"بئر برهوت" حين تتحول الحياة إلى جحيم

رغم أن المعنى المعجمي لبئر برهوت يتحدث عن مكان حقيقي في اليمن، فإن الكاتب استعار من المعجم الديني رمزية البئر المعبرة عن المكان المكروه.


سيرة متكاملة تشكلها مجموعة الأحداث في القصص المتنوعة


الافتراضي هو الفعل المتخيل، الذي يبنيه السارد وفق رؤيته للحياة

وضع جيرارد جينيت تجنيس النص على غلاف الكتاب أحد العتبات الأساسية باعتباره وحدة من الوحدات الجرافيكية أو مسلكا بين المسالك الأولى في عملية الولوج إلى نص ما، فهو يساعد القارئ على استحضار أفق انتظاره. من هنا فأن تجنيس الكاتب جابر محمد جابر لكتابه الجديد بكونه "قصص قصيرة جداً" يضعنا أمام فن من فنونا السرد، وجد له ساحته وأركانه وخصائصه التي تميزه عن غيره من الفنون السردية الأخرى ولاسيما القصة القصيرة، واختلف النقاد في تحديد أركان القصة القصيرة جدا فمنهم من يحددها بـ"القصصيّة – الجرأة – وحدة الفكر والموضوع – التكثيف"، ومنهم من يذهب إلى تحديدها بـ"الحكائيّة –  الوحدة – التّكثيف – المفارقة – فعليّة الجملة". أمّا آخرون فيرون أن الأركان المُهِمّة هي "أركان تتعلّق بالجانب البصريِّ أو الطبوغرافيّ، أو بالجانب التّركيبيّ، أو بالجانب البلاغيّ، أو بجانب القراءة والتقبل، أو بالجانب السّرديّ، أو بالجانب المعماري".  
ويحدد جميل حمداوي الأركان الثابتة للقصة القصيرة جدا بـ: القصصية، والحجم القصير جدا، والتكثيف، وفعلية الجملة، والتراكب، والتركيز، وانتقاء الأوصاف، والصورة الومضة.
ومع تعدد الرؤى لعناصر القصة القصيرة جدا إلا اننا نتفق أولا على أنها قصة، وقصيرة، تعتمد الإيجاز والتكثيف باللغة، إضافة إلى الوحدة، والمفارقة والرّمزُ والتّناصُّ والاختزال. ويحذر النقاد من الاستسهال في كتابة القصة القصيرة جدا، فيعبر الكاتب خلدون الدالي، وهو كاتب معاصر من اليمن عن تخوُّفه على هذا النوع القصصيِّ من التّشويه، وهو يشير إلى أنَّ صفحات التواصل فسحت المجال لانتشار هذا النوع الأدبيِّ كالنّار في الهشيم، فاستسهل البعضُ الكتابة، ولم يلتزموا بخصائصه وشروطه، فجاء الكم الهائل من النّصوص لكتّاب مغمورين أشبه بالشّذرة القصصيّة، أو الخاطرة أو مجرّد خربشات.

الرمزية في القصة القصيرة جدا هي أبرز ما فيها حيث يختزل ذلك مسار السرد ويدفع بنا إلى النهاية مباشرة في لحظة تصدمنا وتكسر أفق التوقع، حيث تبقي المفارقة ورمزية النهاية المجال مفتوحا أمام التأويل

