بارزاني.. رئيسا وبيشمركة
تمر المنطقة بحالة من التدافع السياسي خلال موسم التنافس الانتخابي وارتفاع حرارة الدعاية السياسية، ما يستدعي التمييز بين رؤى البناء واستراتيجيات الهدم. وفي خضم السجالات السياسية المحتدمة تختلط أصوات المواقف الحقيقية بضجيج الادعاءات، حيث تُطرح أسماء كبيرة وثقيلة في ميزان التاريخ الحديث للعراق، لا بوصفها شخصيات عابرة في المشهد السياسي، بل بوصفها أعمدة راسخة ساهمت في صياغة معادلات الاستقرار والشراكة وإعادة بناء الدولة بعد سقوط النظام السابق، فتطفو على السطح بين الحين والآخر تفسيرات وتأويلات تريد أن تختزل مسارات معقدة بإرادات فردية أو أن تختزل تاريخاً نضالياً طويلاً في حسابات ضيقة.
في الآونة الأخيرة خرج من يحاول أن يعيد رسم خريطة المواقف وفق ما يشتهي، لا كما هي حقيقة على الأرض، فشرع ينسج روايات وخيالات وهمية عن شخصية واسم الرئيس مسعود بارزاني، وهو يحاول تفسير المشهد السياسي وفق تصورات تتجاهل الحقائق وتتغافل التاريخ والمواقف، لا وفق الوقائع التي يعرفها الجميع. وهذه المزاعم لا تأتي من فراغ؛ إنها جزء من حمى دعاية انتخابية تبحث عن الخصوم أكثر مما تبحث عن البرامج، وعن إثارة الغبار أكثر مما تبحث عن الرؤية. وفي لحظات كهذه يصبح التشكيك والتشويه وسيلة سهلة لأولئك الذين لا يستطيعون تقديم مشروع واضح أو بديل مقنع، فتستهدف الرموز لأن الرموز أثقل من أن تُنافَس وأكبر من أن تُحاصَر بالكلمات.
لذا، فإن محاولة الإيحاء بوجود تباين أو تعدد قرار داخل الحزب الديمقراطي الكردستاني، لا تعدو كونها أمنيات يُراد لها أن تتحول إلى "وقائع إعلامية". ولكن الحقيقة التي يعلمها القاصي والداني، والداخل والخارج، أن هؤلاء الذين يبنون نظرياتهم على الظنون، ويتغذون على الأمنيات، يجهلون "أو يتجاهلون" أن الديمقراطي الكردستاني ليس مجرد حزب سياسي يتحرك بوقع اللحظة، بل هو مسار نضالي طويل تشكل من دماء البيشمركة، ومن ذاكرة الجبال التي لا تنحني، ومن إرادة شعب لا يساوم على كرامته. وفي جوهر هذا المسار، قيادة واحدة ورؤية واضحة، وقرار موحد يقوم على أسس نضالية تمتد لعقود من تاريخ الحركة التحررية الكردستانية، لأن التجربة أثبتت أن الانقسام لا يصنع شعباً ولا يبني وطناً ولا يحمي حقاً. وهذه الحقيقة ليست مجرد موقف سياسي آني، بل هي ركن ثابت في مفهوم "البارتي" الذي لا يصدر مواقفه من ردود الفعل، وإنما من قراءة حكيمة للواقع ومستقبل العراق والمنطقة.
أما الذين يطلقون الأوهام حول تعدد القرار أو اختلاف المواقف فإنما يقيسون الآخرين على أنفسهم، ويظنون أن ما اعتادوه من تشظٍّ في مراكز القرار، ومن ازدواج الولاءات، أمر يمكن إسقاطه على الجميع. لكنهم يخطئون الحساب، لأن ثبات الموقف يقوم على أساس أخلاقي وتاريخي لا يمكن استعارته ولا اصطناعه. فثبات القرار في الحزب الديمقراطي الكردستاني ليس ظرفاً بل منهجاً، ووعياً وتجربة صقلتها المعارك والنضال المشترك. فالقيادة في إقليم كردستان بمكوناتها الراسخة من البارتي وقائديها التاريخيين ليست عنواناً للانقسام، بل للتماسك؛ إنها شجرة وارفة الظلال جذورها ضاربة في وجدان شعبها، وساقها قوية لا تتجزأ. فمن العبث بل من التضليل محاولة تصوير هذه الشجرة الواحدة كأغصان متفرقة يمكن قطفها أو كسرها؛ إنها إرادة جماعية تذوب فيها الآراء لتخرج برأي واحد، وقرار واحد ونهج نضالي واحد، هو نهج الحزب الديمقراطي الكردستاني العريق، نهج القائد التاريخي للأمة الكردية الملا مصطفى بارزاني ونهج الزعيم والبيشمركة الرئيس مسعود البارزاني الذي لا يزال يقود المسيرة بحكمة وثبات البيشمركة.
