تمرين على الطيران والكلام

محمود البنا كان يختبر القصيدة، ويعيد تركيب حروفها، وكأنه في مشغل النحت للحروف والمعاني والجمل الشعرية التي تتدفق بعذوبة.


إنني أضع الملح على جُرح الفكرة، كي يبقى الوجع ذا ذاكرة نازفة


وجهك مبتدأ، وأنا النحوي المرهق، الغارق في كتب اللغة أفتش عن خبر

عن الدار الأهلية للنشر والتوزيع، صدرت المجموعة الشعرية "تمرين على الطيران" للشاعر الأردني محمود البنا، ورغم أنها المجموعة البكر له، ولكنّه يقتحم من خلالها هيكل الشعر، واثق الخطوات، وكأنه يريد أن يؤكد قدرته في العزف على بيانو الإبداع، فتتسرب حروفُهُ نغماتٍ ساحرةً، متدفقة في هذا الفيض الجميل من المعاني العميقة، وفي لغة شعرية عريقة، قادرة على تطويع المفردات والحروف في مجازات مفتوحة الدلالات ومتنوعة الإيحاءات. لقد أدرك بغريزته الإبداعية التي لا تُخطئ حجم المنظور الشعري وعوالمه، لذلك افترض أنه يجرب هذا الفضاء اللامتناهي، بما أطلق عليه بتمرين على الطيران، ولكنه في خفقة جناحه الأولى استطاع أن يذهب بعيدا :
"أمرّن طفلَ الكلام على المشي، فوق رصيف القصيدة، 
ثم أواري يديّ وأفلته"
 ومن هنا تبدو علاقته في حياكة الشعر، والتي تبدأ بالتمرن على وهج الشعر وسقطاته، واستشعار المطبات الحادة التي تخترق خاصرة الوعي. ألم يقل جرير عن عمر بن أبي ربيعة: إنه يهذي حتى قال الشعر. هذيان الشعر ما هو إلا ذوبان فيه، وتحليق في أجوائه. 
 ومحمود البنا كان يختبر القصيدة، ويعيد تركيب حروفها، وكأنه في مشغل النحت للحروف والمعاني والجمل الشعرية التي تتدفق بعذوبة، لتتشكل كطفلة عميقة الجمال والبراءة والتوثب، ولا يكتفي بذلك، بل يحاول أن يثريها ويمزجها بالمصطلح اللغوي، حيث تتحول اللغة إلى حديقة تضجّ بالحياة، لها مقاساتها التي تنزلق من رفوف قاموس النحو وقواعده الجامدة، لينفخ فيها الحياة، فيشبّه وجه الحبيبة بالمبتدأ، بكل حمولته اللغوية التي تفترض به أن يحتل موقع الصدارة في الأهمية بالنسبة للجملة:

هذه المجموعة الشعرية للشاعر محمود البنّا، ما هي إلا إفراز عميق لتجربة عاشها هذا الجيل، والذي وجد نفسه على حافة هاوية حرجة، فأراد أن يؤكد ذاته، وأن يستنهض كل ما يمتلك من الأدوات، ليتحرر من هذه اللحظة الزمنية المشحونة بالمرارة

