بين فضيلة الألم وتشويق السرد

أحمد السعيد مراد في روايته "لا تسألني لماذا أحببتها؟"، يمزج بين الخطين العلمي والإنساني.


تتجلي لذة العافية وقيمتها عندما نخوض تجربة الألم فيكون وسيلة للتطهير


الروائي يقدم فلسفته حول الطب والألم وعذابات المرضى ومن يحيطون بهم من أقارب وأحباء

تعرفت الحياة الثقافية منذ عقود طويلة على عدد من الأطباء الذين نبغوا في الأدب، وهي الظاهرة التي تنسجم مع معطياتها، حيث الطبيب في الأساس يتعاطي مع آلام الناس وعذاباتهم المريرة، فكانت استجابة أصحاب المواهب منهم للتعبير عن هذه العذابات، كما استعمل بعضهم عالم مهنة الطب في حد ذاته وسيلة لتشكيل الإطار الروائي.  
وفي رواية "لا تسألني لماذا أحببتها؟"، للروائي د. أحمد السعيد مراد، مزج بين الخطين العلمي والإنساني، حيث تدور الأحداث حول د. محمد السعداوي الذي يبحث لزوجته المصابة بمرض السرطان وتعاني آلاماً مبرحه عن كشف علمي من خلاله يقوم باستئصال جراحي وتعديل تركيب عصبي بالجسد المريض يؤدي إلى عدم الإحساس بالألم، ويخوض في سبيل ذلك أحداثاً غامرة بالصراع، وسبق تلك الأحداث العلاقة الإنسانية التي تربطه بزميلة الدراسة والعمل د. شيماء عبدالعزيز والتي ارتبطت بزميل آخر د. هاني رغم إعجابها بدكتور سعداوي، وتنتهى تلك الخطبة بالانفصال، لتمضي الأحداث في طريقها الروائي المرسوم.
وتعنى الرواية بمعنى كون الألم نعمة ونحن لا ندري، حيث إنه جرس الإنذار للظاهرة المرضية، كما أنه من خلاصات التطبيب النفسي لشخوص الرواية، ندرك أن الألم فضيلة إذ أنه دليل الحياة، كما تتجلي لذة العافية وقيمتها عندما نخوض تجربة الألم فيكون وسيلة للتطهير، وسنة لازمة للحياة، لولاها ما كانت الحياة وما كان الإنسان، تماهياً مع النص الشريف {لقد خلقنا الإنسان في كبد}، إنها الهبه الآلهية التي يُمتحن بها الإنسان لتأكيد إنسانيته وقدرته علي المواجهة وتحمله المسئولية التي ليس فوقها واجب.

القارئ لا يحصل على معلومات طبية في الأساس، بل يحصد أيضًا خبرة إنسانية اعتمرت وتزينت بها الرواية