بعد سقوط النظام البائد كان الرئيس بارزاني مهندساً رئيساً لفكرة "العراق الجديد"، وحجر الزاوية في بناء مشروع وطني. فبعد التغيير الذي شهده العراق عام 2003 كان هناك من وقف أمام مفترق الطريق، إما عراق يُبنى على أساس الدستور والشراكة والتوازن والتوافق، أو عراق تُدار فيه الدولة بمنطق الغلبة والقوة والتفرد. وقد اختار الرئيس بارزاني الطريق الأول، طريق الدولة لا الفوضى، وحاول بعزم ونية صادقة أن يجمع شتات هذا البلد على أسس جديدة لم تكن طائفية أو مناطقية، بل كانت دستورية فيدرالية تقوم على ثلاثة أركان لا غنى عنها: الشراكة الحقيقية في إدارة الدولة والثروة، والتوازن العادل في توزيع السلطات والمسؤوليات، والتوافق الوطني كمنهج لحل الخلافات. كان مشروعه هو بناء عراق "الجميع" لا عراق "الفئة الواحدة" أو "الجهة الواحدة"، وبذل جهوداً استثنائية في صياغة عملية سياسية كان من المأمول لها أن تصون التوازن بين المكونات وتضمن أن يكون الدستور هو المرجعية العليا التي يحتكم إليها الجميع دون استثناء. وهذا الموقف لم يكن موقفاً سياسياً، بل رؤية لبناء وطن يستطيع الجميع أن يعيش فيه بكرامة. ومن يقرأ مسار السنوات الماضية يعرف جيداً من الذي دافع عن فكرة العراق الاتحادي ومن الذي عمل على إفراغ هذه الفكرة من معناها وتحويل الدولة إلى غنيمة، تُستباح فيها النصوص الدستورية ويتم تجاوزها كلما اقتضت مصلحة ضيقة أو رغبة نفوذ، وتُختطف فيه الدولة من الدولة وتغدو فيه المؤسسات واجهات شكلية بينما القرار الحقيقي يُصنع في الغرف المغلقة وبين قوى تتغذى على الفوضى. بينما كان الرئيس بارزاني ولا يزال يدافع عن عراق دستوري لا تُسرَق فيه الدولة من الشعب، ولا تتحول مؤسساتها إلى أدوات بيد جماعات السلاح والاقتصاد الموازي، ولم يكن يبحث يوماً عن نفوذ ولا امتياز ولا غلبة بل كان يناضل من أجل عراق يتسع للجميع.
لقد أثبتت التجارب قديمها وحديثها أن محاولات اختراق جدار كردستان الموحد، أو زرع الوهم بتعددية القرار داخل البيت الكردستاني، هي محاولات محكوم عليها بالفشل؛ إنها "أضغاث أحلام" كما قيل سرعان ما تتبدد عند أول اصطدام بحقيقة واقعة. فإرادة شعب كردستان هي إرادة واحدة، وأن قيادته هي قيادة متماسكة، وأن بيشمركته هي حصن منيع ضد كل محاولات التشويش والتضليل. وإن الرئيس بارزاني ليس اسماً عابراً في المشهد السياسي، وليس مجرد زعيم سياسي، بل هو رمز لمرحلة بأكملها، فهو ذاكرة النضال وكرامة الأمة، وهو بيشمركة أولاً قبل أن يكون رئيساً. وحين يكون القائد بيشمركة قبل أي شيء آخر، فإن موقفه من الدولة ليس موقف متسلط يبحث عن امتياز بل عهد ومسؤولية وثبات موقف.
إن جوهر الصراع اليوم في العراق هو بين مشروع يحمي الدولة، ومشروع يريد الدولة غنيمة، ويمكن اختصار هذا الصراع في سؤال واحد: هل نريد عراقاً يُبنى، أم عراقاً يُنهَب؟
أما أولئك الذين يرفعون أصواتهم اليوم بحثاً عن مكاسب انتخابية سريعة فليتذكروا أن التاريخ لا يكتب في مواسم الدعاية، ولا يقاس بتقارير القنوات، ولا يحدد عبر الادعاءات. فالتاريخ يكتبه الثابتون، والجبال "مهما طال عليها الضباب" لا تفقد ارتفاعها.