وحتى تكون القصة قصيرة جدا، يولي الكتاب اهتماما كبيرا للمستهل، فيكون مدخل القصة قويا مؤثرا يدفع باتجاه الحدث بشكل مباشر دون الحاجة إلى الكثير من الكلام. كما يبرز أيضا أهمية العنوان باعتباره العتبة الأساس للدخول إلى النص، والكشف عما يليه. 
ومن العنوان كونه العتبة الأخرى التي تطالعنا على غلاف الكتاب، نبدء قراءتنا لمجموعة الكاتب جابر محمد جابر القصصية، والتي عنونها بـ"بئر برهوت"،.. ولا نجهد كثيرا في البحث عن معنى العنوان إذ يطالعنا الكاتب به في إحدى قصص المجموعة التي حملت العنوان نفسه.
تقول القصة:
"جاء رئيس التحرير، إلى القاعة الكبيرة، نادى بـاسمي، طلب مني أن أصطحب أحد المصورين لعمل تحقيق استقصائي عن بئر برهوت. لم أكن أعلم أنه بئر جهنم، ويسمى أحيانا البئر السوداء، تسكنه الأفاعي، والطيور الغريبة وعمقه (375) قدما، مع هذا ذهبت إلى محافظة الحيرة في اليمن، ولازلت هناك..".
في القصة يعرفنا القاص ببئر برهوت بأنه "بئر جهنم، ويسمى أحيانا البئر السوداء، تسكنه الأفاعي، والطيور الغريبة وعمقه (375) قدما". ورغم أن المعنى المعجمي لبئر برهوت يتحدث عن مكان حقيقي في اليمن، فإن الكاتب استعار من المعجم الديني رمزية البئر المعبرة عن المكان المكروه والذي يتجنبه الناس. وهذا الرمز الاستعاري لعنوان المجموعة يجعلنا أمام رؤية الكاتب للحياة التي يعيشها، وهو في القصة لا يخبرنا أن البئر في اليمن ولكن يتجاوز ذلك بالإشارة إلى ذهابه إلى محافظة الحيرة في اليمن، لإكمال التحقيق الذي طلبه رئيس التحرير، فنعلم ضمنا أن البئر موجود بأرض اليمن. ومن الإيجاز أيضا أن الكاتب لم يشر إلى أنه صحفي ولكن من طلب رئيس التحرير نعلم مهنته، وهذا ما يتطلبه النص في القصة القصيرة جدا.. الفراغات التي يملأها المتلقي بفك شفرة الإشارات المقدمة داخل النص. 
كما أن القاص ينهي نصه بشكل صادم ومفاجيء بعبارة "ولا زلت هناك". ورغم أنه يسبق هذه العبارة بالإشارة إلى ذهابه لليمن فأننا نجد أن هذا الإنتقال المكاني ليس بالضرورة انتقالا ماديا جسديا، بل هو تعبير رمزي لما تشعر به الشخصية في القصة والتي تتحدث بضمير الأنا. فهل بقي السارد عالقا في بئر جهنم؟! إن ما يطالعنا في القصص الأخرى يجعلنا نشعر كأن الكاتب حصر شخصيات قصصه في بئر برهوت، فالفاعلون يشعرون دوما بالألم، والمعاناة، والفقر، والحزن، وينحشرون في زاوية الهّم ما يمكن ان نؤل البئر بأنه تلك الحياة التي تعيشها الشخصيات على ارض الواقع في أي مكان كانت.
ومن العنوان نلج النصوص بحثا عن الخيط السري الذي يجمعها، فالنصوص المتعددة يمكنها أن تشكل خطابا جامعا لرؤية الكاتب حيث يدل بعضها على بعض. ومع تصفحنا لبقية القصص نجد أن الكاتب يشي بنفسه في قصة بعنوان "قصص فاضحة" حيث يقول "منذ أكثر من عشرة أيام، وهو قلق، يحاول كتابة قصة، يسرد فيها، كل ذكرياته العشقية، ومغامراته العاطفية، كنت أستمع إليه، وهو يسرد قصصه، بلغة مسرحية وصوت يمتزج بالحزن والانفعال أحيانا، كان ينتظر مني، رأيا مباشرا، وهو لم يدرك أنني لم أعد معنيا، بأن أوضح أي شيء لأي أحد، ثمة رغبة تحاصرني، أن أترك أحلامي السرية، تعيش ترفها الفكري، بعيدا عن اللصوص والغرباء. هو يعلم أنني لا أستدرجه، لأثير أسئلتي الفاضحة، لم أعد أذكر، التقاطي لقصصه، لأنه لم يكتبها بعد.." 
ورغم أن الكاتب يسرف في وضع الفواصل بين الجمل حتى تلك التي تستدعي أن تمتد بشكل متصل، فإننا نلاحظ أنه لم يربط الجمل بحروف العطف وهذا ما يحسب لكاتب القصة القصيرة جدا، فهو ينتقل من جملة إلى أخرى، بالشكل الذي يحقق له الإيجاز معتمدا على تكرار الأفعال في النص. وفي هذا النص يضعنا السارد أمام شخصيتين الأولى "هو" شخص مجهول لا نعرف عنه شيئا غير محاولة كتابة قصة، قصة واقعية يسرد فيها مغامراته، وهنا تدخل الشخصية الثانية التي تمثل السارد نفسه، الذي يستمع إلى "هو" وكأنه يستمع إلى نفسه. ورغم أن الكاتب هنا يشير إلى الآخر بضمير الغائب فإاننا نذهب إلى أنه كان في حالة اتصال ذاتي فيتحدث عن نفسه بضمير الغائب، في محاولة ذاتية لتقييم ما يكتبه، ولكن في الآخر نجد أنه لم يكتب شيئا.

