توفيق الحكيم وقضية الشعر

كتاب إبراهيم عبدالعزيز يعيد إلينا أجواء المعركة الأدبية التي خاضها الحكيم مع عدد من شعراء مصر في الثمانينيات.


ما يشغل فكر الحكيم في قصائده النثرية هو قضايا الكون والخلق والوجود والفلسفة والفكر


أبوسنة: لا أظن أن توفيق الحكيم يرضى عن جمود الشكل التقليدي الذي كبل الشاعر بقيود زائفة


فاروق شوشة: لا أعتقد أن توفيق الحكيم كان جادا حين أطلق هذا الكلام، وإنما هي محاولة جديدة من محاولاته التي لا تنتهي، لإثارة الجدل وجذب الانتباه


عبدالقادر القط: نحن رحبنا بحركة الشعر الجديد لأننا ندرك أنها جاءت وليدة تطور اجتماعي وحضاري كبير، حدث في المجتمع العربي بعد الحرب الثانية

يعيد إلينا كتاب "أشعار توفيق الحكيم" الذي أعده الكاتب الصحفي إبراهيم عبدالعزيز، أجواء المعركة الأدبية التي خاضها الحكيم مع عدد من شعراء مصر في الثمانينيات والتي نشرت في مجلة الإذاعة والتلفزيون على مدار ستة أسابيع. حيث رأى الحكيم أن الشعر العربي الجديد صدى أوروبي، وتساءل في مقاله "توفيق الحكيم وقضية الشعر": متى تكون للشعر العربي الجديد شخصيته الأصيلة؟ ورأى الحكيم أن هذا الشعر تأثر بإليوت الإنجليزي، وفضَّل أن يتأثر الشعراء العرب بالقرآن الكريم وصياغاته. وتساءل: لماذا لا يفطن شعرنا الجديد إلى الأولَى، والأجدى به أن يكون النموذج له في التأثر، وهو القرآن الكريم الذي خرج عن الشكل المعمول به في الشعر العربي التقليدي وقواعده.
وفي رأي الحكيم أنه إذا فطن هذا الشعر الجديد وشعراؤه إلى هذا المصدر لتكونت بذلك شخصية الشعر العربي الجديد الذي بدا للجميع أنه كالزهور الصناعية لا تنبت جذوره من أرضه، بل من أرض أجنبية، وهو ما يهدده بالذبول والزوال، وينذر بالعودة إلى التراث الراسخ في القلوب والأسماع، وهو الشعر العربي التقليدي.
ويعتقد الحكيم أن الذي ينقذ الشعر الجديد ليس مجرد التعديل في التفاعيل، ونحو ذلك من الشكليات التي يثبت بها عدم انفصاله عن تراثه، ولكن الذي ينقد الشعر الجديد فعلا هو انتماؤه إلى القرآن الكريم، ولذلك يدعو الحكيم المجددين من المبدعين في الشعر الحديث أن ينظروا إلى تجديدهم في القرآن الكريم بدلا من احتذاء شعر إليوت وغيره من الشعراء المجددين في أوروبا. ويرى الحكيم أن المبرر الوحيد لتغيير التفاعيل والقوافي، مما هو جوهر هذا الشعر الجديد، أن يتجه استخدامه إلى "الدراما" والمسرح والقصة، أي القوالب الجديدة في عالمنا الجديد.
ويقول إبراهيم عبدالعزيز: وفي قضية الشعر عامة يقول توفيق الحكيم في كتاب قديم له عن "أدب الحياة" إنه ليس ممن يتمسكون بعمود الشعر القديم وأوزانه وقوافيه بغير جدال ومناقشة، فهو مستعد دائما للإصغاء إلى كل رأي جديد.

لم نعثر على نص شعري للحكيم به رائحة المرأة أو الحب البشري بين رجل وامرأة، أو قصائد غزلية، فلم تكن هذه القضية من القضايا والموضوعات التي تؤرق فكر توفيق الحكيم الذي عرف عنه بأنه "عدو المرأة"

