواية "ليس لهافانا رب يحميها"

إرتحال ياسمينة خضرا نحو جغرافيا ظلت متواريةً وراءَ شعارات وأسماء مُعينة والغاية من ذلك هي إستكشافُ الجزيرة المنعزلة.


الأسماء المؤشرة إلى المدن والمناطق الجغرافية مبثوثة في تضاعيف العمل


ضمنَ الرواية تتقاطعُ سيرة الفنان مع المعلومات المذكورة عن حياة شخصيات تدخل إلى مسرح النص بالتدرج

يختلفُ البعدُ المعرفي الكامن في النص الروائي عن الصيغ السائدة لأشكال المعرفة في مَجالات أخرى، وأيا كانَ موضوع العمل الروائي والخطاب الذي يعبرُ عنه لا يمكنُ التعاملَ معه إلا بوصفه أثراً أدبياً يتوفرُ فيه عنصر الإمتاع وبالطبع تتضايفُ في هذا السياق وظائف متعددة يتمُ إدراكها مع تتابع الشريط السردي وما يلاحظهُ القاريءُ في رواية "ليس لهافانا رب يحميها" للروائي الجزائري ياسمينة خضرا هو إرتحال الكاتب نحو جغرافيا ظلت متواريةً وراءَ شعارات وأسماء مُعينة والغاية من ذلك هي إستكشافُ الجزيرة المنعزلة والبحث عن أصوات حميمة غير صوت الزعيم في فضاء مدينة هافانا ولم يكنُ إختيارُ الكاتب لـ "خوان ديل خونافا" وهو يمتهنُ الغناء في الملاهي بطلاً لسرديته مجرد إجراء إعتباطي بل الغرض من هذا كما يتضحُ لاحقاً هو الإبانة عن حب المرح المُتأصل في الروح على الرغم من مظاهر البؤس التي تغزو الحياة.
صانع البهجة
يطلقُ المعجبون على خوان لقب دون فويغو بمعنى سيد النار لأنَّ صوته يُلهب المسارح. يوكلُ صاحب "سنونوات كابول" للشخصية الأساسية مهمة إدارة دفة السرد وبذلك يكونُ الراوي مُتضمناً في النص ما يعني أنَّ دون فويغو يحتفظُ بدوره المحوري من بداية الرواية إلى أنْ تتوقف حركةُ السرد. 

وجدتُ جواباً لسؤالي عن سبب إهتمامي وحبي لبعض الكُتاب من بينهم الروائي الجزائري ياسمينة خضرا