short story
لم يربط الجمل بحروف العطف 

وهذا ما يجعلنا نذهب إلى أن السارد يناقش نفسه ربما بصوت مسموع بشأن مشروع قصة جديدة لم يستطع كتابتها. وما يجعلنا نرجح ذلك هو ما يرد في النصوص الأخرى من أسماء صريحة ترتبط بالحدث الأساس، ولكن دون تعريف واضح بها، ما يجعلنا نذهب إلى أنها لأشخاص يعرفهم الكاتب مثل "خضير طالب الفلسفة الذي يبيع الثلج" و"صديقي علاء عاشور"، "عماد غني"، "اختي التي أحب، أم عمار" فهل كان الكاتب يحكي لمحات من سيرته الذاتية وضعها على شكل ومضات قصصية؟ ولاسيما أنه غالبا ما يستعمل في مستهل السرد "كان، كنت، كنا"، إضافة إلى شيوع السرد بصيغة الأنا ولاسيما في مستهل القصص "اختبأت في دهاليز عينيها .."، "في ليلة ماطرة كان قلبي قد فرّ خارج الخدمة"، "كنا صبية وفتيان"، "كان بيتنا في محلة السراي"، "أنا لست سعيدا"، "قلت لصديقي"، "حين كنت صغيرا"، "سأعود بقوة"، "قلت لها"، "أنا رجل بعيد عن الشبهات".
بينما تأتي الأنا بشكل صريح في عناوين قصتين هما "أنا" ، و"أنا وشبحي"، وهكذا في قصص أخرى حيث يتكرر السرد بصيغة الأنا لتضعنا أمام تأويل النصوص بأنها تتحدث عن الكاتب نفسه، (ربما يخلّ هذا شيئا ما برمزية السرد) فالفاعل في النص هو نفسه السارد، حتى عندما يكون الفعل منسوبا إلى الآخر، فالسارد هنا هو من ينقل لنا رؤيته إلى الحدث، أي أنه يبأر الحدث من حيث يشاهده هو، وبالتالي يعتمد السرد على شيئين أولهما تكثيف اللغة، وما ساعد الكاتب في ذلك كونه شاعرا يكتب قصيدة النثر، وثانيهما المفارقة التي تحملها خاتمة القصة رغم أن بعضها جاء محملا بعبارات أيديولوجية مباشرة لا تتناغم مع شعرية النص مثل "لا بأس أان أموت شهيدا من اجل الوطن"، "سأسمح لرصاصات الغيم، أن تفترش أحزاني وأنا أعزف لحن الخلود لوطني"، "بل عند أصحاب الكروش المنتفخة، من أرباب السوابق، سواء كانو سياسيين أم رجال دولة منهوبة"، هذه المباشرة في اللغة برأينا تخل بمسار السرد ومتطلبات القصة القصيرة جدا والتي تتطلب كما أشرنا في البداية المفارقة والرمز والتناص. 
فالرمزية في القصة القصيرة جدا هي أبرز ما فيها حيث يختزل ذلك مسار السرد ويدفع بنا إلى النهاية مباشرة في لحظة تصدمنا وتكسر أفق التوقع، حيث تبقي المفارقة ورمزية النهاية المجال مفتوحا أمام التأويل.
ما يجمع قصص المجموعة بمجملها مجموعة المتقابلات التي تتضمنها مثل:
أنا ---- هو
نحن ---- هم
الموت --- الحياة
الفقر ---- الغنى
البؤس --- السعادة
الحب --- الكراهية
إضافة إلى  الواقع --- الافتراضي.
حيث الواقع هو ما ينقله السارد عن حدث شارك به فعلا، أو مرَ به وشاهده بشكل مباشر. أما الافتراضي فهو الفعل المتخيل، الذي يبنيه وفق رؤيته للحياة.
يبقى أن نشير إلى أن الكاتب وفي غمرة انشغاله بالسرد وتوضيب قصص المجموعة فاته التشابه أو تكرار الحدث في قصتي "صناديق الخوف"، و"دموع الثلج" حيث جاء المستهل واحدا في كليهما "من وراء شرفة الأمنيات، أطلت فتاة، في غاية الموت، ترتشف كأس السعال" تصرخ بأنفها" (صناديق الخوف ص47)، (دموع الثلج" ص56)  ولا أدري إن كانت إحداهما مسودة للأخرى، أم الثانية اختزال للأولى.
خلاصة القول إن الكاتب جابر محمد جابر استطاع أن يقدم لنا مجموعة من القصص القصيرة جدا، تتناول الكثير من الأحداث والرؤى باختزال وإيجاز في السرد لا يخل بالمعنى الذي يريد أن يوصله إلى المتلقي، الذي يشعر أنه أمام سيرة متكاملة تشكلها مجموعة الأحداث في القصص المتنوعة.