"وجهك مبتدأ، وأنا النحوي المرهق، الغارق في كتب اللغة
أفتش عن خبر".
وحتى المسافات الحسيّة، يتمّ قياسها بنبض الحروف، فالكتابة لا تنفصل عن وعي الشاعر وخطواته وأحلامه، فهو يعيشها كواقع حياتي شرس ومزدحم بالأضداد، ولكي يخفف عن نفسه عبء المعاناة، يستعين بالاستعارة والمجاز، فتبدو قصائدُهُ متوهجةً كراقصة الباليه، التي تقدّم المشاهد الفنية الحافلة بالجمال والإثارة، ولكن أقدامها تتألم بصمت وتتعرض لخطر الاعوجاج، وهذا هو قمة الخلق والإبداع كما يراه الفيلسوف نيتشه، لذلك فالشاعر كان يسفح وجع المعاني، بأناقة لفظية باذخة. 
الشعر عند محمود البنا ليس ترفا لفظيا، وإنّما أداة لتلمس العالم، وبحث عن النقاط المعتمة فيه، من  وجع ومعاناة ومخاض. يتسرب الشعر من ثنايا القصائد للبحث عن المأزق الجميل. حيث العلاقة المتأزمة بين الجرح النازف ومحاولة تأكيده وديمومته، حتى يتحول الألم الداخلي ملاذاً:  
أنا لا أكتب الشعر
إنني أضع الملح على جُرح الفكرة، كي يبقى الوجع ذا ذاكرة نازفة"
كما أنه يشبّه الشعرَ كزجاج متشظ في الطريق، وحينما يسير عليه حافي القدمين، لا يتعرض للجرح، بل يعالج النزف، وهنًا تكمن فكرة الألم في معناها الفلسفي، والتي تتم معالجتها بالألم نفسه. وقد يكون متماهيا مع لذة الألم عند المتصوفين، التي تعني لذة الفناء من أجل البقاء الأبدي، ولكنّ لذة الألم عند شاعرنا تتعلق بالتحدي والمقاومة. وقد تناول الشاعر الراحل أمل دنقل، مسألة علاقة الشعر بالألم من خلال رؤية شعرية مختلفة، حينما يقول:
"والكلمات أقداحٌ مكسرة الحواف
إذا لثمناها تجرّحت الرؤى". 
 الحبيبة تتجلى في بعض النصوص، وتختفي في نصوصٍ أخرى. ولكن الشعور بأنه يتّحد معها روحيا، فهي تعويذته التي تتقاسم معه لذة الحزن، فيسقيها الشعر حتى تذوب القصائد في فمها، وحينما يستعرض وجهها، لا يتحدث عن ملامح الفتنة والجمال التي درج عليها الشعراء في غزلهم وفي قصائد عشقهم، كالعيون الكحيلة والرموش والنظرات والجسد. ولكن شاعرنا ينأى عن كل ذلك، ويقوم برسم وجهها من خلال عشرات الصفات التي تمتزج فيه، حتى تربو على أكثر من تسعين نعتا، من النعوت الجميلة التي تتكدس على وجه الحبيبة، حتى يخامر القارئ شعورا، بأن الحبيبة ليست المرأة فقط، وإنما الوطن والأم والقيم التي يؤمن بها.
لقد ازدحم النصُّ بالنعوت التي تجاورت واتحدت وتجانست لتمنح لنا وجها بهيا، يلوذ به الشاعر، وهو في أوج توحده، حتى يتحوّل طفلا يتدلى بين أرجوحة الحلم والعشق:
"أرضعي قلبي من صدر نبضك الأبيض"
يتغلغل الشاعر في وجه حبيبته التي وجد فيها ذاته، ولكنه في هذا النص يستخدم أسطورة الذات النرجسية، التي رسمها الفنان الإيطالي الكبير كارافاجيو في لوحته المشهورة ، والتي تمثل نرجسوس وهو يتأمل وجهه في الماء. ومن شدة عشقه لنفسه فقد سقط في الماء ومات، وقد نبتت زهرة النرجس التي كانت ترمز لحب الذات. ولكن الشاعر لوى عنق الأسطورة ليمنحها بعدا آخر ومعنى مختلفاً، يقوم على معنى التضحية فيقول:
"أنا لا أصطاد في مائك ياحبيبتي؛
أتأملني فقط، فأستحيلُ إلى نرجسة على صفحتك"
ولكنّ الحبّ لديه يوازي الأمل، فهو صعبٌ ومراوغ، وبعيد المعاني ومتعدد الاحتمالات. إنه يتجاوز المنظور، ويتحد بالأحلام والقيم والمعاناة. لا يقف الحب على المواقف الجزئية من الحياة، بل يتغلغل في ما يحيط به، لأنه يسمو بفكرته وبِقِيَمِهِ:
"للحب معنىً ليس يدركه المُلَوّع، والمُؤلّه والمُعَنّى والمُريد
للحب مليون احتمال". 
يتغلغل الشاعر في العواطف الإنسانية الحميمة، من خلال وجه الحبيبة، وهو يعيش لحظة ذهول وانبهار، لقد كان الوصف جميلا، حينما يطلُّ القمر بين الأهداب، ونرى من خلال وصفه الفراشات التي تحلّق في عيونها. 
لقد تجاوز الوصف التقليدي، وقدم لنا لوحات فنية تتدفق بالحياة.  