وتتقاطعُ ضمنَ الرواية سيرة الفنان مع المعلومات المذكورة عن حياة شخصيات تدخل إلى مسرح النص بالتدرج. إذن تنتظمُ الشخصيات في البيئة السردية العامة ويتميزُ دور الفنان في هذا النطاقِ بتحوله إلى نواةٍ أساسية ينطلقُ منها الحدث الروائي. إذ يبدأُ بسرد وقائع حياته وهو يذوق مرارةَ خسارة الأم بحادث السير وعلى إثر ذلك يحاول الأبُ نسيان مأساته بالإغراق في شرب الخمر إلى أن ينتحر ولم يرتح فويغو ولا إخته سيرينا بالعيش على كنف العمة، لذلك تتزوج الأخت برجل سكير أولاً يسيءُ إلى أخيها الصغير ويعنفه ومن ثمَّ تنفصل عنه لتتزوج خافيير الذي يفقد في حرب أنغولا إحدى رجليه، ويعودُ فيغو إلى بيت أخته بعد إنفصاله من ميلينا وما يمرُ كثير من الوقت حتى إنضمَّ إليه إبنه ريكاردو في كازابلانكا بينما تظلُ إيزابيل إلى جوار أمها في ريغلا.
وما يضعُ نهاية سريعة للحياة الزوجية هو غيرة مليينا على ما يحظى به زوجها من الشهرة وإنهماك الأخير في أعماله الفنية لحد فاته تاريخ ميلاد ابنته والمُلفت أنَّ ميلينا يتبدلُ موقفها بعدما تترتبط بموظف الجمارك وتعودُ لمغازلة زوجها السابق، مبدية رغبتها بالتواصل الجسدي معه. 
هكذا يناسبُ السردُ منفتحاً مداره في كل مفصل على شخصية جديدة لا تستمرُ حياةُ فويغو على وتيرة واحدة بل يختبرُ تجارب مُضنية فهو يصطدم بما يسمعه من مديره بأنَّ ملهى بوينا فيستا إنتقلتْ مُلكيتهُ إلى عهدة سيدة من ميامي ما يعني أنَّ صوتَ فويغو أصبح مُفتقداً لفضائه البراح هنا يلوحُ في ذهن القاريءِ السؤالُ عن مصيرِ الفنان الذي خسرَ عمله وهو على مشارف الستين من عمره. وبهذا زادت مُعاناته وأرغم دون فويغو الذي كان يغني لفيدل وماركيز وبريجينيف أن يُحملَ همه نحو مؤسسة أدولفو غوزمان وهي بمثابة نقابة الفنانيين لعلَّه يجدُ بارقة أمل لكن يخذله الموظف الشاب بكلامه مشيراً إلى أنَّ كل شهرة هي نتيجة ظروف معينة والرهان على الجمهور لن يكون رابحاً. 
لا يتوقف فويغو عن البحث في المطاعم والملاهي إلى أن يتذكر صديقه في الجامعة أوريمي أنشيا فالأخير هو مدير "إسميرالدا" لكن لقاء الإثنين ما يغيرُ شيئا من حياة الفنان عدا أنَّ فويغو يستعيدُ قصة وقوعهما في غرام فتاة واحدة اسمها مارسيدس نجحَ أوريمي في خطفها دون أن يؤثر ذلك على علاقة الصديقين بل قد غنى فويغو في حفلة زواجهما. وهذا ما يظهرُ تكوينه الشخصي المتسامى على الإعتبارات التي قد تشغله عن الفن.
يُذكر أنَّ شخصية بانتيشو الذي يُفتتحُ بكلامه حلقات الرواية يعود إليه الراوي في المقاطع اللاحقة لافتاً إلى تفصيلات حياته عاش بانيتشو حياة صاخبة وتشهدُ باريسُ ومكسيكو وسيدني على براعته في عزف البوق ومشاركته الفعالة في حفلات أسطورية. زد إلى ذلك كان متيماً بالنجمة السينمائية ريتا هيوارث وخالط فئة المهربين قبل أن ينعزلَ في كوخه بكازابلانكا ويتخذَ مظهر رجل حكيم.
حب متأخر

