بطاقة مهداة لفن القصة القصيرة بتوقيع 19 قاصًا

فن القصة القصيرة فن مراوغ وصعب رغم تلك الظنون التي تراه فنًا سهلًا في الوهلة الأولى.


كثافة المفاهيم حول معنى القصة القصيرة من الوجهة الفنية لدرجة مثيرة تحير الأفهام


القصة لحظة منتقاة من الحياة كما انتقاء قطرة الماء من النهر

اشتهر فن القصة القصيرة بأنه الفن المراوغ والصعب رغم تلك الظنون التي تراه فنًا سهلًا في الوهلة الأولى، فهو السهل الممتنع، ويعود هذا في الأساس إلي كثافة المفاهيم حول معنى القصة القصيرة من الوجهة الفنية لدرجة مثيرة تحير الأفهام، لكن هناك مفهومًا أرضى به ويمثل يقينى حول هذا الفن النابه، أن القصة لحظة منتقاة من الحياة كما انتقاء قطرة الماء من النهر، صحيح أنها قطرة واحدة فقط لكنها تحمل جميع خصائص ماء النهر كما القصة القصيرة تعبر عن الحياة في تعدد أصواتها والدراما الفاعلة في رحابها، وهناك عبارة موفقة عن القصة أنها إذا امتدت زمنًا ضافت مكانًا والعكس صحيح. 
تلك كانت قضية الكتاب القصصي "أصبحنا تسعة عشر" في إشارة إلي جماعية الإبداع، حيث تسعة عشر قاصًا أردوا أن يقدموا للقارئ وجبة قصصية متنوعة الطعوم في عطائها الفني، يمنح هذا الفن العزيز بطاقة تقدير وتبجيل، وتقول نحن تسعة عشر قاصًا نؤمن بالقصة القصيرة ونرى لها القدرة في إمتاع القراء وإثرائهم بجملة مفيدة من فوضى الواقع تحيلها القصص نظامًا وتقدمها - كتعبير الناثر الكبير نزار قباني عن الأدب - علي طبق من الدهشة.
وبالطبع يوجد عطايا فنية وثيمات موضوعية في رحاب تسع عشرة قصة قصيرة نابهة، لكن نمر عليها نلتقط بعض دررها الثمينة.
ففي قصة "ملهمتي" للقاصة سارة ياسين محمد نجد الرواي الذاتي وأزمة الذات المنقسمة المتشظية، حيث الحنين إلى الماضى الذي يمثل الزمن الجميل، وسر بهاء القصة وجود أصوات متعددة في ثنائية الهدوء والصخب، الماضى والحاضر، حيث كما قالت القصة "وأكملنا الحفلة في هدوء وصمت، إلا أن مشاعرنا لم تكن صامتة البتة".

القصص تنبه القراء لوجوب مثول هذا الفن الاجتماعي المتوتر الجميل في الذاكرة الابداعية متوهجًا بجانب شقيقه الرواية سواء بسواء