والروائي في روايته يقدم فلسفته حول الطب والألم وعذابات المرضى ومن يحيطون بهم من أقارب وأحباء، كما يقدم تلك  الأسس المهنية الطبية الموثوق بها، والتي ترفع هذه مهنة الطب لما تستحقه وما يجب أن تكون عليه من السمو الإنساني النبيل. يقول بطل الحدث الروائي "توقف يا بني عن التعامل مع المريض على أنه شيء أصم أو جسد فقط، انظر إلى روحه التي هي من أسرار الله وامنحها ما تستحق من التقدير".
وفي موضع آخر "اعطها قبساً من مشاعرك ولا تتوقف عند حساباتك العقلية فقط"، بل يقدم خلاصة حكيمة تصلح للمخلصين في أداء أدوارهم في المجتمع "لا تنتظر المكافأة بمدح الآخرين في إنجازك، رضائك الذاتي وإدراكك للجهد الحقيقي الذي وصل بعملك للصورة النهائية المميزة به هو مكافأة من الله يمنحك بها سلاماً داخلياً يغنيك عمن سواه". 
وإعلاء قيمة الإتقان يشدنا إلى ملمح رئيس في الرواية، حيث الإتقان دون انتظار المديح "لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً" قيمة من أرقى القيم الحضارية. فقد اقتنت الرواية فكرة التحضر والتي تعني رقي الثقافة، حيث الحضارة هي "الثقافة المتقدمة المبدعة"، فكل إنسان وكل مجتمع له ثقافته "والثقافة في مفهوم لها تعني وجهة نظر في شئون الحياة تصبغها بالكامل"، ولكن ليس كل إنسان أو مجتمع متحضر بالضرورة،، والرواية تقتني هذ المفهوم، فتقدم علي سبيل المثال: 
•    قيادة السيارات في الطرق باعتبارها مقياساً للتحضر: "كائنات فاقدة للحس الحضارى تتسابق في صراع محموم لكسب دقائق يضيعون أضعاف أضعافها في الكثير من التوافه بحياتهم..."، وهو أمر نعلمه جيداً حين نعلم أن أعداد ضحايا الطرق في البلاد الفاشلة تفوق بكثير ضحايا الحروب.
•    حديث فندق اليابان والمقارنة المبطنة الساخرة، فهي رواية لقاء حضاري على مستوي التخييل الروائي، مثال استعمال فكرة التحضر (المعنى لا المبنى)، فعيادة "شيكوماتا" صغيرة المساحة،، وكان يتوقعها مبنى عريضاً مقاماً على آلاف الأمتار متعدد الطوابق، فالقيمة والإنجاز بالمعنى (حضارة) وليس بالمبنى (ثقافة لم ترتقِ للتحضر)، وما حديث قصور الثقافة والمدن التعليمية التي ترعى فيها الهوام والأعشاب البرية عنا ببعيد.
•    كما عمرت الرواية بكشف مثالي لوجه قيمي في العلاقات الاجتماعية، ويمثل قمة التحضر لأمة ناهضة.
كما شمل الرواية التوفيق السردي، بتناوب السرد بين نوعين من الرواه، وهي براعة سردية تعد من تجليات السارد حيث تتم التبادلية بين هذين النوعين من الرواة عبر فصول الرواية: الأول (خارج مفكرة "شيماء") وهو السارد كلي الحضور ويمثل الشهادة على العصر والمهيمن على مجتمع السرد، والنوع الآخر (مفكرة شيماء) والمفكرة سارد ذاتي يحقق تقنية المناجاة (المونولوج) وتسمح برؤية الشخصية من الداخل وإتاحة الفرصة لإفضاء مكنوناتها في الفضاء السردى، وإنارة القارئ بمعطيات القصة القيمية والفنية، والراوي الذاتي بضمير "أنا" لا يتفق ولا يتحمله السارد العليم، لأنه السادر المستبد الذي يتدخل دائماً بالتعقيب والهيمنة على كل شأن في مجتمع القصة، فكانت المفكرة طريقا للتوفيق بينهما والاستفادة من فضائل طرق متعددة للسرد، من خلال تبادلية فصول الرواية بينهما. 

أطباء نبغوا في الأدب
الإتقان دون انتظار المديح 

كما حققت الرواية ميزة سردية حديثة تتعلق بانزياح الزمن السردي وتداخله ونفي الخطية في الزمن داخل الرواية، وهي من علامات التشويق، حيث يستمتع القارئ بدور في القراءة بإعادة ترتيب الزمن، فتداخل الأزمنة بين نوعي السرد الموضوعي (العليم)، والذاتي (المفكرة) حقق ما يطلق عليه نقدياً (الغموض الشفيف)، وهو ملح الأعمال الأدبية، وفكرة الغموض في القادم الروائي يحقق سمة للتشويق حول العالم الخفي لمجموعة من الألغاز يتم مسرحة الكشف عنها، أي كشف الأستار عنها رويداً رويداً أو شيئاً فشيئاً، تلك الألغاز التي يسعي شخصية الحدث الروائي د. محمد سعداوي إماطة الأستار عن طلاسمها، وتقديم الحلول لها، وكان كشف الأسرار في منتصف الرواية تماماً، عن غوامض الكشف العلمي المثير، يعني أن الروائي قرر اختصار الخط البوليسي المشوق، ليبدأ التركيز أكثر على الجانب الإنساني المضفر به نسيج السرد. 
وهذان الخطان العلمي والإنساني يدلان على أنها رواية علمية من الطراز الرفيع، حيث إن هناك مغالبة لجهامة المعلومات العلمية برصد عدد من التأثيرات الاجتماعية والنفسية بين ثالوث أبطال الرواية (هاني / سعداوي / شيماء)، من خلال الأداء عبر تبادلات نفسية وخلجات نفوس طموحة وثائرة، ليصل للحكمة مصفاة "الحياة لا تشمل النجاح المهني ولا المادي فقط، وما قيمة نجاحك إن لم تشعر بطعم الحياة وأفتقدت الطمأنينة والحب فيها".
ومن تجليات السرد الجيدة "التماثل السردي"، ومثال لها صفحة رقم 130 من الرواية وهو يتحدث عن "سلخ مشاعره" وهي مناسبة لأجواء الجراحة الطبية، ولتجسيد قمة الألم المعنوي.
بقي أن نشير إلى أن الرواية تنظر للمرأة نظرة إيجابية محترمة ومقدرة، كما تقدم فكرة أن الألم يقودنا إلي "التغافر" (لو كان للآثام رائحة ما تصافح أحد)، كما أن القارئ لا يحصل على معلومات طبية في الأساس، بل يحصد أيضًا خبرة إنسانية اعتمرت وتزينت بها الرواية.