The Algerian novel
تنتظمُ الشخصيات في البيئة السردية العامة

تنبسطُ على مساحة هذه الروايةِ قصص محمولة بشحنة رومانسية ما ينعكسُ على الأسلوب واللغة التي تنزعُ إلى الشعرية المُطعمة بنكهة التصوف والحكمة ولا يصعبُ عليك إدراك التناغم بين وعي الشخصيات واللغة المحكية. ما ينطقُ به بانتيشو عن معنى الحلم وتحقيق الهدف ينم عن تجربة متراكمة كما لا يتمكنُ فوغيو من التعبير عن عاطفته إلا بعدما يعصفُ به حب فتاةٍ غريبة الأطوار ويحسمُ خياره مقتنعاً بأن "في الحبِ كل تراجع أو تنازلٍ أو تخلٍ هو نوع من الموت المجاني"، والعبارة توحي بانطلاقة مرحلة جديدة في حياةِ الفنان تنساقُ لحظاتها على إيقاع علاقته مع ماينسي التى تعرف عليها داخل ترامٍ مهجور وهي هاربة من الشرطةِ وفقدت أثر أخيها. 
هنا تنتقلُ ماينسي إلى مركز السرد وتزاحمُ الفنانَ حضوره في المشاهد المُتتالية، إلى أن تتكثفُ الأضواءُ على الإثنين ومن خلال الحوار الذي يدور بينهما تترشحُ نتفُ من الأخبار تُفيدُ بأنَّ تلك الفتاةُ قادمةُ من منطقة على بعد كيلو مترات من مانزانيللو.
يشار إلى أن الأسماء المؤشرة إلى المدن والمناطق الجغرافية مبثوثة في تضاعيف العمل. 
يلاحقُ فوغيو طيفَ عشيقته بعدما تتركُ البيت رافضة تحرشات ابن إخته، وفي مفصل آخر من الرواية يتابعُ المتلقي حياة العاشقين في شقة بإحدى الشواطيءِ ويشارك كلاهما في حفلة بمناسبة العيد الوطني لكن التلميحات الواردة عن حالة التوتر في شخصية ماينسي تنبيءُ بإنقلابها بحيثُ تصبحُ شرسةً عقب محاولة مجهول إغتضابهاإذ يصلُ بها الغضبُ إلى الجنون ويطعنُ حبيبها الستينى بسكين وعلى أثر هذا الحادث يرقدُ فوغيو في المستشفى عدة أيام ولا تنتهي الرواية دون أن تصطفُ قصة ماينسي إلى ما يغطيه السرد من المعطيات الشخصية، ويكونُ ذلك بموازاة رحلة يقومُ بها الفنان نحو البقعة التي أقامت فيها كانديلا التي تنكر باسم ماينسي.
من المعلوم أنَّ هذه المُفاجآت المُتسلسلة تُضاعف من منسوب التشويق في مروية ياسمينة خضرا الذي تفوق في توظيف تقنية الوصف للتوغل في جغرافية مدينة يقايضُ شبابها الحب بالهجرة، وهذا ما يتمثلُ في تجربة ريكاردو مع ماريا حيثُ أقنع الأخيرة بالزواج من الرجل الإسباني آملاً بأنْ تدبر له الحبيبة أمر الهجرة. 
ليست هذه الرواية من فصيل ما نشره خضرا سابقاً نظراً لإختلاف البيئة والثيمات المبثوثة في جسد النص والأسئلة الميتافيزيقية المضمرة في الملفوظات والمشاهد المرصودة لتوسل الإنسان بطقوسات ميثولوجية. وذلك كله يخدمُ في المُحصلة الأخيرة الوظيفة الإستكشافية للرواية.
إن محتوى الكتاب واسم مؤلفه الذي هو جزء من عتباته أو فضائه الخارجي والآراء التي تسمعهُا عن الأسلوب واللغة كل هذه العوامل لا يمكن تجاهل دورها في إختياراتك للقراءة وعناوينك المُفضلة، لكن لماذا من بين عدد كبير من المؤلفين الذين تابعتَ آثارهم الفكرية والأدبية ثمة أسماء معينة تعودُ إليها بالإستمرار ولن تجدَ فيما ينضافُ إلى سجل مُطالعاتك وإهتماماتك المعرفية والأدبية من يعوضُ عن هؤلاء الكُتاب المُفضلين لديك؟ 
هل تلعبُ المعرفة بشخصية الكاتب دوراً بمعنى أن إعجابك بسلوكه وطبعه يشدكَ أكثر إلى نتاجاته الأدبية ونحنُ نصادف كثيراً من يعبرُ عن تقديره لشخصية الكاتب وأخلاقه النبيلة دون كتاباته، والعكس صحيح أيضاً إذنْ لا بدَّ من مقاربة هذا الموضوع من زاوية أوسع عدا عن كل ما تمت الإشارة إليه سابقاً يجوزُ إضافة عنصر الوقت بوصفه من العوامل المؤثرة على عودتك لبعض الكُتابِ وإرتباطك الروحي بأعمالهم إذ لا يفترُ تشوقك لما يقدمونه مع مرور الزمن وإختلاف المرحلة العمرية.
وفي هذا التفسير وجدتُ جواباً لسؤالي عن سبب إهتمامي وحبي لبعض الكُتاب من بينهم الروائي الجزائري ياسمينة خضرا فإنَّ الواقع الذي قرأتُ فيه رائعته المعنونة بـ  "الصدمة" قد عمق علاقتى بصاحب "خرفان المولى".