وفي قصة "القصر" للقاص سيد عبدالحميد نجد أسلوب الحكي العربي المحبب، كان ياما كان، أو في يوم من الأيام كان القصر محاطًا بسور عالٍ، هي طريقة الحكي العربي المحبوبة وتشكل متعة القصة، وآراها قصة أمثولة جيدة، أو قصة الكناية تركت للقراء تأويل ما بين سطورها، وتأويلي الشخصى أنها عن قضية الشعر ذاته وشغفه بالجميلة "المعني" المأسورة وراء أسوار مترسة حزينة. 
وفي قصة "حق مفقود" للقاص إبراهيم سعيد نجد استعمال العناوين الجانبية "الواقع الخفي / الواقع المؤلم"، كما نجد تكرارًا للشطر المشهور "تجري الرياح بما لا تشتهى السفن"، آخر كلمة في القصة مفسرة لها وكاشفة لوجه الظلم العالمي لقوى الاستخراب التي تسعي لتدمير الأمم وسلب حقوق القدس والمواطن العربي، والقصة فيها نبل القصة وقيمها الراقية. 
وفي قصة "بت الصعيد" للقاصة إسراء الشعراوي نجد أنها قائمة علي التقطيع بلغة سريعة ناجزة، وهناك مشهد من داخل المشهد القصصي الرئيس، وهذا أسلوب القصة الإطار التراثي، لهذا لم يكن عجيبًا أن نجد اسم "قمر الزمان" التراثي، القصة تنتهي بخلاصة حياتية تتماس مع العنوان حيث العادات الاجتماعية تأسر إنسانية الإنسان وتهضم حقوق الفتاة الصعيدية في الاختيار. 
وفي قصة "سباق الموت" للقاص وائل عبدالحميد نجد الراوي بصيغة المخاطب "هو" يتحدث عن رعونة ثري يفخر بالقوة، وتوجد بالقصة عبارة "كل هذا بسبب السرعة والمغامرة ياليته استمع لنصيحة المقربين منه"، والتي تعني إسداء النصيحة لبطل القصة لكن هناك قيمة فنية بالقصة بكسر أفق توقع القارئ وتسمي المسافة الجمالية حيث، القصة تحمل مفاجأة في الخاتمة، لكنها ساخرة في باطنها من سيطرة الأدوات الحديثة على الإنسان بحيث تسوقه لحتفه، والعنوان جيد لمثل هذا الأداء القصصي. 
وفي قصة "ماتت" للقاصة سماح عبدالله، تشير إلى أن الشخصية القصصية لا يجب أن تكون حدية، فكل إنسان يحمل داخله نوازع الشروالخير معًا، والصبغة هي نسبة كل لون في هذا المزيج الحتمي، والقصة رومانسية في الأساس. 