وقد تلقف شعراء مصر آراء توفيق الحكيم، فهاجمه معظمهم، وأيده قلة منهم، وها هو الشاعر محمد إبراهيم أبوسنة يقول: لا أتصور أن الأستاذ الحكيم يصدق نفسه وهو يعلن هذا الرأي – بعدم إصالة الشعر العربي الحديث – لأنه يعلم أن حركة الشعر الحديثة هي حلقة طبيعية في حلقات التطور والتجديد والتي شهد العصر العباسي بداياتها، وشهد العصر الأندلسي تفتحها، حيث خرجت القصيدة من حيث البناء من الوقوف على الإطلال والغزل، ثم وصف الراحلة التي يمتطيها الراحل، ثم حدث تطور أكثر نضجا في العصر الأندلسي حيث نشأت التواشيح، والمقطعات، وبدأ مناخ  فني جديد.
ويضيف أبوسنة: ولا أظن أن الأستاذ توفيق الحكيم يرضى عن جمود الشكل التقليدي الذي كبّل الشاعر بقيود زائفة، وحال دون ابتكار أنماط فنية جديدة. ويعتقد أبوسنة أن حصاد حركة الشعر الحديث خلال الثلاثين سنة الماضية هو أخطر إنجاز للشعر العربي خلال الألف سنة، وإن التزمت بالمضمون التاريخي والتجربة والموهبة والإيقاع الموسيقي، ولكنها استفادت من فنون العصر.
ويتفق الشاعر أحمد سويلم مع الشاعر أبوسنة ويقول: ليس صحيحا أن الشعر العربي الحديث رافد من روافد الثقافة الغربية، وأنه معدوم الجذور في تاريخ الشعر العربي، فمن يقرأ تاريخ الشعر العربي قراءة متأنية، يجد أن ملامح التطور والتجديد كانت تصاحب دائما أي تطور في المجتمع.
ويضيف سويلم: لا نستطيع أن نقول إن الشعر العربي الحديث صدى للحركة الشعرية الأوروبية الحديثة، لأن الشعر الحديث ليس ابتكارا أوروبيا، وإنما إذا شئنا الدقة التاريخية، فقد كان للفراعنة السبق في معرفة ما نسميه بالشعر الحديث، وفي الأدب الفرعوني القديم ما يدل على ذلك.
وعن الشعر الذي استلهمه توفيق الحكيم من القرآن - وورد بالكتاب - فيقول عنه سويلم، إنه تقليد ماسخ للقرآن، لأن القرآن ليس شعرا، ثم إن هذا النموذج الذي أتى فيه خلل كثير من الوزن، فالشعر ليس إيقاعات فارغة، ولكنه إلى جانب ذلك امتزاج بمضمون حياتي له قيمة، وله إضافة في وجدان المتلقي.
أما المثال الذي يقصده سويلم في أشعار توفيق الحكيم والذي استقاه الحكيم من سورة "العاديات" في قوله تعالى: "وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا، فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا، فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا،  فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا، فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا، إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُود"؛ فهو:
تنفَّس صبحا من أنوف خيول
تعدو لاهثة في وهاد نفسي
أسمع في أعماقي الصهيل
امنعوها من اللحاق بأمسي
إنها في غيوم تمرق
تتساقط من سنابكها شهب تبرق
وتغرق في عيون سود.
(وسنلاحظ بعد ذلك أن الشاعر أمل دنقل (1940 – 1983) قد استهلم تلك الآيات القرآنية في قصيدته "الخيول" التي يقول فيها:
لستِ المغيراتِ صُبحا
ولا العاديات ـ كما قيل ـ ضَبْحا
ولا خضرة في طريقك تمحى
ولا طفل أضحى
إذا ما مررت به .. يتنحى).
أما الشاعر فاروق شوشة فيقول: لا أعتقد أن توفيق الحكيم كان جادا حين أطلق هذا الكلام، وإنما هي محاولة جديدة من محاولاته التي لا تنتهي، لإثارة الجدل وجذب الانتباه، ولست أعتقد أن هذه النماذج القرآنية – من بعض السور الكريمة – تشكل نقطة انطلاق لموسيقى الشعر الجديد، أو تحمل معالم الأبوة الشرعية لهذا الشعر.
ولا يرى فاروق شوشة أن شعرنا الجديد وليد التأثر بإليوت وغيره من شعراء الغرب، فمهما بلغ التأثر بمثل هذه الروافد الأجبنية، فإنه لا يخلق حركة شعرية بهذا العمق والشمول والقدرة.  

