بلقاسم يعلق على تقارير حالة الشعر المغاربي

الباحث المغربي خالد بلقاسم يتوقف عند إشكال التسمية التي تنطوي عليه صفة "المغاربي".


التجارب الشعرية على نحو ما انتهت إليه التقارير، لا تختلف من بلد مغاربي لآخر فحسب، بل يتبدى هذا الاختلاف حتى بين شعراء البلد الواحد


الحاجة إلى مواكبة نقدية للشعر قائمة على معرفة علمية وعلى إلمام بجديد الشعريات العالمية


تراجع الانشغال المباشر بالقضايا السياسية الكبرى التي كانت أكثر حضورا في تجارب سابقة

قرأ الباحث الدكتور خالد بلقاسم التقارير والأبحاث الستة المنشورة في تقرير حالة الشعر العربي - في تجلياتها المغاربية - الصادر عن أكاديمية الشعر العربي بجامعة الطائف 2019، والتي شارك في كتابتها كل من الباحثين: د. عبدالقادر رابحي، ود. محمد مشبال، ود. ربيعة برباق، ود. إسماعيل شكري، ود. يوسف وغليسي، ود. منصف الوهايبي، والتي سبق أن عرضنا لها جميعا في ثقافة ميدل إيست أونلاين.
وتوقف بلقاسم عند إشكال التسمية التي تنطوي عليه صفة "المغاربي"، وقال: التسمية ليست عملية شكلية، بل تُضمر رؤية إلى المسمَّى وتصورا عنه، ومن ثمة فإن حصر المسمى في الشعر المغاربي المكتوب بالعربية أو توسيع المسمى كي يطول الشعر المغاربي المكتوب بلغات أخرى هما أساسان مختلفان في تصور الشعر المغاربي، حيث تبرز رؤيتان متباينتان؛ تغِّلب الأولى اللغة في تحديد الموضوع، وتعتمد الثانية المعيار الجغرافي. ويرى أن ما يترتب على إشكال التسمية يُعد من صميم القضايا التي يطرحها الشعر المغاربي.
أما إشكال الاختلاف الذي يسم التجارب في الشعر العربي المغاربي، فيوضح أن التقارير الستة شددت على الاختلاف الذي يخترق التقاطعات القائمة بين التجارب الشعرية في البلدان المغاربية بحكم اختلاف السياقات السياسية والاجتماعية التي عرفها كل بلد مغاربي على حدة في الزمن الحديث، فالحالة الشعرية تتكشف أكثر ما تتكشف من داخل الاختلافات الراسمة لحالة المشهد الشعري المغاربي الراهن، ومن التفاوت بين الأوعاء الشعرية المسيجة للتجارب، ذلك أن التقارب الجغرافي لا يقوم حجة على التقاطعات التي يمكن أن تقود، بصورة مخلة، إلى رسم صورة تعميمية لا تنتبه إلى التباينات.
ورأى أن التجارب الشعرية على نحو ما انتهت إليه التقارير، لا تختلف من بلد مغاربي لآخر فحسب، بل يتبدى هذا الاختلاف حتى بين شعراء البلد الواحد، خصوصا أن الشكل الشعري المعتمد راهنا، في أي بلد مغربي ليس واحدا، ففي حين ثمة تعايش بين الشكل العمودي وشعر التفعيلة وقصيدة النثر والأشكال الشعرية القصيرة مثل الشذرة والومضة والهايكو في المغرب وتونس والجزائر، يكاد يكون الشكل الأول – أي العمودي – طاغيا في موريتانيا على وجه الخصوص.