وجبة قصصية متنوعة
إمتاع القراء وإثرائهم 

وفي قصة "كتبنا الكتاب" للقاصة هاجر محمد نجدها قصة قيمية تحتوي فكرة إسلامية، شارحة أزمة بطلة القصة "فرح"، مع إدراج عبارات وهاجة عن الدين ودوره في الحياة، والنهاية في القصة تتفق وأفق توقع القارئ، لكنها تشكل قصدية القاصة القيمية.  
أما قصة "الوفاء القاتل" للقاص عمرة البحيري فتتحدث عن ضنك العوز، وتفاصيل عن الهامش الاجتماعي، بطل القصة يبحث عن زوجة تضيئ له الحياة فرحل وراء نساء الشمال كوصية جدته، ويلتقي بالشيخ سعد خان ويعود مرة أخرى لقريته ليجد الأعداء قد اجتاحوها، الأحداث كثيفة وممتدة في الزمن. 
وأما قصة "حتى لا يموت الحب" للقاصة أسماء نور، فتتحدث عن أوجاع سابقة لأبطالها من جحود أقارب لهم تركوهم في محنتهم، ولكن قصة حب نبتت على نيران انتقام فانقلبت بلسمًا للثارات، واللغة العامية يرى البعض باستعمالها في الحوار لتحقيق الواقعية، فهناك رأي آخر بوجوب استعمال الفصحي في الحوار طالما كان بلغة فصحي قريبة وتتفق مع خصائص الشخصية الثقافية، لكنها قضية يراها كل مبدع طبقًا لقناعته الخاصة، وليس هناك من حظر إبداعي. 
وقصة "حالة وفاة" للقاص أحمد سيد عبدالغفار، فهي قصة فنية لانتقائها لحظة وفاة العم وحزن شخصية الحدث القصصي، وقد هاجت الأحزان بتذكر وفاة أبيه وأمه منذ سنوات سابقة، ثم وصية المتوفى التي بسببها تجبر العائلة بطل القصة لحضور جلسة تقسيم الميراث يعد أيام العزاء الثلاثة، وهناك مفاجاة في الخاتمة بما أضفى عليها تشويقًا ونهاية مفتوحة.
وفي قصة "هناك" للقاص معتز حجازي، استعملت القصة الرسالة كتقنية سردية وهي خاصة بالبوح للسارد الوسيط أو المحكي عليه، خبير التنمية البشرية، ليقوم بدوره بنشرها على صفحته الفيسبوكية المليونية، القصة بها جانب عجائبي عن عدسة بلورية يشاهد بها الرائي المستقبل القريب، وتنتهي القصة بحكمة، هناك ملكة حكي جيدة جاذبة للقارئ، وبالتأكيد يحب أن يطالع لهذا القاص قصص أخرى. 
وفي قصة "قتله الفضول" للقاص أحمد عبدالعظيم نجد السارد الذاتي الذي يتجسس على جار له جديد يسكن في آخر الشارع الذي يقطنه، وهى من اللون العجائبي أو الفانتازيا الداكنة، تثير أسئلة عن عوالم نحياها في الحلم وتحقق واقعا ولكن بصورة يراها الناس مختلفة، ولا شك أن هناك قدرة حكي جيدة.
وفي قصة "الرحلة" للقاص فايز صابر المعداوي نجد قصة أمثولة أو مجازية تقوم برسم مشهد قائم علي تجسيم المعنوي بصورة مادية، فيها سيريالية محببة ومشوقة، ولذلك يعلو صوتها الشعري هامسًا في منطقة حدية بين يقين الاستعارة وشغف القصة القصيرة.
وفي قصة "سأنتظر" للقاص عبدالرحمن سامح رشاد، نجد قصة فتاة تعاني قصة حب صامتة تمنعها الفضيلة من البوح، طريقة خروج شخصيات السرد لتخاطب القارئ وجهًا لوجه قام بها د. طه حسين في "المعذبون في الأرض"، وجزء القاص الأخير منحي مؤيد لقصدية القاص. 
أما القصة المبدعة "ما قبل فتح باب المترو" للقاص أحمد عرفة، فلحظة مأساوية متكررة منتقاة بعناية رغم شيوعها عن محنة الزحام وفتاة ساردة ترصد لنا التحول الخطير في أخلاق المجتمع ناتج ظروفه العاصفة، وتطرح ظاهرة التحرش بذكاء من خلال تفاصيل جعلت للقصة حضورًا قويًا زادها بهاءً تلك الخاتمة المعبرة.
وفي قصة "عندما غاب الشيطان" للقاصة أسماء عبدالخالق، نجدها من لون قصصي طريف عن أساتذة إبليس، الجو غرائبي والقصة مجازية بامتياز.  
وقصة "أبوها الحانوتي" للقاصة نيفين شريف، تتحدث عن الهامش الاجتماعي وآثاره السيئة لتصف لنا قاع القاع الأخلاقي، مع لغة عامية في الحوار والسرد جميعًا، وهي اختيار المبدعة وقناعتها.
أما قصة "العاهرة" للقاصة ريهام هشام، فتتحدث عن صلة إنسانية وحوار نابض بعدد من القضايا بين قطبي صفقة غير جيدة "الرجل والمرأة خارج إطار الزواج"، وتمتد شيئًا في أحداثها للتعبير عن تلك القضايا.
وفي القصة الأخيرة في المجموعة "ذهبت" للقاصة خديجة مسك، نجد ضمير الحكي بالبوح والإفضاء لتطرح أزمة نفسية منذ اللحظة الأولى في القصة، فيها تفتيت الحدث إلى مقاطع، ولا شك أنها قصة ذات عمق تحتاج إلي إعادة المطالعة لاستحلاب مرارتها، لكنه مرآة الواقع بلغة فنية جزلة. 
إنها بطاقة مهداة لفن القصة القصيرة ممهورة بتوقيع تسعة عشر قاصًا، تنبه القراء لوجوب مثول هذا الفن الاجتماعي المتوتر الجميل في الذاكرة الابداعية متوهجًا بجانب شقيقه الرواية سواء بسواء.