Poetry
عناوين فلسفية وجودية كونية

بينما يرى الشاعر فاروق جويدة أن قصيدة التفعيلة ليست خروجا على الشعر التقليدي لأنها تلتزم بالتفعيلات الخليلية التي درج عليها الشعر العربي منذ مئات السنين. والتغير الوحيد الذي حدث هو في عدد التفعيلات وشكل القافية. 
ويضيف جويدة رأيا عن قصيدة النثر فيقول: أما ما يسمى بقصيدة النثر، فمن الممكن، أن تسمى أصحابها أي شيء آخر غير أن يكونوا شعراء. وخوف جويدة على الشعر يرجع إلى سبب آخر هو أن ضرب الشعر العربي في حقيقته ضرب للغة العربية في حقيقتها، وضرب للقرآن، وهنا يصبح للقضية أكثر من جانب، وتصبح المشكلة أكثر تعقيدا.
وتتسع الآراء لتشمل أصوات الشعراء: فتحي سعيد، ومحمد مهران السيد، ومحمد التهامي، وإبراهيم عيسى، وعبدالمنعم الأنصاري الذي يتفق مع الحكيم في أن حركة الشعر الحديث حركة بلا جذور لأنها نزعت نفسها من التراث العربي، واستمدت ينابيعها من شعر الغرب، وهو شعر يعبر عن شعوب بلغت مستوى حضاري يموج بالترف والضجر والسأم، ما يجعله متعارضا مع منابعنا الواضحة البناءة.
أيضا يتفق الأنصاري مع الحكيم في أنه يمكن أن نستلهم من القرآن صورا عديدة ولكن لا نقلده.
ومن الشعراء المتفقين مع آراء توفيق الحكيم الشاعران إسماعيل عقاب وسعيد فايد.
ويختتم الناقد الدكتور عبدالقادر القط مجمل هذه الآراء بقوله: نحن رحبنا بحركة الشعر الجديد لأننا ندرك أنها جاءت وليدة تطور اجتماعي وحضاري كبير، حدث في المجتمع العربي بعد الحرب الثانية، وأنها لم تكن مفاجأة أو طفرة بل سبقتها تجارب كثيرة في الشكل الشعري منذ بداية الحركة الرومانسية إلى أن بدأت هذه الظاهرة تأخذ شكلها الفني الجديد.
ويضيف القط: لا أعتقد أن هذه الحال التي وصل إليها الشعر الحر تنذر بالعودة إلى الشعر التقليدي، لأن الشعر مثل أشكال الفن والأدب لا يمكن أن تكون ثابتة على مر العصور. ويرى الدكتور القط أن الخلاص لا يكون بالعودة إلى الشعر التقليدي، ولكن بإعادة الارتباط بالتراث القديم، وإدراك سر اللغة العربية، وأساليبها، ثم الخروج من هذا التراث، وثمار الأدب العربي الحديث، بمفهوم جديد للشعر يرضي حاجات المرحلة التي نعيش فيها، ولا يتجاهل طبيعة متلقي الشعر، بدعوى أن التجربة الشعرية تقتضي مثل هذا الشكل دون نظر على الإطلاق لطبيعة المتلقي. ويتعرض القط لطبيعة التجربة العصرية، ويرصد الواقع الشعري.
وبطبيعة الحال أن يقوم توفيق الحكيم بالرد على آراء الشعراء التي وردت بالتحقيق الصحفي الموسّع الذي أجراه إبراهيم عبدالعزيز الذي صاحب الحكيم في سنواته الأخيرة، ويكتب الحكيم رده بمجلة الإذاعة والتلفزيون في 15 فبراير/شباط 1985 تحت عنوان "ظلموني الشعراء" مؤكدا أنه لا يعارض التجديد الذي ظهر في القصيدة العربية، بما نتج عنه ما يسمى بالشعر الحر، وأنه كان يدافع عن الشعراء ولا يهاجمهم ولكن أُسيئ تفسير ما كتبه وذهب إليه. وقال: لقد فهمني شعراء القصيدة الحرة فهما خاطئا عندما تصوروا أنني أريد أن يقلدوا القرآن، فهذا أبعد ما يكون عن تفكيري. ويعلن الحكيم أنه أراد أن يكون محاميا عن الموجة الجديدة من شعراء القصيدة الجديدة، ولكن ما حدث أنهم أمسكوا بي وظنوا أنني لست محاميا، وإنما أنا متهم. ولكي يصالح الحكيم هؤلاء الشعراء قام بالكتابة عن ثلاثة نماذج لثلاثة شعراء هم: فاروق شوشة، وأحمد سويلم، ومحمد إبراهيم أبوسنة.
وعلى الرغم من عدم شهرة الحكيم كشاعر، فإنه مارس كتابة الشعر باللغتين الفرنسية والعربية وخاصة عندما كان يعيش في باريس في عشرينيات القرن الماضي (1926 – 1927)، ويقدم لنا إبراهيم عبدالعزيز مفاجأته بالحديث عن ديوان شعري كتبه الحكيم ونشره في "طبعة محدودة تماما وكلية للأصدقاء".
ويقول عبدالعزيز: من الملاحظ على هذا "الديوان" - إذا اعتبرناه ديوانا – أن أغلب مقطوعاته قد نقلها الحكيم بنصوصها العربية – التي سبق نشرها في كتابه "رحلة الربيع والخريف 1964 – إلى الفرنسية في سنة 1981 – وأسماها "قصائد عربية" وتحتوي على 31 نصا، وفضلا عن ذلك فللحكيم قصيدة بعنوان "مجنون الأميرة الفرعونية" كتبها تحت اسم "شعر منثور قديم لتوفيق الحكيم" مؤرخا إياها بعام 1926 في باريس.
وتتوزع مهمة ترجمة بعض قصائد توفيق الحكيم من الفرنسية إلى العربية بين نيرمين البحر، ونشوة الأزهري، ود. كاملينا صبحي.
يقول توفيق الحكيم في أحد النصوص:
قبران 
توأمان، جميلان
منعزلان في البيداء
كحمامتين
شردهما إعصار
آوى إليهما عاشقان
أثقلت التعاسة حياتهما
ثم كانت المعجزة 
انبثقت
من جوف القبرين
التوأمين الجميلين
شجرتان، مورقتان
تشابكتا
تعانقتا
بأوراقهما
حتى بدت
وكأنها القبلات
ويقولون
أبدا .. مذ عرف الحب
قلب الإنسان
ما نمت هذه الأشجار
في مثل هذا المكان.