بلقاسم يؤكد على أن التقارير اتفقت على غياب دراسات دقيقة عن الشعر العربي المغاربي، وهو ما تترجمه ندرة المقاربات النقدية عن هذا الشعر

أما عن إشكال النقد الشعري في البلدان المغاربية، فقد كشفت التقارير أن حالة الشعر العربي تحتاج إلى دراسات نقدية، وإلى بحوث أكاديمية بغية إنتاج معرفة بهذا الشعر، وتبدى أيضا في أن نقاد الشعر في البلدان المغاربية نادرون. ويرى الباحث بلقاسم أن الأمر يكشف الحاجة إلى مواكبة نقدية للشعر قائمة على معرفة علمية وعلى إلمام بجديد الشعريات العالمية.
وعن إشكال علاقة الشعر العربي المغاربي مع الشعر العربي المشرقي، يوضح بلقاسم أن التقارير رصدت حضور نبرة السياب الشعرية ونبرة البياتي وأدونيس ودرويش وغيرهم من الشعراء المشارقة في الممارسة النصية لدى الشعراء المغاربيين. ويرى الباحث أن المرجعية الشعرية في التجربة المغاربية توسعت منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، وأصبحت هذه التجربة تحاور تجارب عالمية من جغرافيات شعرية متباينة.
وعن إشكال تصنيف التجارب الشعرية المغاربية فقد حرصت التقارير على وصف حالة الشعر العربي المغاربي دون التقيد بتصنيف قار، وعلى سبيل المثال بدا واضحا أن مفهوم الجيل لم يعد معيارا دقيقا يمكِّن من وصف حالة هذا الشعر وتحليلها، أيضا هناك تصنيف الأشكال الكتابية (عمودي وتفعيلة ونثر) على حين أنه رصد تصنيفا آخر يحتكم إلى ثنائية الحداثة والتقليد، وكلا التصنيفين يكشف الحاجة إلى تصانيف أكثر تفصيلا.
ويوضح الباحث بلقاسم أن التقارير ركزت على تحديد الموضوعات والخصائص الدلالية في الشعر العربي المغاربي وعلى استجلاء الخصائص الفنية فيه، ومعالجة مسألة الإشكالات والتداخلات النصية المميزة له، ومقاربة حالة هذا الشعر في المشهد الشعري عالميا اعتمادا على مسألة الترجمة.
ولاحظ بلقاسم تراجع الانشغال المباشر بالقضايا السياسية الكبرى التي كانت أكثر حضورا في تجارب سابقة، وانفصال الشعر عن الخطابة وعن الخلفيات الإيديولوجية، بينما كشف استفادة التجارب الشعرية الجديدة من المكاسب التي سبق أن أرساها الشعراء المغاربيون منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، وأصبح لافتا تحرر الشعر المغاربي راهنا في معظم التحارب من الخلفية الإيديولجية ومن التقريرية ونزوعه إلى تقوية البعد الجمالي، ونزوعه نحو تأمل الذات والنزول إلى أغوارها وأسرارها، لكنه تأمل متحرر من كل نزوع رومانسي. 
كما لاحظ بلقاسم إبراز التقارير لاستمرار انشغال الشعر العربي المغاربي باليومي وتفاصيله ولا سيما في قصيدة النثر. ولم يفت التقارير الوقوف على الأشعار التي تكتبها المرأة المغاربية، وأن هذه الأشعار على قلتها بدأت تتخفف من أثر لغة الجسد في أفق التحرر من هذه اللغة التي هيمنت على كتابة الشاعرات.
وبناء على ما تضمنته التقارير الستة، يمكن إرجاع التحول الذي مسَّ راهنا، موضوعات الشعر المغاربي إلى تنامي وعي الشعراء بأهمية المعرفة الشعرية في البناء الدلالي لقصائدهم، ما يعني أن تصور الشعراء المغاربيين عن مفهوم القصيدة هو المحدد للتحول الذي مسّ طبيعة الموضوعات وطريقة تناولها، واحتكام الشعراء المغاربيين في تفاعلهم مع قضايا زمنهم، إلى تصورهم للشعر وليس إلى منطلقات أيديولوجية، وقد نصت التقارير على إشكال المعنى في النصوص الشعرية المغاربية، بل إن من التقارير ما أشار حتى إلى كتابة اللامعنى بوصفه المعنى الممكن في تصور هذه الكتابة، وإن تعذر رصد الشعر المغاربي في ضوء إحالته على مرجع محدد المعالم، وهذا يعود إلى كون الممارسة النصية هي ذاتها لم تعد تحيل على مرجع واضح المعالم، بقدر ما أصبحت تحيل على نصوص تشتغل داخل القصائد قادمة من ثقافات عديدة ومتباينة. 