لذلك تبدو قصائدُهُ متحركةً، ترتعش وتبكي وتفرح وتتماهي، إنها ليست قصائد تحفل بالمجازات والاستعارات، وإنما موجات من الأحاسيس والمشاعر التي تجري في عروق القصيدة، فتأتي مضمخة بعطرها الإنساني. ومن هنا يأتي التجديد والابتكار الذي جعله يتمرن على الطيران في سماوات قصائده.  
في قصيدته "قميص البلاد" تكثيف لرموز متشابكة، فهذه البلاد تبقى عصيةً، لا يبدو منها سوى الذكرى، البلاد التي تتألم بصمت وتنزوي في ثنايا قصائده، لقد أدرك علّتها ووجعها وأنينها، من خلال رؤية الشعر الثاقبة والتي لا تُخطئ. يصف البلاد من خلال هيئتها الماثلة في مشاعره، في لحظة تاريخية حادة، حيث تحمل عذابات ودموع أهاليها وناسها المفجوعين، يشبّهها باليمامة التي لا ترى إلا الغياب، من خلال استراقه السمع لنجواها، هذه البلاد التي تكالب عليها أخوة يوسف وألقوها في الجب، لم يبق لها سوى قميصها أو رايتها وهويتها وجذرها، وهي تحتضن إنسانها، لتخرج من جُب النسيان.
 لقد كانت هذه القصيدة نشيدا جميلا للوطن. 
الشعر لا ينفصل عن وعي الشاعر، عن خطواته وأحلامه، عن واقعه الحياتي المزدحم بالأضداد؛ لذا تتحول الأدوات الكتابية إلى فعل شعري، وكأنها تشاركه هموم الشعر وأشجانه:
"ثم ألقي بحبري بعيدا هناك لكي يستريح الورقْ" 
مهمة الحروف في نصوص الشاعر لا تقوم بنقل أحاسيه ومعانيه، بل تخوض معه عبء التجربة ومعاناتها؛ فالقصيدة قرينٌ للشاعر، وغير منفصلة عنه، تصرخ به أحيانا ويلوذ بها أحيانا أخرى، يركض لاهثا كي يقبض عليها، يتبعثر السكوتُ في فمها مرّةً، ويتحول إلى صراخ مرة أخرى، والقافية تنكسر، والحروف تبكي والأسطر تلهثُ. لقد استطاع الشاعر أنْ يصنع عوالم جميلة من المادة الكتابية التي نفخ فيها الروح وجعلها تتفاعل، وكأنها مخلوقات تضجّ بالحياة. وهنا تكمن مهمة الشعر الذي يُشبه السحر في تحويله الأشكال والأشياء الجامدة إلى كائنات متحركة ومفعمة يالحيوية.
الزمن عند الشاعر هو اللحظة الراهنة التي يعيشها حبا وقلقا وخوفا وحزنا وفرحا. إنه لا يختار منه، بل يتناغم معه:
"الوقتُ مِقصلةٌ تهادنك
الوقتُ قاتلك الخصوصي الأليف". 
لقد استخدم الشاعر الكثير من الرموز في قصائده، ومن هذه الرموز التي مرت في بعض  نصوصه قصة يوسف. والتي تناولها من زاوية أخرى، لا تتعارض مع النص القرآني، ولكنها تستمد منه بعض القيم التي وردت في القصة. لقد حاول أن يستعير من القرآن الكريم بعض أدواته الواردة في قصة يوسف مثل (البئر والذئب والقميص والحلم)، ولكنه وظّفها بطريقة فنية جميلة. تحافظ على جوهر الفكرة ومغزاها وتحاول أن تولّد منها المعاني والمضامين التي تؤكد على المواقف الأساسية في الحياة:
"لم أشأ أن أرتمي في البئر تلك .. ولم يكن في الحلم ذئبٌ
هل قلتُ إني أعشقك؟!
ورميتني بقميص قربك كي أراك"
كذلك يتناول من الآية الكريمة "قال سآوي إلى جبلٍ يعصمني من الماء".
ويحاول أن يستفيد من قوّتها البلاغية، ليتزود من خلالها بمعين لا ينضب من الأخيلة:
"سأبحث عن جبل يؤويني منك، وسأنتظر طوفانك".
الشعر لا يختلف عن الفن التشكيلي. فالفنان التشكيلي ينتقل إلى مرحلة الحرية في اختيار أسلوبه، بعد أن يمر بصرامة القواعد الكلاسيكية التي يلتزم بها، من حيث المنظور والأبعاد والقياسات وعملية خلط الألوان، وبعد أن يتقن الفنان هذه القواعد ينتقل إلى مراحل التجديد التي يكسر البعض من هذه القواعد، كما فعل الانطباعيون والتجريديون وغيرهم من المدارس الفنية المختلفة. ويمكن أن ينطبق هذا على الشعر أيضا، فالسياب والبياتي وسعدي يوسف وغيرهم من الروّاد، كتبوا الشعر التقليدي في بداية مشوارهم الإبداعي، ثمّ انتقلوا إلى الشعر الحر، في محاولاتهم التجديدية، لذلك فإن كتابة قصيدة النثر دون الرجوع إلى معين الشعر يعتبر حرقا للمراحل.
والشاعر محمود خالد البّنا أكد قدرته في صياغة الشعر الكلاسيكي. وذلك من خلال الكثير من النصوص التي تخللت قصائده، وفي قصيدته "ارتجال" يؤكد قدرته على صياغة الشعر المُقفّى، على عكس الكثير من الشعراء المحدثين، الذين لم يخضعوا أنفسهم لهذه التجربة المهمة. والتي ستساهم في إثراء  قابلياتهم الشعرية. 
يقول الشاعر:
"السطر يذبُلُ لا ماءٌ يبلله ** والشعر يأفُل والأنفاس ترتحلُ
والكفُّ يابسةٌ إن مسها كَلِمٌ ** تهوي إلى حتفها والخوف متصلُ
والليل مرفأ أوراقي إذا انكسرت ** في عتمه نبضات الدمع تكتحل"
وأخيرا فهذه المجموعة الشعرية للشاعر محمود البنّا، ما هي إلا إفراز عميق لتجربة عاشها هذا الجيل، والذي وجد نفسه على حافة هاوية حرجة، فأراد أن يؤكد ذاته، وأن يستنهض كل ما يمتلك من الأدوات، ليتحرر من هذه اللحظة الزمنية المشحونة بالمرارة، ولينتقل إلى مستقبل أكثر شروقا، كي يستجيب لبعض طموحاته وأحلامه.