ونلاحظ أن ما يشغل فكر الحكيم هو قضايا الكون والخلق والوجود والفلسفة والفكر، أو القضايا الإنسانية الكبرى التي نلمحها في أعمال المسرحية والنثرية الأخرى، منذ مسرحيته الأولى "أهل الكهف" 1933.
وكان يحمل هذا الفكر وهذه القضايا في قصائده الشعرية التي جاءت من قصائد النثر في فترة مبكرة قبل أن تنتشر هذه التسمية في الوطن العربي، غير أن الحكيم لم يستمر على هذا المنوال من الكتابة الشعرية، وإنما هجرها بعد ذلك، ويبدو أن عداءه للشعر المدرسي الذي كان مقررا على تلاميذ المدارس في صباه جعله لا يخلص للشعر إخلاصا كاملا، فضلا عن الواقعة التي حدثت بينه وبين أبيه في صغره أيضا كان له تأثير كبير في لاوعي الحكيم.
يقول الحكيم في نص بعنوان "رحلة بين الكواكب"
أنتِ يا من تحلقين
العزيزة أرضنا
أمنا أرضنا
بعيدا عن ديارنا، حمامنا، أفقنا
فإن تجاوزنا مرة
حدودنا، قانوننا
ستفنين
أو تعيشين
تتضورين جوعا
أو تشهدين
ماضيا ينتهي
ترى هل لو استمر توفيق الحكيم في كتابه قصائده بالعربية والفرنسية، على هذا النحو منذ عشرينيات القرن الماضي، لأصبح الآن رائدا من رواد قصيدة النثر العربية، التي تجسدت بكل ألقها وفتونها على يد شعراء مجلة "شعر" اللبنانية في بداية الخمسينيات الفائتة؟
وفي نموذج شعري يحمل عنوان "الإنسان الأول يقتل":
حينما قتل قابيل
هابيل
ارتجت
الأرض البكر الجميلة
فكان أول زلالها
والشمس
اللامعة كما الألماس
انخسفت
ونبتت
شوكة في الزهرة
وبعد أن كانت 
مياه البحر عذبة
أصبحت مرة.
بالإضافة إلى قصائد أخرى تحمل عناوين مثل: لست وحدي في الكون، مسافر في الفضاء، حلمنا وواقعنا، كلام النجوم، كلامنا نحن، قبة سمائنا، أعماق نفسي، نسيج الخليقة، مزاجنا، اللامتناهي في المتناهي، أيتها الحياة التي فينا، دخان أفكار، أين المصير؟ رحمة، ألوان، القمر الآخر، ذرّة، موت، عدالة، تجدد الكون .. الخ.
وكما نرى فإنها كلها عناوين فلسفية وجودية كونية، يحمل بعضها الصبغة العلمية، ولم نعثر على نص به رائحة المرأة أو الحب البشري بين رجل وامرأة، أو قصائد غزلية، فلم تكن هذه القضية التي حملها على سبيل المثال شعراء من أمثال عمر بن أبي ربيعة، وإبراهيم ناجي ثم نزار قباني على سبيل المثال من القضايا والموضوعات التي تؤرق فكر توفيق الحكيم الذي عرف عنه بأنه "عدو المرأة".