The case of Arabic poetry
ضرورة احتكام الترجمة إلى الاستحقاق الشعري

وعن البناء النصي والخصائص الجمالية يوضح الباحث بلقاسم أن التقارير أكدت على تنوع خصائص هذا الشعر الجمالية حيث تنوع صيغ البناء في المجاميع الشعرية، وأن ثمة تجارب تصوغ البناء العام لبعض مجاميعها الشعرية في ضوء تصورها للكتاب الشعري، على نحو يجعل الديوان شبيها بكتاب شعري متلاحم، واعتماد العديد من التجارب الشعرية المغاربية على كتابة مكثفة شديدة القصر، وكسر الحدود بين أنماط الخطاب وأنواعه، وهو ما رصدته التقارير في الاستثمار الشعري للسرد، مع الحرص على استثمار المتخيل الأسطوري بطرق مختلفة، والانفتاح على التشكيل واستثمار تقنياته في الكتابة الشعرية المغاربية.
وفي موضوع هجرة القصيدة المغاربية إلى لغات أخرى يوضح بلقاسم أن التقارير شددت على أمرين اثنين؛ الأول: تفاوت هجرة الشعر المغاربي إلى لغات أخرى، حيث تحققت هذه الهجرة على نحو بيّن في المغرب وتونس والجزائر فيما ظلت محدودة في ليبيا، أما في موريتانيا فقد ظلت القصيدة منكفئة على ذاتها فاترة الصلة بغيرها، والثاني: ارتباط القصيدة المغاربية في المرتبة الأولى بالترجمات الفرنسية.
على أن أهم القضايا التي تثيرها هجرة القصيدة المغاربية إلى لغات أخرى هي: حضور الشعر العربي المغاربي في المهرجانات الدولية، مثل المهرجانات المتوسطية، والاحتفاء الأوروبي بالشعر المغاربي سواء المكتوب بالعربية أو بالفرنسية، والبعض فسر هذا الأمر على أنه من رواسب النزوع الاستعماري. 
وقد نصت التقارير على ضرورة احتكام الترجمة إلى الاستحقاق الشعري، وضرورة اهتمام الترجمة بالتجارب التي تحمل رؤية شعرية، وفصل موجِّهات الترجمة عن أي نزوع شخصي.
كما أشارت التقارير – حسبما يوضح بلقاسم – إلى تلقي الشعر المغاربي في ضوء الواقع التواصلي المعاصر، حيث لوحظ العزوف عن قراءة الشعر مقارنة بالإقبال على الرواية، والصعوبة التي تطرحها قراءة الشعر العربي المغاربي خصوصا التجارب الشعرية التي تتسم بالغموض، وانتقال بعض الشعراء من كتابة الشعر إلى كتابة الرواية، أو على الأقل مزاوجتهم بين الكتابتين.
أما بالنسبة لوسائط التواصل الحديثة فنبهت التقارير على أن الاستسهال الذي أصبح يطبع النشر الإلكتروني يهدِّد، من زوايا عديدة، الشعر قبل أن يهدد متلقيه، وأن البعد التكنولوجي ليس علامة على الحداثة لأنه يظل مجرد وعاء.
ويؤكد بلقاسم على أن التقارير اتفقت على غياب دراسات دقيقة عن الشعر العربي المغاربي، وهو ما تترجمه ندرة المقاربات النقدية عن هذا الشعر.